اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١١ أذار ٢٠٢٦
80 في المئة من الأطباء حديثي التخرج يغادرون البلاد سنوياً
يعرف قطاع الصحة في تونس موجات هجرة متزايدة سنوياً، تدفع بالمئات من القيادات الطبية وشبه الطبية إلى الخارج، مما أثر في أداء القطاع من خلال تراجع جودة الخدمات الصحية في المستشفيات، بسبب النقص الفادح في الأطباء والممرضين.
ودفع هذا الوضع بالهياكل المهنية التابعة للقطاع إلى إطلاق صيحة فزع مطالبة بتحسين الظروف المادية للإطارت الطبية، وفتح الآفاق المهنية والعلمية، ووضع قانون أساس جديد للعاملين في القطاع الصحي.
وتفيد بيانات الوكالة الوطنية للتعاون الفني، (مؤسسة حكومية) بأن الوجهة الأوروبية وتحديداً ألمانيا هي من أكبر المستقطبين الكادرات الطبية وشبه الطبية التونسية، بنسبة تفوق 21 في المئة سنوياً، تليها كندا بنسبة 20 في المئة، ومن ثم الدول الأفريقية بنسبة 10 في المئة فالدول العربية بنسبة سبعة في المئة.
وبينت دراسة أعدها معهد الصحة والسلامة المهنية (مؤسسة حكومية) أن معدل أعمار الممرضين والإطار شبه الطبي الذي يهاجر من تونس لا يتعدى 33 سنة، وأن 84 في المئة من هؤلاء يهاجرون بسبب تدني الرواتب، بينما يرى 59 في المئة أن سبب الهجرة هو البحث عن ظروف حياة أفضل.
وبحسب إحصاءات عمادة الأطباء، يُغادر تونس سنوياً 80 في المئة من الأطباء الشبان حديثي التخرج، بينما تدفع الدولة كلفة عالية في تكوين إطارات هذا القطاع، وفي البحث عن بدائل لسد الشغورات حفاظاً على ديمومة الخدمات الصحية وجودتها.
أسمهان العطوي طبيبة تونسية (42 سنة)، هاجرت إلى الخليج، منذ تسعة أعوام، تقول 'بداية الرحلة كانت صعبة، أما الآن فتعودت، وأستبعد فكرة العودة إلى تونس'.
وعن أسباب هجرتها تضيف 'في الحقيقة هي عدة أسباب دفعتني إلى ذلك، وترك عائلتي في تونس، أولها الظروف المادية الصعبة، والوضع المهني المتردي، حيث يواجه الأطباء تهديدات بالعنف، علاوة على عدم توفر الآلات التي تساعد على تشخيص حالات المرضى، القطاع الصحي في تونس يحتضر، رغم ما تقوم به الدولة من مجهودات لتوفير المستلزمات الطبية والآلات المتطورة فإن البنية التحتية عموما مهترئة، والعلاقة بين الطبيب والمريض وعائلته، في حاجة إلى إعادة نظر وهذه مسؤولية مجتمعية وليست من مشمولات وزارة الصحة وحدها'.
وتوضح، 'هنا الطبيب له مكانته الاعتبارية، يتمتع باستقرار مادي يمكنه من توفير حاجياته وحاجيات عائلته، بينما في تونس فقدت الطبقة الوسطى مكانتها في المجتمع، وأصبح الطبيب في القطاع العام، يواجه صعوبات مادية كبرى، وأحياناً غير قادر على توفير متطلبات عائلته'.
وبدوره، اختار الممرض عماد غربال الهجرة إلى ألمانيا حيث قضى خمسة أعوام، في إطار التعاون الفني بين تونس وألمانيا. ويقول 'رغم العمل الشاق، وفي دوام ليلي، فإن الوضع المادي والظروف المهنية وإدارة القطاع الصحي في ألمانيا أفضل بكثير من تونس، واجهتُ في البداية صعوبات في التعامل خصوصاً بسبب عائق اللغة، أما بعد مرور عامين فاندمجتُ، وتحسن وضعي المهني والمادي، وأنا اليوم بصدد الإعداد لتجربة جديدة في الخليج'.
شهادات الإطار الطبي وشبه الطبي من التونسيين الذين اختاروا الهجرة على العمل في تونس تكشف حجم الصعوبات التي يواجهها القطاع الصحي وسط إغراءات الخارج، وتنامي الطلب على الإطارات التونسية، من وجهات عديدة عربية وغربية وأفريقية.
وأمام هذا الوضع يؤكد كاتب عام الجامعة العامة للصحة حسن المازني في تصريح لـ'اندبندنت عربية'، أن 'القطاع الصحي في حاجة إلى قانون أساس جديد، يتلاءم مع المتغيرات العالمية في هذا المجال، ويستوعب إغراءات الخارج، ويحسن الوضع المادي لإطارات الصحة، ويفتح أمامهم الآفاق المهنية والأكاديمية'، لافتاً إلى أنه 'تم تعطيله رغم أهميته في الحد من نزف هجرة الإطارات الطبية'.
ويضيف أن 'القانون الأساس الجديد المقترح، يحفز كوادر قطاع الصحة ويشجعهم على البقاء في تونس'، مشيراً إلى أن 'هجرة كادرات الصحة في تونس باتت مجالاً خصباً للاستثمار من قبل شركات خاصة تتعاقد مع جامعات تونسية في اختصاصات التمريض وتتعامل مباشرة مع الطلبة في أعوام التخرج الأخيرة، ويتم التكفل بهم وتعليمهم اللغة الألمانية، ثم يتم توجيههم مباشرة إلى ألمانيا'، واصفاً الوضع بالخطر وسط آفاق مسدودة في تونس، وأجور زهيدة تمثل خمس ما يتقاضاه في الخارج.
ويعتبر كاتب عام الجامعة العامة للصحة أن 'قطاع الصحة في تونس يعاني نقصاً فادحاً في الموارد البشرية، إذ لا يتم تعويض من أحيل على التقاعد، وتراجع عدد أطباء الاختصاص، والممرضين خصوصاً في الجهات الداخلية، علاوة على تهري المعدات، مما أثر سلباً على جودة الخدمات الصحية، إذ لا يتم احترام المعايير المعمول بها في تحديد مواعيد الفحوصات الطبية على أمراض لا تقبل التأجيل، حيث تتجاوز مدة انتظار موعد الفحص أحيانا السنة والنصف'.
ويخلص المازني أن 'واقع قطاع الصحة صعب'، داعياً إلى معالجته من خلال تعزيز الاستثمار وتجويد الخدمات الصحية، وتقريبها من المواطن، وتشريك الجهات المتدخلة كوزارة التعليم العالي، لإيجاد حلول جذرية توقف نزف الهجرة وتفتح الآفاق العلمية والمادية أمام إطارات الصحة.
من جهته، يعد أمين عام التنسيقية الوطنية لإطارات وأعوان الصحة، شكري المبروكي، في تصريح خاص أنه 'لا يمكن اليوم الحديث عن جودة خدمات صحية بالمعايير المعمول بها، بل هو تأمين للحد الأدنى من المرفق العمومي للصحة'، لافتاً أن 'الدولة تقدم وعوداً من دون أن تمر إلى الإجراءات العملية للحد من نزف هجرة الإطارات الطبية وشبه الطبية'.
ودعا المبروكي إلى 'تفعيل القانون الأساس لإطارات وأعوان الصحة، وتحسين ظروف العمل ومزيد الاستثمار في هذا القطاع الحيوي'، معتبراً أن 'نزف هجرة الكادرات الطبية بات يهدد بانهيار القطاع الصحي في البلاد'.
في المقابل، تدرك وزارة الصحة أهمية هذه التحديات ووضعت للغرض استراتيجية لمجابهة هجرة الإطارات الطبية وشبه الطبية، من خلال تحسين ظروف العمل، وتطوير البنية التحتية للمستشفيات، والوحدات الصحية العمومية، والعمل على تقنين تبادل الكفاءات بين تونس وعدة دول أوروبية من خلال اتفاقات ثنائية تضمن حق التونسيين في الصحة.
وأكد وزير الصحة في أعمال الندوة الدورية للمؤسسات العمومية للصحة 'ضرورة إعادة هيكلة القطاع الصحي، بما يعزز الثقة بين المواطن ومؤسساته الصحية، ومكافحة الفساد وتحقيق الشفافية في إدارة الموارد الصحية، وحوكمة ناجعة للقطاع ترتكز على الشفافية والمساءلة، علاوة على تأهيل البنية التحتية الصحية لضمان استدامة الخدمات'.

























