اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٢٠ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
بقلم ..خالد قطاطشه
شهدت الحياة السياسية الأردنية مرحلة تزاحم ، بعد إقرار منظومة التحديث السياسي، والتي جاءت بإرادة ملكية واضحة من لدن جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، إيماناً منه بأن الإصلاح السياسي هو بوابة الإصلاح الشامل. وقد عزز هذا التوجه سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني من خلال تشجيعه الدائم للشباب على الانخراط في العمل الحزبي البرامجي كخيار وطني للمستقبل.
اليوم لدينا كم لا بأس به من الأحزاب المرخصة ، ومئات الآلاف من المنتسبين، وعشرات البرامج المكتوبة. لكن السؤال الذي يتردد في كل بيت وشارع ومجلس شبابي: أين التطبيق؟
عند قراءة برامج الأحزاب، يصاب الباحث بالحيرة. فمعظمها يتشابه إلى حد التطابق . كلها تتحدث عن دولة القانون، والعدالة الاجتماعية، والاقتصاد المنتج، ومحاربة البطالة، وتمكين الشباب والمرأة، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية.
وهي عناوين مهمة، لكنها عامة وفضفاضة ولا تقدم إجابة واضحة عن سؤالين: كيف؟ وكم؟
فالبرامج تفتقر إلى الأرقام والدراسات والجدوى الاقتصادية والخطط التنفيذية المزمنة. وهي برامج إنشائية أكثر منها عملية، تصلح لخطاب انتخابي ولا تصلح لخطة قابلة للتنفيذ ، وأشبه ما تكون رؤية وليست رسالة .
تكمن المشكلة الأخطر في الفجوة الميدانية. فالحزب القوي هو الحزب المتجذر في المحافظات والأرياف والبوادي والمخيمات، لا الحزب الذي يكتفي بمقر في العاصمة وصفحة على مواقع التواصل.
في محافظة كالطفيلة، على سبيل المثال، يعاني الشباب من تحديات حقيقية تتمثل في البطالة، ومحدودية المشاريع الاستثمارية. فهل تمتلك الأحزاب برنامجاً خاصاً للطفيلة؟ هل زارت الأحزاب لواء بصيرا أو الحسا واستمعت للناس؟ الجواب المؤسف هو لا.
هذا الغياب الميداني حول الحزب من مؤسسة وطنية إلى نخبة عمانية معزولة عن الواقع.
لماذا يغيب التطبيق؟
هناك أربعة أسباب رئيسية لانعدامية التطبيق:
أولاً: ضعف التمويل والموارد:
فالأحزاب تعتمد على اشتراكات الأعضاء والدعم الحكومي المحدود، ولا تملك استثمارات أو مشاريع تدر دخلاً يمكنها من تنفيذ برامجها.
ثانياً: ضعف الكوادر : العمل الحزبي يحتاج إلى كفاءات في الاقتصاد والقانون والإعلام والتنظيم المجتمعي، وهذا ما تفتقر إليه معظم الأحزاب التي تعتمد على الولاءات الشخصية والعشائرية بدلاً من الكفاءة.
ثالثاً: ثقافة العمل الفردي: لا يزال العقل الجمعي العربي يميل إلى تمجيد الفرد أكثر من المؤسسة، فيتحول الحزب إلى حزب رئيسه أو أمينه العام، فإذا غاب غاب الحزب.
رابعاً: الخوف من الاصطدام :
بعض الأحزاب تتعمد إبقاء برامجها عامة وغير محددة حتى لا تدخل في صدام مع ابمجتمع أو مع الشارع، فتفضل السلامة على المواجهة الفكرية.
إن أخطر نتيجة لانعدامية التطبيق هي فقدان ثقة المواطن، اي ان هنالك أزمة ثقة تهدد المشروع كله وخاصة الشباب، بالعمل الحزبي كله. فالشاب الذي انتسب بحماس ، سرعان ما يصاب بالإحباط عندما يجد حزبه بلا فعاليات ولا تأثير ولا قرار.
وهنا يجب أن ندق ناقوس الخطر. فإذا فقد الشباب الثقة، فإن مشروع التحديث السياسي بأكمله سيكون في مهب الريح، وسنعود إلى مربع العزوف والمقاطعة والتشكيك.
إن المطلوب اليوم ليس المزيد من البرامج، بل المزيد من الأفعال. والمطلوب من الأحزاب أن تتحول من أحزاب مقرات إلى أحزاب ميدان.
يجب أن يمتلك كل حزب خطة تنفيذية لكل محافظة، وأن يربط برنامجه بمشروع صغير قابل للقياس في كل لواء، وأن يقدم تقريراً شهرياً علنياً عما أنجزه لا عما كتبه. كما أن على الحكومة وبمختلف مكوناتها أن تدعم الأحزاب الجادة التي تعمل على الأرض وفي الميدان ، لا التي تكتفي بالأوراق، وأن يتم تقييم الأحزاب بناءً على تأثيرها المجتمعي لا على عدد منتسبيها.
لقد انتهى زمن الشعارات، وجاء زمن الأفعال.المواطن الأردني اليوم لا يريد أن يسمع ماذا ستفعل الأحزاب !!، بل يريد أن يرى ماذا فعلت. لا يريد وعوداً بجنة اقتصادية بعد عشر سنوات، بل يريد فرصة تدريب حقيقية اليوم، ومشروعاً صغيراً مدعوماً غداً.
الأحزاب التي ستبقى هي تلك التي ستحول حبر برامجها إلى تراب ميدانها، وتزرع فكرتها في أرض الواقع. أما الأحزاب التي ستبقى حبيسة برامجها المكتوبة، فإن مصيرها أن تبقى حبراً على ورق، يقرأه قليل وينساه كثير، حتى يطويه النسيان.
فالتاريخ لا يحفظ البرامج، بل يحفظ من طبقها.












































