اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
الموقع الجغرافي الاستراتيجي للبلد الشمال أفريقي يجعلها محل اهتمام القوى الدولية
طالب وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي المفوضة الأوروبية للمتوسط دوبرافكا شويتسا بضرورة مراجعة اتفاقية الشراكة بين بلاده والاتحاد الأوروبي، 'بما يضفي عليها مزيداً من الواقعية والإنصاف، ويجعلها مجسمة لشراكة حقيقية ومتضامنة، تستجيب للتحولات الراهنة وتراعي بصورة أفضل مصالح الطرفين وأولوياتهما، لا سيما في ما يتعلق بالمبادلات التجارية والتعاون المالي والبرامج العلمية المشتركة'.
من جانبها، قالت المسؤولة الأوروبية إنها تعي متطلبات المرحلة من أجل إرساء شراكة على قاعدة المصالح المشتركة واحترام السيادة وتطوير أطر الحوار، معبرة عن الأمل في أن يشكل مجلس الشراكة التونسية - الأوروبية منطلقاً لهذه العلاقة الجديدة.
وأثار هذا الموقف عديداً من التساؤلات في تونس، لا سيما في شأن كيفية تطبيقه، وما هي النقاط والبنود التي يمكن أن تشملها المراجعة، ومدى قدرة تونس على إعادة التفاوض حول الاتفاق بما يستجيب لمصالحها الاقتصادية.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة، وتزايد الدعوات التونسية إلى مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، يطرح سؤال نفسه: هل تتجه تونس نحو إعادة رسم خريطة شراكاتها الخارجية وإعادة النظر في علاقاتها مع أوروبا ودول أخرى؟
في هذا الصدد قال الصحافي بسام حمدي، إن التحولات الجيوسياسية والتقلبات الاقتصادية العالمية، الناجمة عن الحروب وتغير التوازنات الإقليمية والدولية، دفعت تونس إلى التفكير في مراجعة عدد من اتفاقاتها الاقتصادية، وفي مقدمها اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، في ظل تساؤلات بشأن مدى استفادة الاقتصاد التونسي من هذه الشراكة واختلال التوازن في المبادلات التجارية بين الطرفين.
وأوضح حمدي في حديث لـ'اندبندنت عربية' أن مراجعة الاتفاقية قد تمثل خطوة نحو تحقيق توازن أكبر في العلاقات الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع التوجه نحو تنويع الشراكات والانفتاح على أسواق جديدة، وبخاصة الصينية والأفريقية، بما يعزز المبادلات التجارية ويقلص الاعتماد على الشريك الأوروبي.
وربط هذا التوجه أيضاً بالخيارات الدبلوماسية للرئيس قيس سعيد، التي تقوم على تعزيز السيادة الوطنية وتنويع الشراكات الخارجية، في ظل انتقادات للسياسات الأوروبية وما قد تنطوي عليه، وفق هذه الرؤية، من اختلال في المصالح بين الطرفين.
وأكد حمدي أن الحديث عن مراجعة اتفاق الشراكة لا يزال في حدود التصريحات والنوايا السياسية، في غياب خطوات عملية معلنة أو تفاصيل دقيقة بخصوص البنود التي تعتزم تونس مراجعتها، مشيراً إلى أن هذا الملف يندرج أيضاً ضمن الخطاب السياسي المتعلق بالدفاع عن السيادة الوطنية، وبخاصة في ظل الضغوط المرتبطة بالعلاقات التونسية - الأوروبية، ومنها ملف الهجرة غير النظامية.
يشار إلى أنه قد صدرت دعوة إلى تعديل الاتفاقات مع الاتحاد الأوروبي عن رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال مارس (آذار) الماضي، ثم جددها وزير الخارجية محمد علي النفطي خلال لقائه بالمفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط دوبرافكا شويتسا سبتمبر (أيلول) الجاري.
من جهته يرى المحلل والكاتب السياسي ماجد البرهومي أن 'تونس مطالبة بمراجعة شراكتها مع الاتحاد الأوروبي وتنويع شراكاتها الدولية من دون التخلي عن شركائها التقليديين'.
واعتبر البرهومي في تصريح خاص أن مراجعة اتفاق الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي أصبحت ضرورة تفرضها التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، وتحديداً أن الاتفاق بصيغته الحالية لم يعد يلبي حاجات الاقتصاد التونسي في ظل اختلال موازين القوى بين الطرفين منذ توقيعه.
وأوضح أن بروز أقطاب اقتصادية جديدة، على غرار الصين من خلال مبادرة الحزام والطريق، إلى جانب الهند واليابان وروسيا ودول أميركا اللاتينية، يمنح تونس فرصاً لتنويع شراكاتها وتعزيز موقعها التفاوضي مع الاتحاد الأوروبي.
وشدد على ضرورة توظيف تونس لأوراق الضغط المتاحة، وفي مقدمها ملف الهجرة، معتبراً أن التنازلات التي قدمتها تونس للجانب الأوروبي، وبخاصة لإيطاليا لم تحقق المكاسب المنتظرة، لا سيما في مجال التشغيل وتنظيم الهجرة القانونية للشباب التونسي. ودعا إلى مراجعة اتفاقات التعاون المتعلقة بالهجرة، بما يضمن مصالح تونس ويسهم في حماية حدودها البرية والبحرية.
وأكد البرهومي أن تنويع الشراكات الدولية لا يعني التخلي عن الاتحاد الأوروبي، باعتباره شريكاً تاريخياً واستراتيجياً لتونس، تجمعها به علاقات تجارية واقتصادية عريقة، فضلاً عن القرب الجغرافي الذي يمنح المبادلات التجارية بين الطرفين أهمية خاصة.
وخلص إلى أن التحدي المطروح أمام تونس يتمثل في إعادة صياغة علاقاتها الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي على أسس أكثر ندية وتوازناً، بالتوازي مع الانفتاح على قوى اقتصادية صاعدة، بما يخدم مصالحها الوطنية ويعزز قدرتها التفاوضية على الساحة الدولية.
من جهة أخرى اعتبر الدبلوماسي السابق عبدالله العبيدي أن مراجعة اتفاق الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي تستوجب دراسة معمقة للمصالح التونسية وتحديد البنود التي تتطلب التعديل أو التحيين، مؤكداً ضرورة إدارة هذا الملف بحكمة دبلوماسية بعيداً من الخطاب العدائي، بالنظر إلى أهمية العلاقات الاقتصادية والجغرافية والاستراتيجية التي تربط تونس بشركائها الأوروبيين.
وأوضح العبيدي، في تصريح خاص، أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي لتونس، قبالة مضيق صقلية وعلى مقربة من أوروبا، يجعلها محل اهتمام القوى الدولية، مؤكداً أن هذا المعطى يفرض على تونس مراعاة التوازنات الإقليمية والدولية عند تحديد خياراتها الدبلوماسية والاقتصادية.
وأشار إلى أن مراجعة الاتفاق المبرم عام 1995 تتطلب تحديد البنود التي لم تعد تتلاءم مع المصالح التونسية، وتقديم مقترحات واضحة لتعديلها، لافتاً إلى أن مثل هذه المفاوضات قد تستمر سنوات، بالنظر إلى ضرورة التشاور مع مختلف الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وأكد العبيدي أن التوجهات الدبلوماسية لا تختزل في مواقف وزير الخارجية، بل تندرج ضمن السياسة العامة للدولة التي تتحمل مسؤوليتها الحكومة بمختلف أعضائها.
وفي ما يتعلق بإمكانية تنويع الشراكات الاقتصادية، نبه إلى صعوبة تعويض السوق الأوروبية في فترة وجيزة، بالنظر إلى تشابك المصالح الاقتصادية والتجارية، داعياً إلى التشاور مع مختلف الأطراف المعنية والاستناد إلى دراسات الخبراء قبل اتخاذ أي قرار.
وشدد على أهمية الجالية التونسية المقيمة في أوروبا، التي قدر عددها بنحو مليون و200 ألف شخص، مذكراً بالدور الحيوي لتحويلاتها المالية في دعم الاقتصاد الوطني، فضلاً عن الروابط العائلية والاجتماعية التي تجمع تونس بالدول الأوروبية.
وخلص العبيدي إلى أن مراجعة اتفاق الشراكة قد تكون ضرورية إذا أثبتت الدراسات جدواها، لكن نجاحها يتوقف على حسن اختيار الصيغة التفاوضية التي تخدم المصالح التونسية، مع مراعاة موازين القوى وتشابك المصالح مع الشركاء الأوروبيين.

























