اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. نجوى الكحلوت
في عالمٍ يزداد ضيقاً بكتله الخرسانية، وإيقاعه المتسارع، وجدرانه الرقمية التي تحاصر وعينا، تصبح الكلمة ملاذاً، وتتحول الأحرف إلى نوافذ مشرعة. ومن بين تفاصيل لغتنا العربية، تبرز كلمة «البَراح» لتشكل جسراً فلسفياً فريداً؛ يبدأ من تضاريس الجغرافيا المادية، لينتهي في أعمق فضاءات النفس البشرية.
في أصلها المعجمي، «البَراح» هي الأرض المتسعة الفسيحة التي لا يقطع امتدادها شجر ولا حجر ولا عُمران. هي الفراغ الجغرافي في أبهى صوره، حيث يرتد البصر حسيراً دون أن يصطدم بعائق. ولم تقف العبقرية اللغوية عند حدود الطين والتراب؛ بل استعارت هذا الاتساع المكاني لتعيد إنتاجه قيمة شعورية وأخلاقية، مدركةً بعمقٍ مذهل تلك العلاقة الأزلية بين هندسة المكان وهندسة الوجدان.
واللافت في هذه المادة اللغوية هو تقلّبها بين المَعاني وتجليها في ظواهر الكون؛ فالعرب لم يكتفوا بجعل «البَراح» فضاءً للأرض، بل ارتقوا به إلى السماء فسمّوا الشمس «بَرَاح» وفي هذا الربط ومضة فلسفية؛ فالشمس هي أصل الضياء، ونورها لا ينتشر ولا يسفر جليًّا إلا إذا صادف فضاءً واسعاً خالياً من الحواجب والموانع. فكأن البَراح والشمس توأمان: أحدهما سعة في الأرض، والآخر ضياء يزيد إلى سعتها سعة.
على أن التأمل اللغوي يقودنا إلى مفارقة تضادية مدهشة تصنعها مادة (ب ر ح)؛ فبينما يوحي «البَراح» بالانطلاق، والامتداد، والحرية المطلقة التي لا يحدها عائق، نجد اللفظ نفسه ينقلب في سياق التركيب ليفيد لزوم المكان، والالتصاق به، وعدم مغادرته! ففي قوله تعالى: «فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي» يوسف: 80. أي لن أتحرك ولن أغادر، وهنا أصبحت الكلمة ذاتها قيداً اختيارياً، وثباتاً، ومكثاً صامداً في بقعة محددة.
ثم نلتقي بالبرح، وهو الشدة والأذى، ومنه «تباريح الشوق» و»برّح به الألم». كيف يلتقي الاتساع بالضيق في جذر واحد؟ لعل اللغة تقول لنا إن الفضاء المفتوح قد يكون رحبًا وقد يكون موحشًا، وإن من ضاقت به الدنيا يطلب البراح هربًا من البرح.
إنها المفارقة التي تشبه طبيعة النفس البشرية؛ فهي لا تستقر ولا تثبت (تبَرح مكاناً تلتصق به قيمها) إلا إذا وجدت أولاً «بَراحاً» داخليًّا يتسع لخياراتها وحريتها. إن الانتقال من «بَراح الأرض» إلى «بَراح النفس» هو انتقال من المرئي إلى اللامرئي. فالإنسان الذي تحاصره المادة، يحتاج بالفطرة إلى مساحات من الفراغ يعيد فيها ترميم ذاته. فالنفس تحتاج إلى «بَراحها الخاص»؛ ذلك الفضاء الداخلي الصامت الذي يتيح لها التأمل، التراجع خطوة إلى الوراء، والتحرر من أسر الأحكام المسبقة وضغوط اللحظة الراهنة.
وفي الجذر أيضًا «برح الخفاء»، أي انكشف الأمر وظهر. فالخفاء الذي كان مستورًا صار براحًا مكشوفًا.
فتأمّل: اتساعٌ وإخلاء، ثباتٌ ورحيل، سَعةٌ وشدة، خفاءٌ وانكشاف. كل ذلك من جذر واحد.
وربما كانت هذه هي حكمة العربية: أن تذكّرنا بأن المعاني لا تعيش في جزر منعزلة، وأن الكلمة الواحدة قد تحمل الشيء ونقيضه لأن الحياة نفسها تفعل ذلك. فما أوسع «براحَ» اللغة حين نحسن الإصغاء إليها.










































