اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
وتمر الذكرى الـ53 لحرب السادس من أكتوبر عام 1973م، التي أبلى بها الجيش المصري وشقيقه الجيش السوري بلاءً حسنًا، ومن خلفهما تقف الأمة العربية بكل أقطارها وجيوشها داعمة ومؤيدة لتلك الملحمة الخالدة في تاريخ الأمة.
ولعل أفضل دروس حرب أكتوبر العظيمة سقوط أكذوبة الجيش الذي لا يُقهر، وهي الأكذوبة الصهيونية المخترعة بعد نكسة حزيران/يونيو لتدمير الروح المعنوية للأمة العربية. وهذا الجنرال موشي ديان، الذي كان منفوخًا أكثر من الطاووس، يعلن ما أسماه بهدم الهيكل الثالث، وغولدا مائير تصرخ مستنجدة بالرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون: أنقذوا إسرائيل، وإن تأخرتم لن تجدوا ما تنقذونه.
هكذا كانت الأيام العشرة الأولى لحرب أكتوبر؛ الجيش المصري العظيم، بقيادة الفريق الذهبي سعد الدين الشاذلي ورفاقه الأبطال، يحطم خط بارليف الذي وُصف بأنه من أقوى التحصينات في العالم، وكان ديان يقول إن الجيش المصري يحتاج بعد النكسة إلى قوة أمريكا والاتحاد السوفيتي معًا حتى يستطيع اقتحام خط بارليف. وكذلك اقتحم شقيقه الجيش العربي السوري البطل هضبة الجولان السورية المحتلة وحرر القنيطرة.
وفوجئ بتوقف الجيش المصري بأمر سياسي ومعارضة عسكرية بعد تحريره 15% من سيناء، وللأسف، في التالي للحرب يتصل حافظ إسماعيل، مستشار أنور السادات للأمن القومي، بهنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي، الصهيوني أكثر من غولدا مائير، وبأمر من أنور السادات، كما جاء في مذكرات حافظ إسماعيل نفسه، يخبره أن الجيش المصري لن يتقدم أكثر من ذلك، وهذا إفشاء للأسرار العسكرية، كما صرح المشير عبد الغني الجمسي، رحمه الله، وهو من المقربين لأنور السادات، للإعلامية هالة سرحان قبل رحيله بمدة بسيطة، وأكدها قبل ذلك في مذكراته.
وهنا يثبت أنور السادات أنه أراد من حرب أكتوبر تحريرك، وليس تحرير، كما كان يريد سلفه الزعيم جمال عبد الناصر، رحمه الله، وكذلك سوريا الأسد التي حاربت حرب تحرير بكل معنى الكلمة.
وقبل ذلك كان للفريق أول محمد فوزي، القائد العام للقوات المسلحة المصرية الأسبق، الفضل إلى جانب رفاقه، ورعاية ودعم الزعيم جمال عبد الناصر، بعد النكسة مباشرة، بإعادة بناء القوات المسلحة وخوض حرب الثلاثة أعوام، كما وصفها الفريق أول الذهبي محمد فوزي في مذكراته التي حملت اسم «حرب الثلاثة أعوام»، وكان جزاؤه سجون السادات قبل حرب أكتوبر وبعدها.
كما تم إقصاء بطل ورمز حرب أكتوبر، الفريق سعد الدين الشاذلي، بعد الحرب؛ لأنه أراد تدمير ثغرة الدفرسوار، التي لو تم تصفيتها، وكان ذلك ممكنًا بسهولة كما أجمع القادة المصريون واعترف بذلك أنور السادات نفسه في كتابه المليء بالأكاذيب «البحث عن الذات».
ولو تم تصفيتها، لما قامت للعدو الصهيوني ولا لمشروعه قائمة، ولكن للأسف، السياسة لم تكن في كفاءة السلاح وخانته في تلك الملحمة. ولم تتحرك القيادة المصرية إلا يوم 14 أكتوبر بعد توسع الثغرة، ورغم تحذير كل قادة الجيش المصري من التحرك وتطوير الهجوم بعد أن فات أوانه، وأن أي تحرك سيجعل قواتنا مكشوفة لعدم وجود غطاء جوي، كما أكده قادة الجيش المصري، فإن السادات أصر على رأيه وتحرك بحجة تخفيف الضغط عن سوريا بعد تركها أكثر من أسبوع.
وكانت النتيجة، للأسف، خسارة 250 دبابة وعشرات الآليات، ناهيك عن الشهداء والجرحى، وتراجع الجيش المصري، وتوسعت الثغرة أكثر حتى أصبح الجيش الثالث معزولًا ومحاصرًا، ولا تصله حتى قطرة ماء إلا عن طريق الأمم المتحدة وموافقة أرييل شارون، قائد عملية الثغرة أو العبور الآخر، كما أسمته الصحافة الصهيونية، وللأسف كان صحيحًا. وأصبح جيش العدو يهدد كل مدن القناة التي قاتلت ببسالة وشرف مع جيشها، وسجل التاريخ بأحرف من نور بطولات شعبية وعسكرية أشبه بالخيال.
وما كان لحرب أكتوبر أن تنتهي بما انتهت إليه؛ عبور من هنا وعبور من هناك، وبالتالي ضاعت فرصة ذهبية لنصر كان مؤكدًا على العدو بسبب تدخل السياسة بالسلاح.
وبعد ذلك تدخل الساحر كيسنجر، الذي ثبت اختراق العدو وسمح بتجاوزه حتى بعد قرار وقف إطلاق النار.
لتبدأ مرحلة مفاوضات الكيلو 101، التي كانت البوابة لكامب ديفيد، ورغم أن العسكرية المصرية، للإنصاف، أرادت غير ذلك، لكن تدخل السياسة وفرض الحل الأمريكي، الذي هو صهيوني، أفسد كل شيء، وأصبح الحل الصهيوأمريكي هو الخيار الوحيد بعد خروج مصر بثقلها العسكري والسياسي. ومع ذلك لم يتحقق السلام بمعناه الحقيقي، ودفع ويدفع العرب، وعلى رأسهم مصر، الثمن كل يوم.
ولكن تبقى حرب أكتوبر محطة مهمة في حياتنا، وأننا كعرب قادرون على هزيمة العدو ومن ورائه لو صدقت النوايا وتوحدت الأهداف.
رحم الله الزعيم جمال عبد الناصر وقادته العسكريين العظام، الذين وضعوا خطة العبور «جرانيت 200» وأعدوا للمعركة ثلاثة أعوام بعد النكسة مباشرة، ورحم الله الرئيس حافظ الأسد، أسد تشرين/أكتوبر، وقادته العظماء، وكل شهداء أكتوبر الذين بفضل تضحياتهم أصبحنا أمة يحترمها العالم.
ولا عزاء لمن باع وفرط وجبن عن قول الحقيقة لتاريخ ومصلحة أجيالنا القادمة، وتبقى أكتوبر شمعة أمل ونور للأمة أضاعت البوصلة، وأطفأ بعض قادتها نورها قبل تآمر الآخرين عليها، ولا عزاء للصامتين.












































