اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
خالد بن علي المطرفي
لقد أخطأت مليشيا الحوثي عندما توهمت أن تصدير الخطر سيغطي عجزها في الداخل، وأن تشويه صورة المملكة سيمنحها شرعية تفتقدها في اليمن، فالدول ترتبط بقدرتها على حماية مجتمعها ومواصلة وظائفها وصون مصالحها، والمشروعات لا تسقط لأن خصومها يهددونها، ولكن عندما تفقد ثقة الناس بها..
عندما تتسع دائرة استهداف مليشيا الحوثي للأعيان المدنية والمنشآت النفطية، وتتكرر تهديداتها للمطارات، ويصل تصعيدها لمنشآت تمس خدمة الحرمين الشريفين، فإن المسألة تتجاوز حسابات الرد العسكري المباشر؛ لأننا أمام محاولة لنقل المعركة من حدود اليمن إلى قلب الاستقرار الإقليمي والدولي، وإلى المجال الذي تتقاطع فيه حياة الناس ومصالح الدول وصورة المملكة في العالم.
هذا التصعيد، في جوهره، محاولة لتحقيق غايتين متلازمتين، الأولى تثبيت معادلة أمر واقع في اليمن، قوامها أن المليشيا تحتفظ بقدرتها على تعطيل أي مسار سياسي أو عسكري لا يكرس نفوذها، وأن السيطرة بالقوة يمكن أن تتحول إلى حق مكتسب بمرور الزمن، والثانية تشويه صورة المملكة وسمعتها ونهضتها وتطورها، عبر الإيحاء بأن أمنها واستقرارها ومشروعاتها التنموية قابلة للابتزاز بالصواريخ والتهديدات، وفي ظنها أن استهداف منشأة أو مطار كفيل بإرباكها وإضعاف ثقة المجتمع الدولي بها.
لكن هذين الهدفين، على ما بينهما من ترابط، يكشفان عن مأزق أكثر مما يكشفان عن قوة، فالمليشيا التي تدعي بهتانًا امتلاكها مشروعًا سياسيًا وطنيًا لا تحتاج إلى تهديد المطارات وإعمال القتل والتدمير بحق الأبرياء –ومن ضمنهم المعتمرون- ولا إلى استهداف المنشآت المدنية حتى تثبت حضورها، والمؤسف أخلاقيًا ودينيًا، عندما يصبح المدنيون ومصادر الطاقة وممرات السفر أدوات ضغط، فذلك إعلان عن عجز في فلسفة الشرعية ذاتها، ومحاولة لتعويضه بقدرتها على الإيذاء، وهنا تنقلب الرسالة على صاحبها، لأن كل تهديد جديد يراكم الأدلة على أن مشروع الحوثي المتهالك لا يستطيع التعايش مع الدولة والمجتمع.
ويزداد هذا المأزق عندما يقترن التصعيد بتخادمٍ مع أطراف وقوى تتقاطع مصالحها معه في لحظة، ثم تتباعد بعدما تتغير الحسابات، والتاريخ يُخبرنا أن التقاء المصالح لا يصنع تحالفًا مستقرًا، والرعاية الخارجية لن تمنح المليشيا قرارًا مستقلًا أو مشروعًا قابلًا للحياة؛ لأنها علاقة تقوم على توظيف الجغرافيا والسلاح والاضطراب لتحقيق مكاسب متبادلة، بينما يدفع اليمنيون كلفتها من أمنهم واقتصادهم ومستقبلهم، وكلما ازداد اعتماد الحوثي على هذا التشابك، تقلصت المسافة بينه وبين صورة الأداة التي تتحرك ضمن صراعات أكبر من اليمن.
وفي المقابل، فإن اتساع المواجهة على أكثر من محور، وتقدم القوات الحكومية في بعض الجبهات، يضعان المليشيا أمام اختبار غير محسوم بالبيانات أو مشاهد الصواريخ؛ لأن الميدان يفرض عليها توزيع قدراتها، والدفاع عن مناطق نفوذها، ومواجهة خصوم محليين يرفضون استمرار سلطتها، ومع قصّ أطراف نفوذها في محاور متفرقة، أصبح تصعيدها خارج الحدود محاولة يائسة منها لخلط الأوراق، ورفع كلفة الضغط عليها، وصناعة انطباع بأن امتلاك القدرة على تهديد المملكة يعادل امتلاك قدرتها على حكم اليمن، وبين الأمرين مسافة كبيرة، 'ولكنهم قومٌ لا يفقهون'.
أما تعريض المجال المحيط بالحرمين الشريفين للصواريخ والمسيّرات، واستهداف منشآت ترتبط بخدمتهما، فذلك مساس المساس بأمن المسلمين ومشاعرهم في أنحاء العالم، ويتجاوز الضرر المادي؛ لأنه يجعل الحاج والمعتمر والمسافر طرفًا في معركة لم يخترها، وفي الخميس الماضي، اعترض التحالف صاروخ كروز حوثي تم تدميره في منطقة المدينة المنورة، وقبلها استهدفوا محطة توزيع كهرباء في المدينة تغذي المسجد النبوي الشريف، وهو ما نفته المليشيا الإرهابية، فهل يُعتدّ ببيانات النفي وحدها، أم بما تكشفه الوقائع عن الخطر الذي يحيط بالمدينتين المقدستين؟
يعتقد الحوثيين أن هجماتهم على المنشآت النفطية والمطارات ستفرض على المملكة أعباء أمنية، وتربك حركة السفر، وتختبر جاهزية الدفاع، وتأخير نجاح مشاريعها وخططها التنموية، ومحاولة بث القلق في الأسواق والمجتمعات، وهنا أقول بهدوء 'الأثر شيء، والنتيجة الاستراتيجية شيء آخر'، لأن إرباك رحلة أو تهديد منشأة لا ينتزع من المملكة قدرتها على حماية مصالحها، ولا يصنع للمليشيا قبولًا يمنيًا، ولا يفرض على المجتمع الدولي الاعتراف بحكم الأمر الواقع، بل إن استهدافها للمدنيين يضيّق مساحة التعاطف، ويعمّق عزلتها، ويضعها في مواجهة مع القيم التي تدّعي تمثيلها.
لقد أخطأت مليشيا الحوثي عندما توهمت أن تصدير الخطر سيغطي عجزها في الداخل، وأن تشويه صورة المملكة سيمنحها شرعية تفتقدها في اليمن، فالدول ترتبط بقدرتها على حماية مجتمعها ومواصلة وظائفها وصون مصالحها، والمشروعات لا تسقط لأن خصومها يهددونها، ولكن عندما تفقد ثقة الناس بها، أما الجماعة التي تجعل من المدنيين وسيلة ضغط، ومن الحرمين الشريفين ومرافقهما مجالًا للمخاطرة، فهي تكشف بصوت أعلى مأزق مشروعها.. دمتم بخير، وحفظ الله بلادنا وساكنيها من بغي جماعة أمرها بيد المأزومين والمأجورين من هنا وهناك، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.










































