اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦
رؤى مصطفى
يبدأ الاتزان العاطفي والفكري من قدرة الإنسان على رؤية نفسه بوضوح، دون أن تجمّل له العاطفة عيوبه، أو يدفعه التفكير المفرط إلى القسوة عليها. فالنفس البشرية تحمل في أعماقها تناقضات تتجاور فيها القوة مع الضعف، والرغبة مع الخوف، والاندفاع مع التريّث. وبين هذه التناقضات تتشكّل ملامح الوعي بالذات، وتنمو قدرتنا على فهم أنفسنا والآخرين.
ولعل أولى خطوات الاتزان أن يعرف الإنسان عيوبه ومميزاته معرفة صادقة، وأن يمتلك شجاعة الاعتراف بما يحتاج إلى إصلاح، دون أن يفقد تقديره لما يمتلكه من صفات جميلة. فالتصالح مع الذات لا يعني تبرير الأخطاء، كما أن الاعتزاز بالمميزات لا يمنح صاحبه حق التعالي. إنما تتجلى الحكمة في أن نرى أنفسنا بعدالة، بعيدًا عن تضخيم محاسنها أو المبالغة في نقائصها.
وأرى أن أصعب اختبارات الاتزان تكمن في قدرتنا على الفصل بين ما نشعر به وما نعتقد أنه الحقيقة. فقد نحب فنمنح الآخرين صفات لا يمتلكونها، وقد نحزن فنقرأ المواقف من زاوية الألم، وقد نغضب فنصدر أحكامًا لا تشبه قناعاتنا في لحظات الصفاء. وهنا تتضح أهمية الوعي العاطفي، الذي يمنحنا القدرة على فهم مشاعرنا دون أن تصبح المتحكم الوحيد في قراراتنا.
أما الاتزان الفكري، فيتجلى في مرونة العقل واستعداده لمراجعة قناعاته، فالإنسان لا يبلغ النضج بكثرة ما يعرف، وإنما بقدرته على إدراك حدود معرفته. وقد يكون الاعتراف بالخطأ أصدق تعبير عن قوة الفكر من التمسك برأي فقد مبرراته.
وفي العلاقات الإنسانية يظهر الاتزان في أدق صوره؛ إذ تتداخل حاجتنا إلى القرب مع رغبتنا في الاحتفاظ باستقلالنا النفسي. وقد نخلط بين الحب والتعلّق، وبين التسامح والتنازل عن الحقوق، وبين الصراحة والقسوة. ومن النضج أن نمنح الآخرين مكانتهم في قلوبنا دون أن نجعل سلامنا الداخلي مرهونًا بتصرفاتهم.
إن العقل والعاطفة كفّتان لا تستقران على مستوى واحد في جميع المواقف؛ فبعض التجارب تحتاج إلى رحابة القلب، وأخرى تستدعي يقظة العقل. والاتزان لا يعني أن نُسكت إحداهما لصالح الأخرى، بل أن نعرف أيهما أولى بالإصغاء، وكيف نحفظ للثانية حضورها.
وربما يكون أجمل ما في النضج الإنساني إدراكنا أن الاتزان حالة متجددة، نختبرها مع كل تجربة، ونستعيدها بعد كل اضطراب. فمعرفة الذات ليست نهاية الرحلة، وإنما بدايتها، وما نعرفه عن أنفسنا لا تكتمل قيمته إلا بما نترجمه إلى سلوك واختيارات.
وفي نهاية المطاف، يبلغ الإنسان قدرًا من السلام الداخلي عندما يعرف عيوبه دون أن يحتقر ذاته، ويدرك مميزاته دون أن يغتر بها، ويمنح قلبه حق الشعور، وعقله حق التأمل، ونفسه فرصة دائمة للنمو.










































