اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
الدولة الحديثة هي ليست الدولة التي تمتلك أكبر عدد من التطبيقات والمنصات الإلكترونية، وإنما الدولة التي تستطيع أن تتخذ قرار أفضل، وبوقت أقصر، وكلفة أقل، وعدالة أعلى. وهنا يقع أحد أهم الفروق بين الرقمنة والتحول الحقيقي، فإذا كان الإجراء الحكومي معقد، ويحتاج إلى خمس موافقات وثلاث زيارات وسبعة توقيعات، ثم نقلناه كما هو إلى شاشة إلكترونية، فإننا لم نُصلح الإجراء، لقد أنشأنا ببساطة بيروقراطية رقمية، وإذا كانت البيانات موزعة بين المؤسسات، وغير محدثة أو غير متطابقة، ثم أدخلنا عليها نظام ذكاء اصطناعي متقدم، فلن نحصل بالضرورة على قرار أكثر ذكاء، لكن ربما نحصل على خطأ أكثر سرعة. لهذا فإن التحدي الأردني في عصر الذكاء الاصطناعي لا يبدأ من السؤال، ما التكنولوجيا التي نشتريها؟ انما من سؤال أكثر عمق وهو كيف نريد للدولة أن تعمل؟
عومل التحول الرقمي عالميا بوصفه مسؤولية إدارات تكنولوجيا المعلومات، اليوم لم يعد ذلك كافيا, فالذكاء الاصطناعي يمس طريقة اتخاذ القرار، وتخصيص الموارد، وتقديم الخدمات، وتنظيم الأسواق، وإدارة الصحة والتعليم والنقل والاستثمار. ، أي أنه ينتقل من هامش الإدارة إلى قلبها. ولهذا فإن الاستراتيجية الأردنية للذكاء الاصطناعي لا تقف عند التكنولوجيا، لكنها تشمل بناء القدرات، والبحث العلمي، والاستثمار وريادة الأعمال، والبيئة التشريعية والتنظيمية، وتطبيق أدوات الذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة عمل القطاع العام. كما أن البرنامج التنفيذي الثاني لتحديث القطاع العام 2026–2029 يحدد أربعة مخرجات مترابطة، حكومة محورها المواطن، مرنة وجاهزة للمستقبل، ومتكاملة وكفؤة، وذكية ومبتكرة. هذه ليست عبارات منفصلة. إنها في حقيقتها وصف لنموذج تشغيل جديد للدولة.
ربما يكون أهم مبدأ في التحول الحكومي هو لا تُرقمن الإجراء قبل أن تعيد التفكير فيه. عندما يطلب المواطن أو المستثمر خدمة ما، يجب ألا يكون السؤال الأول كيف نحول النموذج الورقي إلى نموذج إلكتروني؟ انما لماذا نطلب هذه المعلومة؟ هل تمتلكها الدولة أصلا؟ لماذا يطلبها أكثر من جهاز حكومي؟ هل ما زالت هذه الموافقة ضرورية؟ هل يمكن دمج مرحلتين؟ هل تستطيع الأنظمة الحكومية تبادل المعلومة مباشرة؟ وهل يمكن الانتقال من تقديم الطلب إلى استباق الحاجة إليه؟ التسلسل الصحيح ينبغي أن يكون إلغاء ما لا ضرورة له يليه تبسيط توحيد ،ربط ، رقمنة ، أتمتة ، ثم استخدام الذكاء الاصطناعي حيث يكون وجوده لاضافة قيمةحقيقية تنعكس على الخدمات المقدمة لمتلقي الخدمة وتنعكس على الاداء العام للقطاع الحكومي. إذا عكسنا هذا التسلسل، فإن التكنولوجيا قد تصبح طبقة جديدة فوق التعقيد بدلا من أن تكون أداة لإزالته.
المواطن لا يهتم كثيراً أي وزارة تملك المعلومة، بالنسبة إليه، هناك دولة واحدة، لكن الدولة إداريا تتكون من عشرات المؤسسات، ولكل مؤسسة قواعد بيانات وأنظمة وإجراءات ومسؤوليات. وهنا يظهر أحد التحديات الكبرى للتحول الرقمي وهو أن تكون المؤسسة رقمية منفردة، بينما تبقى الدولة مجزأة رقميا.
الحكومة المستقبلية تحتاج إلى مبدأ اطلب المعلومة من المواطن مرة واحدة، إذا كانت جهة رسمية موثوقة تمتلك المعلومة قانونيا، فلا ينبغي أن يضطر المواطن إلى إعادة تقديمها مرارا إلى جهات حكومية أخرى، مع الالتزام بضوابط الغاية القانونية والخصوصية والصلاحيات، وهذا يتطلب أكثر من ربط تقني، يحتاج إلى حوكمة بيانات، ومعايير موحدة، وهوية رقمية موثوقة، وواجهات تبادل، وتصنيف للبيانات، وصلاحيات واضحة، ومسؤولية قانونية عن دقة المعلومة. وهنا تكتسب المبادرة الوطنية لجمع البيانات التي وجّه سمو ولي العهد بإطلاقها في 28 تشرين الأول 2026 أهمية خاصة، إذ ركز التوجيه على دقة البيانات وجودتها وسلاسة تدفقها والاستخدام المسؤول لها، وعلى القرار القائم على المعلومات، فمن دون بيانات جيدة، لا توجد دولة ذكية مهما كان مستوى التكنولوجيا التي تمتلكها.
هناك معنى سياسي ومؤسسي أعمق للبيانات، الدولة التي تبني قراراتها على معلومات مؤسسية موثوقة تصبح أقل اعتمادا على ذاكرة الأشخاص وأكثر اعتمادا على ذاكرة المؤسسة، يتغير الوزير، ويتغير الأمين العام، ويتغير المدير، لكن المعرفة المؤسسية ينبغي ألا تبدأ من الصفر. إذا كانت المعلومات والقرارات السابقة ونتائجها ومؤشرات الأداء محفوظة في منظومة مؤسسية قابلة للتحليل، فإن الحكومة تستطيع أن تتعلم من نفسها، وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لبناء ذاكرة دولة قابلة للتراكم، ليس ليقرر بدلا من المسؤول، لكن ليعرض أمامه ماذا حدث سابقا؟ ما الاتجاهات؟ أين ظهر الخلل؟ ما السيناريوهات؟ وما النتائج المحتملة لكل خيار؟ هذه هي القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة وهو رفع نوعية القرار البشري والارتقاء به، وليس الاستغناء عن الدور الإنساني في اتخاذه.
هنا نصل إلى حد بالغ الأهمية، ليس كل ما تستطيع الخوارزمية القيام به ينبغي أن يُترك لها للقيام به وحدها. كلما اقترب القرار من حقوق الإنسان أو فرصه أو التزاماته القانونية، ارتفعت الحاجة إلى رقابة بشرية ومساءلة وشفافية. إذا ساعد نظام ذكي في تحليل طلب، أو تحديد أولوية، أو تقييم خطر، يجب أن يكون هناك إطار يجيب عن أسئلة واضحة، من صمم النموذج؟ ما البيانات التي تدرب عليها؟ هل يمكن تدقيق نتائجه؟ ما حدود استخدامه؟ من يتحمل مسؤولية الخطأ؟ وهل يستطيع المواطن الاعتراض على قرار تأثر بتوصية آلية؟ هذه الأسئلة ليست ضد التكنولوجيا، هي التي تمنح التكنولوجيا الشرعية المؤسسية. والاستراتيجية الأردنية نفسها تربط الاستفادة من البيانات والذكاء الاصطناعي ببيئة تشريعية تحمي خصوصية البيانات الشخصية، في ظل وجود قانون حماية البيانات الشخصية رقم 24 لسنة 2023. فالدولة الذكية هي الدولة التي تعرف أكثر عن مواطنيها والتي تعرف كيف تستخدم ما تعرفه بمسؤولية.
هناك سؤال آخر لا ينبغي أن يبقى تقني، أين توجد بيانات الدولة؟ ومن يستطيع الوصول إليها؟ وعلى أي بنية تقنية تعمل الأنظمة الحرجة؟ ليس المقصود أن يعزل الأردن نفسه تكنولوجيا أو أن يطور كل برنامج محليا، فهذا غير واقعي اقتصاديا وتقنيا، لكن الدولة يجب أن تميز بوضوح بين ما يمكن شراؤه كخدمة تجارية عادية، وما يمثل أصل وطني حساس، وما يجب أن يبقى تحت سيطرة سيادية مباشرة، وما يمكن أن يعمل في بيئات سحابية، وما يحتاج إلى ضوابط إضافية للأمن السيبراني واستمرارية الأعمال، فالاعتماد الكامل على مورد تقني واحد قد يتحول من قرار مشتريات إلى مخاطرة استراتيجية، ولهذا فإن إحدى قواعد الدولة الرقمية يجب أن تكون بان نستخدم التكنولوجيا العالمية، لكن لا نفقد القدرة الوطنية على التحكم في البيانات والقرار واستمرارية الخدمة.
عندما يتأخر إجراء حكومي، يكون من السهل تحميل الموظف المسؤولية، لكن في كثير من الحالات، قد يكون الموظف نفسه يعمل داخل منظومة تجبره على تنفيذ عشرات الخطوات التي لا يملك صلاحية تجاوزها، لهذا فإن تحديث القطاع العام لا ينبغي أن يكون مجرد مطالبة الموظف بأن يعمل أسرع. انما أن نسأل هل صُممت الوظيفة بصورة صحيحة؟ هل توزيع الصلاحيات منطقي؟ هل القرار قريب من المعلومة؟ كم مستوى إداري يحتاج الإجراء؟ وكم ساعة من وقت موظفي الدولة تُستهلك في أعمال يمكن للآلة تنفيذها؟ الذكاء الاصطناعي هنا فرصة لإعادة تعريف الوظيفة العامة. فالآلة تستطيع أن تقرأ آلاف الوثائق، وتطابق البيانات، وتكتشف النواقص، وتعد التقارير الأولية، لكن الإنسان يجب أن يتفرغ أكثر ل الحكم، والتحليل، والتفاوض، والتخطيط، والتواصل، والرقابة وصناعة القرار، المعادلة ليست الذكاء الاصطناعي بدل من الموظف، لكنها موظف أفضل, انتاجيته افضل و مدعوم بذكاء اصطناعي أفضل.
المرحلة الأولى من الحكومة الرقمية كانت أن يستطيع المواطن تقديم الطلب إلكترونيا، أما المرحلة الأعلى فهي أن تعرف الدولة أن المواطن يستحق الخدمة قبل أن يطلبها، عندما يسمح القانون بذلك. حين يولد طفل، لماذا يحتاج المواطن إلى بدء سلسلة كاملة من الإجراءات المنفصلة إذا كانت الأنظمة تستطيع تشغيل الخدمات المرتبطة بالواقعة تلقائيا؟ وعندما تنتهي رخصة أو وثيقة، لماذا لا تأتي الخدمة إلى المواطن قبل أن يبدأ بالبحث عنها؟ وعندما يتأهل شخص للحصول على خدمة أو دعم استناداً إلى بيانات موثوقة، لماذا يحتاج إلى إثبات المعلومات ذاتها من جديد؟ هذا هو الانتقال من الحكومة عند الطلب إلى الحكومة الاستباقية، اي من دولة تنتظر المواطن عند الشباك الإلكتروني، إلى دولة تستطيع أن تنظم خدماتها حول رحلة حياة المواطن لا حول الهيكل التنظيمي للمؤسسة، وهذا يتفق مع اتجاه تحديث القطاع العام نحو حكومة محورها المواطن وتعمل بصورة أكثر تكامل.
هناك استخدام أعلى قيمة من أتمتة المعاملات وهو دعم السياسة العامة نفسها، الدولة تمتلك كميات هائلة من البيانات في الصحة والتعليم والعمل والطاقة والنقل والمياه والاقتصاد. عندما تُربط هذه البيانات بصورة مسؤولة، يمكن لصانع القرار أن يرى الدولة بطريقة لم تكن ممكنة سابقا. يمكن بناء نماذج تساعد على رصد الضغط على المستشفيات قبل وقوعه. توقع احتياجات المدارس. تحديد أنماط التعطل في سوق العمل. تحليل أثر تغيير تشريع قبل تطبيقه، توقع الطلب على الطاقة والمياه، ومقارنة السيناريوهات الاقتصادية بصورة أسرع، هنا يصبح الذكاء الاصطناعي بنية لصناعة القرار، وليس مجرد خدمة للمواطن، وهذه النقلة ربما تكون أكثر أهمية للدولة من إطلاق عشرات التطبيقات الجديدة.
إذا أردنا معرفة ما إذا كانت الدولة أصبحت أكثر ذكاء، فلا يكفي أن نسأل كم خدمة رقمنا؟ وكم تطبيق أطلقنا؟ وكم نظام اشترينا؟ هذه مؤشرات نشاط، وليست دائما مؤشرات أثر. السؤال الحقيقي هو كم انخفض زمن الحصول على الخدمة؟ كم انخفضت كلفتها على المواطن والدولة؟ كم عدد الزيارات التي ألغيت؟ كم انخفض معدل الخطأ؟ كم ازدادت قدرة الدولة على اكتشاف التعارض قبل وقوعه؟ هل تحسن رضا المواطن؟ وهل تحسن القرار؟ وقد أكد التكليف الملكي بإنشاء المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل منذ البداية ضرورة وجود خارطة طريق واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس. فالتحول الحقيقي لا يقاس بعدد الأنظمة. يقاس بما تغير في حياة المواطن وفي قدرة الدولة.
يمكن، في تقديري، اختصار النموذج المطلوب في سبعة مبادئ وهي:
أولا : إعادة هندسة الإجراء قبل رقمنته، لا أتمتة لإجراء لم تثبت ضرورته.
ثانيا : البيانات أصل وطني، تدار بجودة ومسؤولية وصلاحيات واضحة، ولا تبقى جزر معلومات منفصلة.
ثالثا : الحكومة منظومة واحدة، يجب أن تتبادل المؤسسات البيانات والخدمات وفق أطر قانونية وتقنية واضحة بدلا من نقل العبء إلى المواطن.
رابعا : الإنسان مسؤول عن القرار، يستخدم الذكاء الاصطناعي لدعم القرار، مع رقابة بشرية ومساءلة خصوصاً في القرارات ذات الأثر القانوني أو الاجتماعي الكبير.
. خامسا : السيادة الرقمية جزء من الأمن الوطني، يجب أن تعرف الدولة أين توجد بياناتها، ومن يسيطر على البنية الحرجة، وكيف تضمن استمرار خدماتها.
سادسا : المشتريات الحكومية يجب أن تشتري النتائج لا أسماء التقنيات، تحدد الدولة المشكلة والمعايير والأداء المطلوب، وتترك المجال للمنافسة والابتكار، مع حماية قابلية التشغيل البيني وتجنب الارتهان التقني غير الضروري لمورد واحد.
سابعا : الأثر هو معيار النجاح، فالخدمة الرقمية التي تحتاج الوقت والتعقيد ذاته ليست تحولاً، حتى وإن أصبحت بلا ورق.
يمتلك الأردن اليوم بنية مهمة يمكن البناء عليها, وهي استراتيجية للذكاء الاصطناعي، واستراتيجية للتحول الرقمي 2026–2028، وبرنامج ثاني لتحديث القطاع العام 2026–2029، ومجلس وطني لتكنولوجيا المستقبل، إضافة إلى مسار متنامٍ في الهوية الرقمية، والربط الحكومي، والخدمات الرقمية والبيانات ، فالخدمة الرقمية التي تحتاج الوقت والتعقيد ذاته ليست تحولاً، حتى وإن أصبحت بلا ورق لكن قيمة هذه العناصر لن تكون في وجودها منفردة، التحدي الحقيقي هو أن تعمل كمنظومة واحدة، فالذكاء الاصطناعي بلا بيانات جيدة لن ينجح، والبيانات بلا حوكمة قد تتحول إلى خطر، والرقمنة بلا إعادة هندسة قد تنقل البيروقراطية من الورق إلى الشاشة، والتكنولوجيا بلا موظف مؤهل لن تحقق أثرها، والإجراء السريع بلا مساءلة قد يصبح أقل عدالة لا أكثر، لهذا فإن تحديث الدولة ليس مشروع تكنولوجي إنه مشروع مؤسسي وسياسي وإداري وقانوني تستخدم فيه التكنولوجيا كأداة.
ربما يكون أعمق ما يمكن أن يمنحه الذكاء الاصطناعي للدولة ليس سرعة المعاملة، انما أن تصبح الدولة أكثر قدرة على معرفة نفسها. أن تعرف أين تنفق، وأين تتأخر، وأين تتكرر الأعمال، وأين تفشل السياسة، وأين يوجد الطلب قبل أن يتحول إلى أزمة، وأن يصبح القرار أقل اعتماد على الانطباع، وأكثر استناد إلى المعرفة، وهنا يتحول مفهوم الدولة الذكية من صورة تقنية إلى مفهوم سياسي ومؤسسي أعمق وهو دولة ترى نفسها بوضوح، وتتعلم من قراراتها، وتحفظ ذاكرتها، وتقيس أثرها، ثم تصحح مسارها.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، ربما لن يكون السؤال الذي يميز الدول المتقدمة عن غيرها هو من يمتلك أقوى خوارزمية؟ فالخوارزميات يمكن شراؤها، والمنصات يمكن التعاقد عليها، والتكنولوجيا تتغير بسرعة. السؤال الأصعب هو من يمتلك المؤسسة القادرة على استخدامها بصورة صحيحة؟ الدولة القوية لن تكون الدولة التي تستبدل الإنسان بالآلة، ولا الدولة التي تضع شاشة أمام كل إجراء، ولكن الدولة التي تعرف ماذا يجب أن تلغي، وماذا تبسط، وماذا توحد، وماذا ترقمن، وماذا تؤتمت، وماذا يجب أن يبقى قرار بشري مسؤول، عندها فقط يصبح الذكاء الاصطناعي أداة تحديث حقيقية، وعندها ننتقل من رقمنة الدولة كما هي إلى إعادة تصميم الدولة كما ينبغي أن تكون.












































