اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦
بينة الملحم
حين تحمي المملكة أمنها، وتدافع عن استقرار المنطقة، وتتحمل مسؤوليتها في الاقتصاد العالمي، وتبقي في الوقت نفسه المواطن في مقدمة أولوياتها؛ فإنها تقدم نموذجًا في إدارة الدولة للأزمات لا يفصل بين قوة الخارج وتماسك الداخل.. فالحدود تحميها القوة، والاقتصاد تحميه المرونة، لكن الدول في لحظاتها الكبرى يحميها قبل كل شيء الإنسان الواثق بدولته، والدولة التي لا تنسى إنسانها..
تكشف الأزمات الكبرى حقيقة الدول أكثر مما تفعل الأيام العادية؛ فهي لا تختبر قدرتها على حماية حدودها ومؤسساتها فحسب، بل تكشف ترتيب أولوياتها، وصلابة مؤسساتها، وقدرتها على إدارة الأمن والاقتصاد والتنمية والاستقرار الاجتماعي في وقت واحد. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التوجيه الملكي الأخير بالإجراءات الداعمة لشرائح واسعة من المواطنين باعتباره قرارًا تتجاوز دلالاته الأثر المالي المباشر إلى فلسفة أعمق في إدارة الدولة للأزمات: أن يبقى الإنسان في قلب القرار مهما اتسعت دوائر الخطر.
يأتي القرار في مرحلة إقليمية بالغة الحساسية، تتصاعد فيها اعتداءات ميليشيا الحوثي وتهديداتها لأمن المملكة والمنطقة، وتمتد انعكاساتها إلى المنشآت الحيوية والمطارات وإمدادات الطاقة والممرات البحرية. ولم يعد أثر هذا التصعيد محصورًا في جغرافيا الصراع؛ فما يحدث في الخليج والبحر الأحمر يتحول سريعًا إلى أسعار طاقة أعلى، واضطراب في سلاسل الإمداد، وقلق في الأسواق، وتكاليف يتحملها الاقتصاد العالمي.
وفي قلب هذا المشهد، جاءت الرسالة السعودية واضحة: إدارة الخطر الخارجي لا تعني إرجاء احتياجات الداخل، ومواجهة التهديد لا تزيح المواطن عن صدارة الأولويات.. وهذه إحدى أهم دلالات القرار.
فالأمن الوطني في مفهومه الحديث لم يعد مقتصرًا على الدفاع عن الحدود أو حماية المنشآت. الأمن منظومة متكاملة تشمل استقرار المجتمع، والثقة بالمؤسسات، والأمان الاقتصادي، وقدرة الأسرة على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا تكتسب إجراءات دعم الموظفين والمتقاعدين ومستفيدي الضمان، إلى جانب الإجراءات المتعلقة بأجور السعوديين في القطاع الخاص، معناها الأوسع؛ فهي تأتي في سياق يربط السياسة الاقتصادية بالاستقرار الاجتماعي، ويضع جودة حياة المواطن ضمن الحسابات الكبرى للدولة.
وهنا تظهر قدرة القيادة على الجمع بين استمرار الإصلاح وحماية المجتمع من آثاره. فالدول لا تستطيع تجميد تحولات اقتصاداتها كلما اشتدت الظروف، كما أن الإصلاح المستدام لا ينجح إذا تجاهل انعكاساته على الإنسان. وبين هذين البعدين تأتي القرارات التي تحقق التوازن: تستمر الدولة في إصلاحاتها، لكنها تراقب أثرها، وتتدخل بما يخفف انعكاساتها، وتحافظ على التماسك المجتمعي.. وهذا ليس قرارًا اجتماعيًا فحسب؛ بل جزء من هندسة الاستقرار الوطني في زمن الأزمة.
ومن منظور إدارة الأزمات، فإن الأهم في التجربة السعودية هو عدم السماح للتهديد الخارجي أن يفرض إيقاعه على الداخل. فإحدى غايات أي ضغط أمني على الدول أن يستنزف مواردها، ويربك أولوياتها، وينقل القلق إلى مجتمعها واقتصادها. وحين تواصل الدولة مشاريعها وإصلاحاتها، وتحمي مجتمعها، وتدعم مواطنيها بالتزامن مع إدارة التحديات الأمنية، فإنها ترسل رسالة قوة تتجاوز الداخل السعودي.. إنها تقول إن الدولة قادرة على أن تواجه وتحمي وتبني في الوقت نفسه.
وهنا يأتي البعد الاتصالي الاستراتيجي للقرار، وهو بعد بالغ الأهمية في الأزمات الدولية. فالصورة التي ترسلها الدولة إلى العالم لا تُصنع بالبيانات وحدها؛ بل بسلوك مؤسساتها واستمرار اقتصادها وثقة مجتمعها وقدرتها على الحفاظ على أولوياتها الوطنية تحت الضغط.
في الاتصال الاستراتيجي للدول، قد يكون القرار الاقتصادي أحيانًا أقوى من عشرات الرسائل السياسية.. فعندما يرى الخارج دولة تتعرض لتهديدات أمنية، لكنها تستمر في دعم مواطنيها، وتحافظ على مسارها التنموي، وتدير أسواقها ومؤسساتها بثبات؛ فإن الرسالة التي تصل إلى الخصوم والشركاء والأسواق واحدة: هذه دولة لا تعيد الأزمات تشكيل بوصلتها.
وهذا مهم أيضًا في معادلة الردع.. فالردع لا يُبنى بالقوة العسكرية وحدها، بل بقدرة الدولة على إثبات أن محاولات الضغط عليها لا تنجح في إضعاف مجتمعها أو تعطيل تنميتها أو كسر ثقة مواطنيها بمؤسساتهم.
وفي المقابل، فإن أي تهديد لأمن السعودية لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنًا سعوديًا منفردًا.. المملكة بثقلها السياسي والاقتصادي، وموقعها في منظومة الطاقة والتجارة العالمية، تمثل ركيزة أساسية لاستقرار الخليج والمنطقة.. وأي اضطراب يمس أمنها يمتد أثره إلى حركة الملاحة وأسواق الطاقة والتضخم وسلاسل الإمداد حول العالم.. ولهذا فإن حماية أمن السعودية هي، في أحد أبعادها، حماية لجزء مهم من استقرار الاقتصاد العالمي.
لكن وسط كل هذه الحسابات الكبرى؛ من الصواريخ والطاقة والممرات البحرية إلى الأسواق والعلاقات الدولية، يبقى المشهد الأهم هو أن المواطن السعودي لم يتحول إلى رقم مؤجل في دفتر الأزمة.. وهذه هي الرسالة الأعمق.
الدولة القوية ليست فقط التي تمتلك القدرة على رد التهديد، بل التي لا تسمح للتهديد أن يغيّر علاقتها بإنسانها.
وحين تحمي السعودية أمنها، وتدافع عن استقرار المنطقة، وتتحمل مسؤوليتها في الاقتصاد العالمي، وتبقي في الوقت نفسه المواطن في مقدمة أولوياتها؛ فإنها تقدم نموذجًا في إدارة الدولة للأزمات لا يفصل بين قوة الخارج وتماسك الداخل.. فالحدود تحميها القوة، والاقتصاد تحميه المرونة، لكن الدول في لحظاتها الكبرى يحميها قبل كل شيء الإنسان الواثق بدولته، والدولة التي لا تنسى إنسانها.
وفي السعودية، مهما اتسعت دوائر الأزمة، ومهما تعاظمت التحديات، تبقى البوصلة ثابتة: وطنٌ يحمي أمنه، ويصون مكتسباته، ويمضي إلى مستقبله بثقة.. ومواطنٌ يبقى دائمًا في قلب القرار.










































