اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٣ أيلول ٢٠٢٦
ليس من قبيل العبث، ولا هو بلا هدف استراتيجي بعيد المدى، أن يقرر متخذو القرار في غرفة العمليات الإيرانية التي تقود «ميليشيات الحوثي» اليمنية، استهداف مكة المكرمة. كلا، ثمة أهداف عدة وراء أمر بهذا الحجم من الخطورة. وهناك أسباب يمكن إدراجها ضمن مجريات الحرب الدائرة منذ سبعة أشهر، أوجبت أن تتخذ طهران قرار تجريب الذي حدث يوم الخامس عشر من الشهر الحالي، بإرسال طائرة مُسيّرة نحو الحرم المكي الشريف، تصدت لها قوات الدفاع السعودية فدمرتها قبل تَمكّن مُسيّريها من إدخالها إلى المجال الجوي لأقدس بقاع المسلمين في العالم أجمع، وذلك بقصد قياس ردود الفعل الإسلامية تحديداً، والعالمية عموماً، إزاء هذا الاجتراء.
بالطبع، ليس خافياً على أي متابع من كثب لما مرّ به إقليم الشرق الأوسط من مخاضات منذ تسلّم «الخمينية» حكم إيران، ما راود قادة المسماة «الثورة الإسلامية» من أحلام سيطرة على العالم الإسلامي، سعوا إلى تحقيقها بكل ما استطاعوا الوصول إليه من وسائل، لم يخلُ بعضُها من التسلط على مختلف الأقليات من كل المذاهب داخل إيران وخارجها، فضلاً عن رفع شعار تصدير منهج «ثورتهم» ذاتها إلى دول الجوار. ضمن هذا المخطط حصل انفجار حرب الخليج الأولى، بعدما زاد ضغط الاستفزاز الإيراني عن كل حد مُحتمل من جانب الحكم العراقي زمنذاك، فكانت مواجهة الثمانية أعوام التي انتهت باضطرار الخميني إلى «تجرّع كأس السم».
الواقع أن أحداً لم يدعُ حكام إيران الخمينية إلى تجرع أي سُم، بل هم الطرف الذي رفض الاستجابة الجَدية لمحاولات دول الجوار مِن حولهم إرساء أسس علاقات تقوم على حوار يستهدف حل جوانب الاختلاف حول أي من المجالات، عِوضاً عن إصرار الخميني على انتهاج أسلوب فرض منهاج «الثورة الإسلامية» ولو بالقوة. ضمن سياق الإكراه هذا وقع أكثر من حدث استفزازي تنفيذاً لتعليمات طهران؛ منها، مثلاً، تنظيم مظاهرات الشغب من جانب حجاج إيرانيين في مكة المكرمة خلال موسم الحج عام 1407 الهجري، الموافق لعام 1987 الميلادي، رغم الأمر الإلهي الحاسم بمنع كل أوجه الرفث والجدال والفسوق خلال أداء مناسك الفريضة. لكن أياً من أحداث الاستفزاز الإيرانية لم يكن عبثاً ولا مجرد صدفة.
كلا؛ مكة المكرمة هي الهدف؛ فالبيت العتيق هو قِبلة جُموع المسلمين في كل صلاةٍ، وهو المكان الذي ميّز الخالق عزّ وجل أهله القائمين على خدمته، فاستجاب لدعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، بأن جَعل أفئدة مِن الناس تنتمي إلى مختلف بقاع العالم، تَهوي إليهم، ومِن الثمرات رزقهم الرزق الوفير، فهل مِن عجب أن يكونوا موضع استهداف؟ كلا، وقد تنوّعت أساليبه، وتعددت مناهجه، فرغم الفارق المَذهبي، والبعد الزمني الشاسع، بين مُسَيَّرة «ميليشيات الحوثي» و«الاقتحام الجهيماني» للحرم المكي عام 1979، يبقى الهدف من استهداف مكة واحداً. ويبقى أيضاً القول إن وقوف أصوات فلسطينية في الصف الإيراني - الحوثي، إضافة إلى أنه موقف خاطئ أساساً، فهو مؤلم، وليس له أي مبرر يسنده، رغم كل مزاعم أصحابه، أياً كانت مضامينها، ومنصات إطلاقها.












































