اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣٠ أب ٢٠٢٦
د. مها الدخيل
يمثل مؤتمر (حوار الأمن والتاريخ 2026) الذي تحتضنه الرياض في سبتمبر المقبل، واحداً من المؤتمرات الوطنية النوعية التي تتميز بها المملكة، لما يحمله من مضمون فكري ومعرفي ثري يجمع بين عمق التجربة السعودية والتطلع إلى المستقبل. وأرى أن أهمية هذا المؤتمر الذي تنظمه وزارة الداخلية تحت رعاية سمو الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف وزير الداخلية تكمن في اختياره موضوعاً يمس أحد أهم مرتكزات مسيرة النمو للمملكة، وهو (الأمن) وعلاقته ببناء الدولة واستقرار المجتمع واستدامة التنمية.
وما يلفتني في فكرة المؤتمر بصورة خاصة هو هذا الربط العميق بين الأمن والتاريخ؛ فقراءة تاريخ المملكة على امتداد ثلاثة قرون تكشف بوضوح أن الأمن لم يكن مجرد نتيجة للاستقرار، بل كان ركيزة أساسية لتطور المملكة، وترسيخ مؤسساتها، وتنمية مجتمعها. ومن هنا تبرز أهمية المؤتمر بوصفه منبراً يجمع المتخصصين والباحثين والمؤرخين وقادة الرأي لقراءة هذه التجربة التاريخية، وتحليل أبعادها، وإبراز أثرها في بناء المملكة.
وأعتقد أن هذه العلاقة بين الأمن ومسيرة بناء الدولة تستحق أن تُوثق، وأن تصل إلى العالم والى الأجيال الجديدة بصورة تعينها على فهم ما تحقق للمملكة وكيف تحقق. فكثير مما نراه اليوم من تنمية وازدهار، وما تتمتع به المملكة من حضور اقتصادي وسياسي وثقافي، لم يكن ليتحقق بمعزل عن قاعدة شديدة الأهمية قامت عليها هذه المسيرة، وهي 'الأمن والاستقرار ورسوخ المؤسسات'.
ويأتي شعار المؤتمر (تاريخنا ومستقبلنا.. أمن ونماء) معبّراً عن مضمون يرتبط بمسيرة المملكة؛ إذ يجمع بين التاريخ بما يحمله من إرث وتجارب، والمستقبل بما يمثله من طموح وتطلعات، ويضع الأمن والنماء في قلب هذه العلاقة. فالأمن أساس للنهضة، والنماء ثمرة لمسيرة متواصلة من العمل والإنجاز، لتكتمل دلالات الشعار في صورة وطن أصيل بتاريخه، مزدهر بمنجزاته، وواثق بمستقبله.
كما يحمل اختيار (قصر الثقافة) في حي السفارات بالرياض دلالة تتناسب مع طبيعة المؤتمر، فالمكان يرتبط بالحضور الثقافي والفكري، ويقع في منطقة تمثل إحدى الواجهات الدبلوماسية والحضارية للعاصمة. وهذا الاختيار يمنح المؤتمر بعداً رمزياً، إذ ستجري مناقشة موضوعات الأمن والتاريخ والهوية والتنمية في فضاء ثقافي داخل منطقة ذات حضور دولي، وفي موقع يعكس مكانة الرياض واتصالها بالعالم، ويقدم نموذجاً سعودياً حديثاً يجمع بين الطموح الاقتصادي، والتقدم التقني، والاعتزاز بالهوية الوطنية.
ويعكس المؤتمر رؤية فكرية متميزة تتبناها وزارة الداخلية، تتجاوز الصورة التقليدية للمؤتمرات الأمنية، وتمتد بمفهوم الأمن إلى أبعاده التاريخية، فالحديث هنا لا يقتصر على الأمن بوصفه ممارسة مؤسسية، وإنما يمتد إلى أثره في المجتمع والهوية والمواطنة والتنمية والقيم الوطنية. كما أن الاستناد إلى المصادر التاريخية والمرجعيات العلمية، والمشاركة المرتقبة للمؤرخين والأكاديميين والباحثين، سيمنحان المحتوى عمقاً علمياً، ويسهمان في تقديم تاريخ الأمن السعودي بصورة موثقة ومنهجية.
وتكشف أهداف المؤتمر عن جانب نوعي يتصل ببناء الإنسان وترسيخ المبادئ والقيم الأصيلة، وإبراز ملامح الشخصية السعودية، وتعزيز قيم الوسطية والاعتدال والانضباط والتسامح والتعايش. وهذه الأهداف تمنح المؤتمر طابعاً اجتماعياً مهماً؛ فقوة الدول لا تقوم على المؤسسات والمنجزات وحدها، وإنما على الإنسان الذي يحمل قيمها ويدرك مسؤوليته تجاهها.
ويتعزز الجانب المعرفي للمؤتمر من خلال المعرض والفعاليات المصاحبة، بما تتضمنه من تجارب تفاعلية وأنشطة معرفية وثقافية تتيح للزائر التفاعل بصورة أعمق مع موضوعات المؤتمر ومضامينه. ويضاف إلى ذلك الاهتمام بتطوير محتوى أمني مبتكر يستشرف المستقبل، ويسهم في إعداد القادة، والاستفادة من النماذج التاريخية الناجحة بما يخدم مسيرة التنمية.
ويمتد هذا الجانب المعرفي ليشمل الاهتمام بالشباب والباحثين وطلبة الجامعات، وإتاحة الفرصة أمامهم للتفاعل مع هذه التجربة وفهم أبعادها والإسهام في إنتاج المعرفة حولها؛ فاستمرار التجارب الوطنية لا يتحقق بتوثيقها فحسب، بل بقدرة الأجيال الجديدة على استيعابها والبناء عليها.
ولا ينحصر طموح المؤتمر في أيام انعقاده، بل فيما يمكن أن يتركه من أثر فكري مستدام، عبر إنتاج الأوراق العلمية، وتوثيق الحوارات، وتأسيس مكتبة رقمية تتيح هذا المحتوى للباحثين والمهتمين، بما يثري المعرفة بتاريخ الأمن وعلاقته بالهوية والتنمية في المملكة. كما أن هذا الأثر يتجاوز الجانب المعرفي إلى تعزيز الصورة الذهنية للمملكة، وإبراز ما تتمتع به من عمق تاريخي ومسيرة تنموية ثرية، بما يعكس اعتزازها بماضيها وحاضرها، وثقتها بمستقبلها.
ختاماً، فإن مؤتمر (حوار الأمن والتاريخ 2026) حدث وطني سيحمل قيمة فكرية كبيرة؛ فأمن المملكة قصة بناء، وتاريخها مصدر معرفة، وما تحقق خلال ثلاثة قرون يستحق أن يُوثَّق، ليبقى شاهداً على مسيرة مضيئة لوطن عظيم.










































