اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٣ أذار ٢٠٢٦
على رغم تجسيدها لحلول بيئية مستدامة غلب الطابع العصري في البناء على غالبية مناطق البلاد منذ الاستقلال
تتميز تونس بمناخ متنوع من معتدل في شمال البلاد وسواحلها، إلى شبه جاف في الوسط، وصولاً إلى المناخ الصحراوي الجاف والحار في الجنوب، مما أثر في أساليب العمارة والبناء، حيث سعى التونسيون منذ القدم إلى ابتكار حلول ذكية من أجل التكيف مع الحرارة أو البرودة أو الرياح أو حتى الثلوج.
من هنا جاء إبداع أهالي مدينة توزر (جنوب غربي تونس) في قلب الصحراء، في تركيز نمط معماري سابق لعصره، يفهم نواميس الصحراء ومناخها الصعب، ويتخذ من الظل أداة بديلة للطلاء من أجل تكييفه مع المناخ الحار والشمس الحارقة.
ليست جدران مدينة توزر مسطحة كما هو معروف، بل تبدو كلوحات ثلاثية الأبعاد ابتكرها البناؤون منذ القرن الـ15، وتعتمد إلى اليوم واجهات ذات نتوءات تتحرك مع زوايا الشمس طوال النهار في تناغم تام مع طبيعة المكان الصحراوي بلون الطوب الذهبي.
يقول الباحث في المعهد الوطني للتراث مراد الشتيوي، عن المسكن التقليدي بمحافظة توزر وبالتحديد في المدينة العتيقة التي تأسست نهاية القرن الـ15، إنه 'خلال هذه الفترة تميزت البنايات باستعمال الآجر المحلي، وأيضاً خشب النخيل لتسقيف المنازل'.
بالنسبة إلى الآجر المحلي المستعمل في توزر يفيد الشتيوي، بأنه 'مكيف طبيعي ظهر بالتحديد بجهة الجريد التونسي في الجنوب الغربي، التي تتميز أيضاً بكثرة المقاطع الطينية، فأينما نسير نجد الطين الأحمر والطين الأبيض'. مواصلاً 'يتم دمج النوعين في الأفران الموجودة في المنطقة منذ الفترة الرومانية والمستمرة إلى اليوم، فالمدينة بقيت على حالها منذ القدم، وبلدية المكان تفرض اتباع النمط نفسه في البناء عند التوسع أو الترميم'.
ومن جنوب غربي تونس إلى جنوب شرقها، يختلف المناخ كما تختلف التضاريس ونوعية التربة فيتغير معهما نمط العمارة. حيث تبرز قرية مطماطة الجبلية بمحافظة قابس بخصائص معمارية فريدة حافظت عليها منذ أكثر من 1000 عام، فقد اختار سكانها مواجهة المناخ القاسي بتصاميم ذكية وفريدة من نوعها في العالم تتمثل في حفر منازلهم تحت الأرض وفي التلال والهضاب، وحتى الجبال التي تتميز بها المنطقة.
هذا النمط من البناء يجعل المنازل باردة في الصيف الحار ودافئة في الشتاء، ونتيجة لطريقة التصميم القائمة على ربط غرف المنازل بممرات داخلية توفر هذه البيوت بيئة معتدلة طوال العام. وقد اعتمد السكان في تصاميمهم على مواد طبيعية تتميز بها المنطقة، كالطين ونحت الجدران في الحجر الرملي بطريقة تسمح بالاستدامة، مما حافظ على الطابع الإيكولوجي للمنطقة.
أما في شمال غربي تونس فتزين البنايات القديمة بمدينة عين دراهم أسطحها بالقرميد الأحمر الذي يعتبر جزءاً لا يتجزأ من تراث المدينة، لما له من دور في تحديد مظهر وهوية البلدة.
لهذه الخصائص المعمارية أسباب مناخية، إذ تتساقط على المنطقة كميات كبيرة من الثلوج لا يمكنها البقاء فوق الأسطح، وسرعان ما تذوب أو تسقط من فوق القرميد الأرجواني. ولجأ الأهالي في شمال غربي تونس وبخاصة منطقة عين دراهم وأيضاً تالة إلى طلاء الأبواب والنوافذ باللون الأخضر، إلا أن هذه الخصائص بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً، وفق ما أكده المهندس المعماري مراد الدبوسي 'حيث فقدت بعض المباني طابعها الأصلي وتم تعويضه بطابع لا يتماشى وطبيعة المكان'. مشيراً إلى أن 'التوسع العمراني وغلاء مواد البناء من العوامل التي أسهمت في بدء فقدان هذا النمط القديم'.
وعلى رغم تجسيد هذه الأنماط المعمارية لحلول بيئية مستدامة، إضافة إلى الخصوصية الثقافية، فإنه منذ استقلال البلاد غلب الطابع العصري في البناء على غالبية المناطق التونسية فأصبحت العمارة متشابهة، مما جعل كثيراً من الخبراء ينادون بالرجوع إلى الأصل وإعادة الترويج للنمط التقليدي، أو ما يعرف اليوم بالنمط الإيكولوجي.
في هذا الصدد، يقول المتخصص في البناء الإيكولوجي، فوزي العيادي 'قبل استقلال البلاد كان لكل منطقة في تونس نمط معماري خاص بها، وكانت فلسفة هذا المعمار تقوم على الظروف المناخية وخصوصياتها، وثانياً على مواد البناء المتوفرة في كل منطقة من نوعية التربة أو الأحجار'. مواصلاً 'لقد وجد أجدادنا سابقاً حلولاً في البناء حسب ما هو متوفر في الطبيعة، لكن بعد الاستقلال تم توحيد طريقة البناء وتحديثها، أي باستخدام مادة الآجر والإسمنت المصنع، مما جعلنا نفقد الخصائص القديمة التي تعتمد أساساً على التكيف مع المناخ'.
وأضاف 'اليوم تبدو كل البنايات متشابهة وليست موائمة مناخياً لبعض المناطق، مما جعلنا نعتمد على المكيفات للتدفئة والتبريد، لذا تزايدت كلف الطاقة، وفقدنا بناء إيكولوجياً صديقاً للبيئة وعوضناه بآخر لا يحترم الشروط البيئية'.
ويرى العيادي أن 'الرجوع إلى البناء الإيكولوجي، وبخاصة التقليدي الذي ابتكره أجدادنا في تونس، يجب أن يكون خيار دولة وسياسة كاملة، بدءاً بتكوين الكفاءات، وصولاً إلى توفير المواد وتوعية الناس وشركات العقارات بأهمية هذا النوع من البناء، سواء بيئياً أو صحياً، وأيضاً بكونه أقل كلفة إذا نجحنا في تركيز هذا النوع من البناء بصورة مكثفة'.
وأكد متخصصون في تونس أن البناء التقليدي المكيف مناخياً أو ما يعرف اليوم بالبناء الإيكولوجي يسهم بصورة كبيرة في الحد من الأزمة الطاقية والمناخية، حيث يقع استعمال مواد صديقة للبيئة لتشييد الجدران والمنازل مثل الحجارة والخشب والطين والجبس.
وعلى رغم أن تونس تمتلك تراثاً معمارياً في البناء البيئي، وموارد طبيعية يمكن استغلالها في مواجهة أزمة الطاقة العالمية والتغيرات المناخية، فإن الحكومات المتعاقبة لم توفر دعماً كافياً لتشجيع مبادرات الشركات الخضراء والمنوال التنموي الأخضر.
يؤكد المتخصص في البناء الطاهر العمراوي، أن استعمال هذه المواد الطبيعية في البناء لا يتجاوز خمسة في المئة فقط، مشيراً إلى 'أهمية مواد البناء المستدامة التي كان يستعملها التونسيون قبل الاستعمار، وقبل أن نشهد هذا التوسع العمراني الكبير'.
وشدد على أهمية استعمال مادة الجبس في البناء، لأنه لا يستهلك كثيراً من الطاقة خلال إنتاجه أو استغلاله، فلا نحتاج إلى كثير من وسائل التدفئة أو التبريد أثناء العيش، وفق قوله.
وقال الطيب بن ميلاد، وهو أحد المستثمرين في البناء البيئي، إن 'تونس تمتلك تراثاً معمارياً محلياً في البناء البيئي لا يفرض استهلاكاً للطاقة خلال فترتي البناء أو الاستخدام'. مضيفاً أن 'لتونس موارد طبيعية يمكن استغلالها لإرساء هذا الصنف من البناء، وبخاصة مع التغيرات المناخية الجديدة والأزمة الطاقية العالمية'.
وشدد الطيب بن ميلاد على أن تونس تعاني بطئاً في الانتقال من مرحلة البناءات المستحدثة بالإسمنت وغيرها من المواد المصنعة إلى الرجوع لنمط البناء الإيكولوجي والبيئي'، داعياً إلى تحرك كل الأطراف من مؤسسات خاصة ومجتمع مدني إضافة إلى مجهودات الدولة.
وتحدث عن تجربتهم في البناء الإيكولوجي قائلاً إنهم 'قاموا بتدريب نحو 250 شاباً وشابة لتمكينهم من تشييد بناءات بيئية بالمواد المحلية المتاحة، ومنها بخاصة التربة الطينية والمقاطع الحجرية'. مضيفاً 'هذا النمط يشهد اهتماماً كبيراً من دول كبرى لأهميته البيئية'.

























