اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٦ حزيران ٢٠٢٦
أ. د. فهد إبراهيم البكر
من يتأمل أدب الرسائل العالمي سيدهشه ذلك الكم الهائل من النماذج الرسائلية المتنوعة التي كان يكتبها المفكرون، والمؤرخون، والشعراء، والرسّامون، والموسيقيون، والفلاسفة، ومن لفّ لفّهم، وكان أولئك الكتّاب لا يبرحون يسطّرون رسائلهم الخالدة في مجالات كثيرة، وفق عواطف ملتهبة، ومن بين تلك الرسائل المؤثرة ما كانوا يكتبونه في محيطهم الأسري، كرسائلهم إلى الآباء، أو الأمهات، أو الأبناء والبنات، أو الإخوة والأخوات، أو الأعمام والعمات، أو الأخوال والخالات، أو غيرهم من الأقرباء.
ويمكن أن نشير إلى بعض أدباء الرسائل العالميين الذين اتسمت رسائلهم بعواطفها المترقرقة، ومشاعرها الشفافة، وأحاسيسها السيّالة، الذين بثوا في رسائلهم شيئاً من خلجات النفس، وشجون الخاطر، وبواعث العلاقات الإنسانية العميقة، إضافة إلى بعض الرؤى الفلسفية، فمن هؤلاء مثلاً: (يوهان غوته، وألكسندر بوشكين، وفيودور دوستويفسكي، وليو تولستوي، وفان غوخ، وأنطون تشيخوف، وأوسكار وايلد، وجين وبستر، وفريدريك نيتشه، وراينر ماريا ريلكه، ومارسيل بروست، وأنطونيو غرامشي، ومكسيم غوركي، وفرانز كافكا، وفرجينيا وولف، وألبير كامو، وهرمان هيسه، وتوماس مان، وفلاديمير نابوكوف، وسيلفيا بلاث..)، وغيرهم.
وقد لوحظ السرد العائلي في كثير من المدونات الرسائلية التي أبدعها أمثال هؤلاء الكتّاب، بل إن بعضهم قد خصّص مؤلفه للعائلة، ووسمه بها، كما فعل الأديب الروسي (أنطون تشيخوف 1904م) في مدونته (رسائل إلى العائلة)، وهي رسائل حميمية كان يبعثها إلى أمه، وإخوته، وزوجته، وعمه، وابن عمه. يقول في إحدى رسائله إلى أمه: «خالص التحية يا أمي الغالية، أكتب لك هذه الرسالة تقريباً في ليلة مغادرتي روسيا..»، ويقول في رسالة إلى أخته: «عزيزتي تونجيوزيز، أطفو الآن فوق مياه نهر كاما، لا أستطيع تحديد موقعي بدقة..»، وإلى أمه وأبيه يخاطبهما في رسالة أخرى قائلاً: «أتوسّل إليكما، أمي وأبي، ألا تقلقا، وألا تتخيّلا أخطارًا لا وجود لها»، وفي رسالة أخرى يفتتحها قائلاً: «أمي العظيمة..»، ويقول في رسالة إلى أخيه: «أخي العزيز ميشا، استلمت رسالتك وأنا في حالة من الضيق يُرثى لها..»، إضافة إلى رسائل أخرى كتبها إلى عمه، وابن عمه.
ومن ذلك رسائل الفيلسوف الألماني (فريدريك نيتشه 1900م) إلى أخته، حيث يقول فيها: «أين هؤلاء الأصدقاء القدامى الذين كُنت أشعُر معهم في السنوات الماضية أننا متقاربون كُليًّا ؟!»، ويقول في رسالةٍ إلى أمه وأخته: «أمي وأختي العزيزتين، أتمنى من كل قلبي أن تبعث فيكما هداياي الصغيرة بعض السعادة.. أما إليك يا أمي العزيزة فقد أهديت الستائر.. وإليك عزيزتي ليزبيث أهدي كتاب تاريخ الفن ..».
وكان الروائي الفرنسي (مارسيل بروست 1922م) يكتب إلى والدته بإنسانية عالية، وعاطفة متأججة، يقول لها مثلاً في بعض رسائله: «رسائلك تهبني سعادة لا حدود لها؛ لكن اجعليها أقصر؛ كي لا تتعبك الكتابة». ويقول في أخرى إلى أمه أيضاً: «ليس أني لا أفكر فيكِ هو الذي يفسّر قلة رسائلي إليكِ، أو لما أكون بصدد الكتابة إليكِ لا أعتز باللحظات التي قضيتها وحدي معكِ. لكن لأني أكابد باستمرار أزمتي النفسية، أفضّل البوح بشكاوي إلى مُؤتَمنين أكثر لامبالاة».
كما كان الفيلسوف الإيطالي (أنطونيو غرامشي 1937م) يفتتح رسائله بــ «أمي الحبيبة»، و»أمي العزيزة»، ويوقعها باسم طفولته «نينو»، وكان يغلّف رسائله بعبارات الحنين الصادق، وذكريات الطفولة، وشؤون العائلة، يقول مثلاً في بعض رسائله إلى أمه: «فكّرتُ فيكِ هذه الأيام، فكّرتُ في الحزن الجديد الذي سببته لكِ.. أمي الحبيبة كوني قوية وصبورة.. أكتب إليكِ لأنبهكِ أنه لا داعي للقلق».










































