اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. ملحة عبدالله
انضمام دولة بحجم وثقل المملكة العربية السعودية إلى القضاء الدولي هو بمثابة شهادة ثقة دولية في عدالة هذا القضاء، وفي الوقت نفسه شهادة ثقة عالمية في المملكة نفسها، فالمجتمع الدولي لا يفتح أبوابه ومؤسساته الحساسة إلا للدول التي يثق في حكمتها واتزانها والتزامها..
إن المتابع لمسيرة المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة يدرك تماما أن المملكة لم تعد تلك الدولة التي تكتفي بدور المتفرج على الساحة الدولية، بل أصبحت فاعلاً أساسيا وشريكاً لا غنى عنه في صناعة القرار العالمي، ومن هذا المنطلق يأتي انضمام المملكة إلى منظومة القضاء الدولي ليكون خطوة تاريخية واستراتيجية، تتوج عقودا من العمل الدبلوماسي والقانوني، وتؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن المملكة قد تبوأت مكانتها المستحقة بين الكبار، كدولة قانون، ودولة سلام، ودولة عدل.
إن هذه الخطوة ليست حدثاً عابرا، بل هي فصل جديد في كتاب رؤية 2030، تلك الرؤية الطموحة التي أطلقها ولي العهد سمو الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- والتي نقلت المملكة من المحلية إلى العالمية في كافة المجالات.
أولا: انضمام يعكس احترام المملكة العميق لسيادة القانون.. إن الدولة التي لا تحترم القانون في داخلها لا يمكن ان تحترمه في خارجها، والمملكة العربية السعودية منذ تأسيسها علي يد الملك عبدالعزيز –طيب الله ثراه– قامت على مبدأ العدل، فالعدل هو أساس الحكم في الشريعة الإسلامية التي هي دستور المملكة. قضاؤنا السعودي معروف بنزاهته واستقلاليته، ويستمد أحكامه من الشريعة الغراء التي لا تفرق بين كبير وصغير.. وانضمام المملكة إلى القضاء الدولي هو امتداد طبيعي لهذه العقيدة القانونية الراسخة، إنه إعلان من المملكة للعالم أجمع بأنها تؤمن أن الحوار القانوني هو السبيل لحل الخلافات، وأن الاحتكام إلي العدل الدولى أفضل من الاحتكام إلى لغة السلاح.. بهذه الخطوة؛ تقدم السعودية نفسها كقدوة للدول التي تؤمن أن القانون هو الضامن الوحيد لحقوق الشعوب الضعيفة قبل القوية.
ثانيا: تعزيز للدور القيادي للمملكة كصانعة للسلام العالمي.. لم يعد دور المملكة مقتصراً على كونها أكبر مصدر للطاقة في العالم أو قبلة للمسلمين فحسب، بل تجاوز ذلك ليصبح دور الوسيط النزيه والمحاور الحكيم، فمنذ سنوات، رأينا المملكة تقود جهود الوساطة بين روسيا وأوكرانيا، وتجمع الفرقاء في السودان واليمن على طاولة الحوار في جدة والرياض، وتقود الجهود لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني.. ووجود المملكة داخل أروقة القضاء الدولي سيعطي لهذه المؤسسات ثقلا ومصداقية.. فالمملكة تمثل صوت أكثر من مليار ونصف المليار مسلم، وصوت العالم العربي بأكمله.. دخولها سيضمن أن يكون هناك توازن في القرارات الدولية؛ ولا تكون العدالة الدولية مسيسة أو منحازة لطرف دون الآخر، بل عدالة حقيقية تستمع لوجهة النظر العربية والإسلامية التي لطالما غُيّبت.
ثالثا: حماية استراتيجية للمصالح الوطنية والقضايا العادلة.. إن العالم اليوم تحكمه القوانين والاتفاقات الدولية، وما لا يوجد على طاولة صياغة هذه القوانين ستصاغ القوانين ضده. بانضمام المملكة للقضاء الدولي فإنها تضمن مقعدا دائما للدفاع عن مصالحها الحيوية، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو حدودية، ضمن إطار شرعي وقانوني يحترمه العالم.. كما أن هذه الخطوة تمكن المملكة من الدفاع بشكل أكثر قوة وفعالية عن القضايا العادلة لأمتنا، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وحقوق الأقليات المسلمة في جميع أنحاء العالم، وقضايا البيئة والتنمية المستدامة التي تتبناها المملكة بقوة، فبدلاً من أن تكون المملكة مجرد مصدر للبيانات، ستصبح جزءاً من الجهة التي تصدر الأحكام.
رابعاً: رسالة ثقة للعالم وللأجيال القادمة.. إن انضمام دولة بحجم وثقل المملكة العربية السعودية إلى القضاء الدولي هو بمثابة شهادة ثقة دولية في عدالة هذا القضاء، وفي الوقت نفسه شهادة ثقة عالمية في المملكة نفسها، فالمجتمع الدولي لا يفتح أبوابه ومؤسساته الحساسة إلا للدول التي يثق في حكمتها واتزانها والتزامها.. وهذه رسالة قوية لأبنائنا وبناتنا، وطلاب وطالبات المدارس، أن بلادهم لم تعد على هامش التاريخ، بل في قلبه، وأن جواز السفر السعودي الذي يحملونه، وعلم بلادهم الذي يرفرف، يحمل معه هيبة دولة يحترمها القضاة والمحامون في لاهاي، ويحترمها القادة والزعماء في نيويورك وجنيف.
وفي الختام، يمكن القول إن انضمام المملكة إلى منظومة القضاء الدولي ليس نهاية المطاف، بل هو بداية لمرحلة جديدة من الريادة السعودية العالمية، مرحلة تؤكد فيها المملكة أنها قوة اقتصادية وقوة سياسية وقوة قانونية وأخلاقية.. إنه فخر لكل مواطن سعودي أن يرى بلاده وهي تخطو هذه الخطوة الواثقة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين، نحو مستقبل تكون فيه السعودية صوتَ العدل والحكمة في عالم أحوج ما يكون إليها.. حفظ الله المملكة وأدام عليها عزها ومجدها.










































