اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٠ أيار ٢٠٢٦
د. زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ
إذا كان النفط هو المحرك الأول للنهضة الصناعية، والوقود الأهم للتجارة العالمية في العصر الحديث، فقد يكون النفط المحرك الأول للعصر القادم الذي يشكله الذكاء الاصطناعي أيضا، بما يرافقه من اقتصاديات جديدة وما يسمى باقتصاد ما بعد العمل بكل احتمالاته المستقبلية.
فمنذ صعود الذكاء الاصطناعي بقوة، سيطرت الخوارزميات والنماذج والرقائق على مفردات الحديث حتى أصبحت حاسوبية بحتة. لكن يكمن خلف هذا التجريد حقيقة أكثر مادية وتقليدية: أن الذكاء الاصطناعي منظومة صناعية تستهلك كميات هائلة من الطاقة. مراكز البيانات، ومصانع أشباه الموصلات، وأنظمة التبريد، والبنية السحابية، كلها تحتاج إلى كهرباء مستمرة وعلى نطاق ضخم. واقعيا، لا يعمل الذكاء الاصطناعي بالشفرة البرمجية وحدها، بل يعمل على محطات الطاقة أيضا.
من هذا المنطلق يمكن أن نقول إن النفط ليس محركا لوجستيا فقط، بل أصبح مجازيا نظام تشغيل خفي للذكاء الاصطناعي. من هذا المنظور، يمكن لنا أن نفهم سباق الذكاء الاصطناعي العالمي والأحداث الجارية فهما جديدا.
تدور كثير من النقاشات اليوم بناء على فرضية أن تفوق الذكاء الاصطناعي يحسمه أساسا الابتكار البرمجي أو أشباه الموصلات المتقدمة. هذا التصور صحيح لكنه ناقص، فليس الابتكار هو ما يقيد التقنية ولا الذكاء نفسه، إنما الطاقة اللازمة لاستدامته.
يكفي أن ننظر إلى كمية الكهرباء الهائلة التي تحتاجها النماذج المتقدمة للتدريب. أضف إلى ذلك ما تحتاجه النماذج وبرمجياتها وخوادمها من تشغيل يومي لخدمة ملايين من الأنظمة الذكية مما يمثل مستوى جديدا من الطلب العالمي على الطاقة.
المفارقة لافتة. في اللحظة ذاتها التي ظن فيها كثيرون أن الاقتصاد الرقمي سيقلل من الاعتماد على النفط، يأتي الذكاء الاصطناعي ليعزز موقعه الاستراتيجي. وإذا نظرنا إلى الشبكات الكهربائية التي يزيد اعتمادها على الطاقة المتجددة، سنجد أنها ما تزال بحاجة إلى النفط لتحقيق الاستقرار وتوفير الحمل الأساسي الصناعي. ورغم ما يوحي به مجاز السحابة الرقمية من خفة، فإنها ذات واقع فولاذي كبير ممثلة في بنيتها التحتية من مراكز البيانات الضخمة. وفي ذلك تبعات جيوسياسية عميقة.
فمن الأسئلة الاستراتيجية الكبرى في هذا القرن أن ابتكار الذكاء الاصطناعي لا يفوز به الأسبق إليه، إنما من لديه الموارد الكافية للاستمرار في تشغيله. فمن الناحية الجيوسياسية، نجد أن الذكاء الاصطناعي نفسه يساهم في تسريع التوترات السياسية لما يوفره من ميزات نسبية في إدارة الصراع وتغيير موازين القوى. فالأنظمة المتقدمة تعزز التخطيط العسكري، والعمليات السيبرانية، والمراقبة، والمنافسة بين القوى الكبرى. لكن هذه التوترات ذاتها تهدد أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. مما يجعل التقنية برفعها لوتيرة الصراع تضر بالاستقرار الذي تعتمد عليه لبقائها.
هنا تظهر المفارقة الأعمق: الذكاء الاصطناعي الذي يبدو بلا حدود في العالم الافتراضي، يقع تحت وطأة العالم المادي الشديدة. في عمق القوة الفولاذية الظاهرية للذكاء الاصطناعي ثمة هشاشة ما تكبح جماحه، فهو كما يقول الشاعر الجاهلي: لَكالطِّوَلِ المُرخَى وثِنْياهُ باليَدِ..










































