اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٧ كانون الثاني ٢٠٢٦
إعداد - صلاح القرني
في ظل التحولات الثقافية التي تشهدها المملكة العربية السعودية، برزت المبادرات الثقافية المستقلة كأحد أهم روافد الحراك الفكري، وأسهمت في خلق مساحات حوارية تعكس وعي المجتمع وتطلعاته. ومن بين هذه المبادرات، استطاعت ديوانية القلم الذهبي أن تفرض حضورها كمنصة ثقافية فاعلة، تُعنى بالكلمة والفكر، وتجمع تحت مظلتها نخبة من المثقفين والكتّاب والإعلاميين. وقد حظيت الديوانية باهتمام ومتابعة من معالي المستشار تركي بن عبدالمحسن آل الشيخ، في إطار رؤيته الداعمة للثقافة بوصفها أحد أهم مسارات التنمية المجتمعية.
غاية وهدف
تعد الديوانية حدثًا ثقافيًا مميزًا يعكس الاهتمام بتطوير الإبداع الأدبي والفكري، وتهدف إلى أن تكون منصة فريدة تجمع بين الأدباء والمثقفين من مختلف الفئات لتبادل الأفكار وتنمية المهارات الإبداعية. وتأتي الديوانية في إطار جائزة القلم الذهبي للأدب الأكثر تأثيرًا، حيث تقدم مكانًا مثاليًا ومساحة شاملة تدعم الكتابة بمختلف أشكالها، عبر توفير بيئة تجمع بين الأصالة والتراث والتقنيات الحديثة. وتتميز الديوانية بعدة عناصر فريدة، أبرزها معرض كتاب دائم يركز على الكتب المتخصصة في تعليم الكتابة، إلى جانب مكتبة تضم سيناريوهات الأفلام الشهيرة والروايات الأكثر مبيعًا عالميًا. كما توفر فرصة لدور النشر السعودية، لعرض إصداراتها والاحتفاء بتوقيعات الأدباء وعقد شراكات مع المبدعين لإنتاج أعمال جديدة. وتشمل الديوانية أيضًا «معتزل الكاتب»، وهي مساحة هادئة صُممت لتمكين الكتّاب من العمل بتركيز وإبداع، إضافة إلى «خلوة القراءة»، وهي غرفة مهيئة للاطلاع ومطلة على الساحة الخارجية، تحتوي على مقاعد مميزة للاستمتاع بالقراءة في أجواء ملائمة ومناسبة للاستفادة من المكتبة. كما تتضمن الديوانية جلسات نقاش ثقافي تُعقد في الهواء الطلق، إضافة إلى مبادرات تدعم المواهب الناشئة. وتسعى الديوانية كذلك لتعزيز النشاط الإبداعي والاجتماعي من خلال تنظيم المناسبات الوطنية والاحتفاء بالأيام العالمية، إلى جانب نشر الكتب والإصدارات الدورية والاحتفال بإنجازات الأعضاء. وتأتي هذه الجهود كجزء من رؤية شاملة تهدف إلى دعم الإنتاج الأدبي وتقديم دعم مستدام للكتّاب والمبدعين، مما يجعل «ديوانية القلم الذهبي» منصة رائدة تسهم في إثراء المشهد الثقافي وتعزيز مكانته على المستويين المحلي والعالمي.
رمزية القلم
لم تكن ديوانية القلم الذهبي مشروعاً مؤقتاً أو نشاطاً مرتبطاً بمناسبة بعينها، بل جاءت بوصفها استجابة واعية لحاجة ثقافية ملحّة، تتمثل في إيجاد فضاء مفتوح للحوار الجاد، يلتقي فيه الأدب بالفكر، ويتجاور فيه النص مع النقد، دون وصاية أو إقصاء. فمنذ لقاءاتها الأولى، بدا واضحاً أن القائمين عليها ينظرون إلى الثقافة بوصفها ممارسة يومية، لا حدثاً استثنائياً، وأنهم يسعون إلى بناء تقليد ثقافي مستدام، لا مجرد فعالية عابرة.
وتستمد الديوانية اسمها من رمزية القلم بوصفه أداة للمعرفة والتنوير، ومن الذهب بوصفه دلالة على القيمة والخلود، في إشارة واضحة إلى الرهان على الكلمة المكتوبة باعتبارها جوهر المشروع الثقافي. هذا الاسم لم يكن مجرد اختيار جمالي، بل انعكاس لرؤية تسعى إلى إعادة الاعتبار للأدب والفكر في زمن باتت فيه السرعة والاختزال عنوانين رئيسيين للخطاب العام.
شركاء النجاح
في أمسيات ديوانية القلم الذهبي، لا يُنظر إلى الحضور على أنهم متلقون سلبيون، بل شركاء في صناعة الحدث الثقافي. فالنقاشات التي تدور داخل الديوانية تتسم بالحيوية والانفتاح، وتُدار بروح تحترم الرأي المختلف وتحتفي بتعدد وجهات النظر. هذا المناخ أسهم في خلق حالة من الثقة المتبادلة بين المشاركين، وجعل من الديوانية فضاءً آمناً لطرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بالأدب والهوية ودور المثقف في المجتمع.
وتتميز الديوانية بتنوع موضوعاتها، حيث لا تقتصر على جنس أدبي واحد أو اتجاه فكري محدد. ففي برنامجها الثقافي، تتجاور الأمسيات الشعرية مع القراءات القصصية، وتُطرح القضايا النقدية إلى جانب الحوارات الفكرية، كما يُفسح المجال لتناول قضايا ثقافية واجتماعية راهنة من منظور أدبي ومعرفي. هذا التنوع يعكس وعياً بأهمية شمولية الثقافة، ورفض اختزالها في قالب واحد أو خطاب أحادي.
ومن خلال متابعة فعاليات الديوانية، يمكن ملاحظة حضور لافت لتجارب إبداعية مختلفة، تجمع بين أسماء معروفة في الوسط الثقافي وأصوات شابة في بداياتها. هذا التوازن لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج سياسة ثقافية واضحة تهدف إلى مد الجسور بين الأجيال، وإتاحة الفرصة للتفاعل بين الخبرة والتجريب، بما يسهم في إثراء المشهد الثقافي وتجدده.
المواهب الشابة
وقد لعبت ديوانية القلم الذهبي دوراً ملموساً في دعم المواهب الشابة، من خلال إتاحة المنصة لهم لتقديم أعمالهم ومناقشتها أمام جمهور واعٍ ونقاد مختصين. هذا الاحتكاك المباشر أسهم في صقل تجاربهم، ومنحهم فرصة نادرة للتعلم من النقد البناء والحوار الجاد، بعيداً عن المجاملات أو الأحكام المسبقة. وفي المقابل، وجد الحضور في هذه التجارب الجديدة طاقة متجددة تضخ دماء جديدة في المشهد الأدبي.
ولا يقتصر أثر الديوانية على الجانب الإبداعي فحسب، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي والثقافي الأوسع. فهي تسهم في تعزيز ثقافة الحوار، وتشجع على الاستماع إلى الآخر، وتكسر حالة العزلة التي قد يعيشها المثقف في ظل انشغال الحياة اليومية وضغوطها. ومن خلال لقاءاتها المنتظمة، خلقت الديوانية شبكة من العلاقات الثقافية والإنسانية التي تجاوزت حدود المكان، وأنتجت تفاعلات مستمرة بين أعضائها وروادها.
أما على مستوى التنظيم، فقد أظهرت ديوانية القلم الذهبي حرصاً واضحاً على تقديم فعالياتها بصورة تليق بالمحتوى الثقافي الذي تطرحه. فاختيار الضيوف يتم بعناية، والموضوعات تُنتقى وفق رؤية تراعي التوازن بين العمق والجاذبية، كما يُدار الوقت والنقاش بما يضمن مشاركة أكبر عدد ممكن من الحضور. هذا الالتزام بالتنظيم يعكس احتراماً للجمهور وإدراكاً لأهمية التفاصيل في نجاح أي مشروع ثقافي.
الحضور الإعلامي للديوانية جاء متسقاً مع رسالتها، حيث سعت إلى توثيق أنشطتها ونقلها إلى جمهور أوسع دون الوقوع في فخ الاستعراض أو السعي وراء الإثارة. فالتغطيات الإعلامية التي رافقت فعالياتها ركزت على المحتوى والرسالة، وأسهمت في تعزيز حضور الثقافة في المشهد العام، في وقت تعاني فيه الصفحات الثقافية من التهميش في كثير من الوسائل الإعلامية.
نموذج مستقل
وفي سياق التحولات التي يشهدها العالم الثقافي، تبرز ديوانية القلم الذهبي كنموذج للمبادرات المستقلة القادرة على إحداث أثر حقيقي. هذا النجاح يعكس إيماناً عميقاً بأهمية العمل الثقافي الجماعي، وقدرة الأفراد حين يجتمعون حول فكرة واضحة على صناعة فرق ملموس في محيطهم.
وتكتسب تجربة الديوانية أهمية إضافية في ظل التحديات التي تواجه الثقافة العربية اليوم، من تراجع معدلات القراءة، إلى هيمنة المحتوى السريع، مروراً بتراجع الحوار الجاد حول القضايا الفكرية. ففي هذا السياق، تمثل ديوانية القلم الذهبي محاولة واعية لمقاومة هذا التراجع، عبر إعادة الاعتبار للكلمة المتأنية والنقاش العميق، وتأكيد أن الثقافة ما زالت قادرة على لعب دور محوري في تشكيل الوعي.
مساحة حرة
ومع مرور الوقت، تحولت ديوانية القلم الذهبي من مجرد فكرة إلى حالة ثقافية قائمة بذاتها، لها جمهورها المنتظر، وذاكرتها الخاصة، وتأثيرها المتراكم. فكثير من النقاشات التي دارت في جلساتها امتدت إلى خارج جدرانها، ووجدت صداها في مقالات وكتابات وحوارات أخرى، ما يدل على حيوية هذا الفضاء وقدرته على إنتاج أسئلة تتجاوز اللحظة الآنية.
وفي شهادات عدد من رواد الديوانية، يتكرر الحديث عن الشعور بالانتماء إلى هذا المكان، بوصفه مساحة تمنحهم الإحساس بأن الثقافة ما زالت قادرة على الجمع، وأن الحوار الجاد لم يمت، رغم كل ما يحيط به من تحديات. هذا البعد الإنساني يشكل أحد أهم عناصر قوة الديوانية، إذ لا يقتصر دورها على تقديم محتوى ثقافي، بل يتعداه إلى بناء مجتمع ثقافي متماسك.
ومع تطلعها إلى المستقبل، تبدو ديوانية القلم الذهبي أمام آفاق متعددة للتطوير والتوسع، سواء عبر توسيع دائرة أنشطتها، أو تنظيم فعاليات مشتركة مع مؤسسات ثقافية أخرى، أو توثيق تجربتها في إصدارات مكتوبة تحفظ هذا الحراك للأجيال المقبلة. فالتجارب الثقافية الناجحة لا تُقاس فقط باستمراريتها، بل بقدرتها على التطور والتكيف دون التفريط بجوهرها.
تمثل ديوانية القلم الذهبي مثالاً حياً على أن الثقافة لا تزال قادرة على أن تكون فعلاً مؤثراً حين تُدار برؤية واضحة وإرادة صادقة. هي تجربة تؤكد أن القلم، حين يُحمل بوعي ومسؤولية، يمكن أن يكون ذهبياً بحق، وأن الكلمة، مهما تغيّرت الوسائط، ستظل قادرة على بناء الجسور بين العقول والقلوب. وفي زمن يزداد فيه الضجيج، تظل ديوانية القلم الذهبي مساحة للإنصات، وللتفكير، وللاحتفاء بالكلمة بوصفها جوهر الإنسان وذاكرته الحية.










































