اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٢ أيلول ٢٠٢٦
د. محمد المسعودي
قراران ملكيان يفصل بينهما يوم واحد، يجمعهما معنى واحد: وفاء الملك سلمان لرجال الدولة وحفظ إسهاماتهم في الذاكرة الوطنية؛ من تمديد خدمة الأمير خالد الفيصل، إلى إطلاق اسم الأمير مساعد بن عبدالرحمن على الجامعة السعودية الإلكترونية، في امتداد لمعنى الوفاء من جيل إلى جيل.
يفصل يوم واحد بين قرارين ملكيين، غير أن بينهما معنى يستحق التوقف طويلًا. في السابع عشر من سبتمبر صدر الأمر الملكي بتمديد خدمة الأمير خالد الفيصل مستشارًا لخادم الحرمين الشريفين وأميرًا لمنطقة مكة المكرمة أربع سنوات، وفي اليوم التالي جاء توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، بناء على ما رفعه سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بإطلاق اسم الأمير مساعد بن عبدالرحمن -رحمه الله- على الجامعة السعودية الإلكترونية.
يمكن قراءة القرارين إداريًا، ويمكن قراءتهما من زاوية أخرى ارتبطت بالملك سلمان بن عبدالعزيز طوال مسيرته -حفظه الله- بمدرسة الوفاء، وهذا ما عُهد عنه؛ فالتجارب والمواقف والقصص تشهد أن مدرسة وفاء الملك سلمان ممتدة في علاقته بوالده وإخوته الملوك والأمراء كافة، ورجال الدولة.
لهذا أرى في القرارين الأخيرين تجسيدًا متجددًا لوفاء الملك الراسخ لرجال الدولة وإسهاماتهم؛ فخالد الفيصل اسم راسخ في تاريخ الإدارة السعودية. بدأ مسؤولًا عن رعاية الشباب عام 1967، ثم أمضى أكثر من ثلاثة عقود أميرًا لعسير، وانتقل إلى إمارة مكة المكرمة، وتولى وزارة التربية والتعليم، ثم عاد عام 2015 مستشارًا لخادم الحرمين الشريفين وأميرًا لمنطقة مكة. وإلى جوار رجل الإدارة هناك الشاعر، والفنان الرسام، وصاحب المشاريع الثقافية؛ من قرية المفتاحة، وجائزة أبها إلى مؤسسة الفكر العربي، وملتقى مكة الثقافي، وسوق عكاظ، ومعهد الأمير خالد الفيصل للاعتدال. وفي عام 2019 منحه الملك سلمان وشاح الملك عبدالعزيز تقديرًا لما قدمه من خدمات للوطن.
بعد هذه الرحلة الطويلة يأتي تمديد خدمته أربع سنوات أخرى. وفي تقديري، يحمل القرار معنى يتجاوز الاستمرار الوظيفي؛ فالدولة تحتفظ بالخبرة التي صنعت جزءًا من تاريخ المكان، وتمنح التجربة الممتدة قيمتها ومكانتها.
ثم يأتي الأمير مساعد بن عبدالرحمن، وتصبح الصورة أكثر اكتمالًا؛ فقد تعرف الأجيال الجديدة اسمه ابتداءً من الجامعة التي حملته قبل أيام، فيما تكشف سيرته عن رجل دولة ارتبط مبكرًا بالمعرفة. ففي عام 1363هـ أنشأ مكتبته في الرياض، وتشير دراسة تاريخية عرضت في مؤتمر عن تاريخ الملك عبدالعزيز إلى أنها أول مكتبة عامة تنشأ في مدينة الرياض في عهد المؤسس. ثم حمل الأمير مساعد مسؤوليات كبيرة في الدولة، فتولى وزارة الداخلية، ثم وزارة المالية والاقتصاد الوطني سنوات طويلة.
وهنا تحديدًا تكتسب تسمية الجامعة معنى أعمق؛ لرجلٍ فتح مكتبته للناس قبل أكثر من ثمانين عامًا، يعود اسمه اليوم على واجهة جامعة تقوم فكرتها على توسيع الوصول إلى المعرفة عبر التقنية والتعليم المدمج والتعلم مدى الحياة. ثمة جسر رمزي جميل بين مكتبة فتحت أبوابها للقراء في الرياض القديمة، وجامعة حديثة تمتد اليوم عبر فروعها في مناطق المملكة، ومنها تغيرت وسائل المعرفة، وبقي اسم الرجل مرتبطًا بها!
وربما تكمن قيمة 'وفاء سلمان' هنا تحديدًا، عند الذاكرة الوطنية عندما تحتاج إلى مؤسسات تحمل أسماء أصحاب الإسهام، كي يعرف الجيل الجديد من سبقوه، وماذا صنعوا، ولماذا بقيت أسماؤهم.
وبين خالد الفيصل الذي يواصل رحلته في خدمة مكة، ومساعد بن عبدالرحمن الذي عاد اسمه من التاريخ إلى جامعةٍ للمستقبل، نقرأ شيئًا أصيلًا في شخصية 'سلمان بن عبدالعزيز': ذاكرة تعرف الرجال، ووفاء يحفظ مواقعهم في مسيرة دولتنا العظيمة. وربما يحمل قرار تسمية الجامعة معنى أجمل حين نتذكر أنه جاء بتوجيه من الملك سلمان، بناءً على ما رفعه ابنه سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ وكأن الوفاء هنا يعبر من جيل إلى جيل، يحفظ أسماء رجال الدولة في ذاكرة الوطن، فيما يمضي الأبناء بالمملكة نحو مستقبلها.










































