اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ أيلول ٢٠٢٦
د. عبدالملك المالكي
لستُ مع من يؤمن بنظرية المؤامرة التي يروّجها المتهيّبون حول العالم، وفي الشارع الأميركي على وجه الخصوص، جرّاء السرعة الهائلة لتطوّر الذكاء الاصطناعي. ولا أفصل ذلك التهيّب عن الصرح الذي يملكه إيلون ماسك، المُسمّى 'كولوسوس 2'، في ممفيس بولاية تينيسي، حيث مقر xAI، والذي أعلن فيه تخليق السوبر كمبيوترات. ماسك الذي تبنّى نظرية تقول إن العالم يجب أن يصل إلى مرحلة تكون فيها التكنولوجيا أذكى من صاحبها، بل هي من تقوده لا من يقودها، حتى زاد بغرور: 'نحن نخلق الإله الخاص بنا'.
ولا عجب أن يقول جيه دي فانس، نائب الرئيس الأميركي، في السياق ذاته: 'لا أستبعد أن المسيح الدجال يعيش بيننا الآن'. وصولا لاستعراض الإعلامي الأميركي الشهير تاكر كارلسون في برنامجه سلسلة 'شو' أثارت جدلًا في الشارع الأميركي، حيث استضاف خبراء لمناقشة الأبعاد الروحية والميتافيزيقية للذكاء الاصطناعي، متسائلًا: هل ما نطلق عليه 'ذكاءً اصطناعيًّا' كيان روحي أو مرجعية شيطانية، وليس مجرد آلة؟
وللحق، فإن من عاش في الولايات المتحدة يدرك لماذا تتصدّر مثل هذه الموضوعات 'الترند' مجتمعيًا؛ إذ إن هناك شريحة واسعة من الشعب الأميركي، وخاصة المحافظين، تتميز بنزعة شعبوية تشكّك في دوافع 'النخب' في وادي السيليكون وواشنطن. وعندما يطرح كارلسون أفكارًا مثل أن الذكاء الاصطناعي أداة للرقابة أو للتحكّم في المجتمع، فإنه يلمس وترًا حساسًا لدى المواطن الأميركي الذي يخشى 'الحكومة الفدرالية' و'الشركات الاحتكارية العملاقة'، بل وحتى الخوف على 'استقلاليته الفردية'؛ إذ إن الثقافة الأميركية قامت على الفردية الرأسمالية التي يحاصرها اليوم التطوّر المذهل للذكاء الاصطناعي.
إن الخوف من البطالة، وتزييف الانتخابات، هو الخوف الأشدّ فتكًا بالعقل الأميركي الشعبي التقليدي مخافة أن تعبث تلك الخوارزميات بقيم شعب تشكّلت على مدى قرنين وأكثر عبر المسيحية البروتستانتية، العمود الفقري للمجتمع الأميركي.
وهنا أذكّر أن الحضارات القديمة لا تزول، وإن ارتبطت بدورات حضارية تغيب وتعود. لكن الحضارات الهشّة هي تلكم التي لا تحافظ على إرثها لأكثر من نصف قرن عبر نظم قد تسيطر على العالم حينًا من الدهر، تفرضها قوة وقتية، ما تلبث أن تتقهقر وتضمحل.
وفي النصف قرن الماضي كانت دورات لنظم دولية، أكاد أجزم أن الذكاء الاصطناعي أخذ يقضّ مضجعها، لا لكونها لا تملك مقدراتها، بل لجشع دفع بغيرها لمنافستها، وقاب قوسين أو أدنى من هزيمتها، إنْ في الشرق بإرثه وتقدّمه، أو في الشرق الأوسط برؤى ارتبطت بالإنسان وحافظت على نموّه. وكلاهما يقدم بكل قوة لمواجهة الذكاء الاصطناعي واستيعابه واستثماره وصناعته.
ولعمري، هذا ما يخشاه أعداء الإنسان -أيّ إنسان- دون تفريق بين دين وعرق وطائفة، طالما كان الإنسان بإنسانيته يحظى بالكرامة والعز والتمكين، ولا يُرمى للتوحّش الرأسمالي وما تخلّفه الحروب من فقر وعوز وعنصرية؛ لتخشَ في نهاية المطاف آلهةً صنعتها أيديهم يأكلونها متى جاعوا، تمامًا كما حال كفّار قريش في الجاهلية!
ولعل ما أرمي إليه هنا، بعيدًا عن جنون الحضارة الأميركية والغربية وخوفهما المبرّر، كونها وريثة دورات لنظم عالمية جعلت من تغوّلها بنايةً آيلةً للسقوط.. لأقول بفخر: عودوا لسياسة رؤيتنا المباركة 2030، وانظروا كم حارب مرتكزاتها من الأعداء ومن كنا نعدّهم أصدقاء. عودوا لمرتكزاتها واستثماراتها المليارية في الذكاء الاصطناعي، وستدركون أين النظرة الصائبة التي تنأى عن الحروب ولا تنجرّ لكل داعٍ لاستفزازات تقود إلى 'فوضى خلّاقة'، بعد أن تيقنوا أن حضارتهم الاستعمارية آفلة، وأن القادم لحضارة الذكاء الاصطناعي لجيلين قادمين على الأقل، ولا يرضيهم إلا أن يروا الدول العربية من المحيط إلى الخليج تعيش حروبًا وصراعات وفقرًا ومجاعات، وهم يسيطرون على حضارة قادمة تفوق وتقود العالم، ولم يتنبّه لها إلا القلّة من أصحاب الفطنة.
إذا وصلتكم الرسالة، فلا ترفعوا حاجبيكم وتهزّوا رؤوسكم؛ بل آمنوا بعقولكم وقلوبكم أن الوطن ومقدراته -من إنسان وشراكات وتحالفات وهيئات ذكاء بمشاريع واستراتيجية كبرى وتعزيز بُنى تحتية رقمية- تؤسّس ليس لسوبر كمبيوترات وحسب؛ بل لعقول وسواعد وطنية ومقدرات محلية وشراكات عالمية، ومراكز سيكون لها -بإذن الله- مشروع يحاكي وادي السيليكون ويرتقي عنه أهدافًا وغايات ومستقبلًا.
ولعلي لا أبالغ بوصف الشركة السعودية العالمية 'هيوماين' (HUMAIN) كنواة مشروع عملاق أُطلق بدعم من صندوق الاستثمارات العامة لبناء 'واحدة من أكبر منظومات البنية التحتية ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في العالم، ومصانع الذكاء الاصطناعي' بتكلفة وصلت إلى 100 مليار دولار.
لمملكة العزّ ولشعبها الأبيّ، بقيادة حكامها الدهاة ذوي الإرث الحضاري الحقيقي، أقول: ماضون لعلوٍّ وازدهار واستقرار، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.










































