اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٧ أذار ٢٠٢٦
د. ملحة عبدالله
في تحليل بعض البنيويين للنصوص القديمة أو الحديثة في خطاب نخبوي متعالٍ ليس فيه من المنهج البنيوي سوى لفت النظر إلى نفسه بعيداً عن الصنف سنجد ذلك الغموض وتلك المراوغة والتناظر والتقابل والرسوم الهندسية والمعمارية ما يفصل المتلقي عن شاعرية النص التي هي أداة الاتصال الفاعلة..
لا بد من الإشارة إلى ما نسميه الغربة الثقافية في وقتنا هذا، والتي نتاجها أن جنح الكثير عن طالبي المعرفة بشدة إلى اللهو، إلى ما يسمى منصات التواصل وإلى حفلات اللهو والأغاني الهابطة، التي لا تحمل في طياتها سوى هراء ومضيعة للوقت!
وإذا ما تتبعنا أسباب هذا الجنوح الذي يؤدي بدوره إلى ما أسميناه بالأمية الثقافية، فسنجد أن تعالي الخطاب النقدي -بل غيابه في كثير من الأحيان والذي كان من شأنه الوصول للمتلقي العادي غير المتخصص- فسنجد ذلك الإمعان في تحويل هذا الخطاب -برغم أن وظيفة النقد كوسيلة لتوصيل الرسالة والوعي- إلى رموز وطلاسم لا يفقهها العامة من طالبي المعرفة من غير المتخصصين، حينما جنح النقاد إلى الانكفاء على الخطاب المتخصص فقط.
ومما لا شك فيه أن علمنة النصوص الأدبية وتحويلها إلى معادلات جبرية ورسوم هندسية تفقد النص الأدبي ذلك السحر الذي قال عنه دي سومي إن أورفيوس حينما ينشد تدلف إليه العجماوات. ففي تحليل بعض البنيويين للنصوص القديمة أو الحديثة في خطاب نخبوي متعالٍ ليس فيه من المنهج البنيوي سوى لفت النظر إلى نفسه بعيداً عن الصنف، سنجد ذلك الغموض وتلك المراوغة والتناظر والتقابل والرسوم الهندسية والمعمارية ما يفصل المتلقي عن شاعرية النص التي هي أداة الاتصال الفاعلة، فيقول عبدالعزيز حمودة في كتابه المرايا المحدبة: 'حينما قرأت دراسة -'البنيفسوية' أو 'النفيبنيوية'- لأول مرة منذ بضع سنوات وقفت حائراً، بل عاجزاً تماماً عن فهم هذه الرسوم التي تماثل معادلات علم الجبر، ولم يفارقني نفس الشعور عند قراءة هذه الرسوم مرات عديدة.. وما أكثر ما اتهمت نفسي بنقص الذكاء الفطري والمكتسب على السواء. كانت حيرتي -ولا تزال- تقوم على محاولة فك طلاسم أشباه المعادلات الجبرية من ناحية، وتأسيس علاقتها بالنص الأدبي، أو نجاحها في تحقيق المعنى'.
لم يكن المفكر الكبير عبدالعزيز حمودة في غفل عن قواعد النقد وأصوله كما اتهم نفسه، ولكنه استشعر تلك الغربة في أكبر مهام الناقد الذي يمتلك ناصية المعيار النقدي ففي هذا الشأن يقول: 'دعوني أشارككم بعض التساؤلات حول أشباه المعادلات مع وضع التنويه إلا أنني أذكر بعض أساسيات الجبر وكيف تعمل المعادلات. والتساؤلات هنا تدور حول المعادلتين '؟/=/أو؟=/ب 'ثم' ؟ٍ=/ب/' 'الشرطة هنا تقطع العلامة إلى نصفين ولا تجاورها، على قدر معرفتي فإن هذه الرموز لا تشكل أي معادلات جبرية أو هندسية. ولهذا لا تقدم قانوناً عاماً، وهو مطمح البنيويين بصفة عامة كما تشير إلى ذلك الدراسة نفسها'.
إنه الخطاب الممعن في إضفاء لغة علمية بالغة الغموض في الخطاب النقدي المعاصر، ولذلك يتعالى الخطاب النخبوي عن مفاهيم المتلقي العادي في سياق ثقافة شاعرية بالغة البلاغة.
وإذا كان هذا كلام عبدالعزيز حمودة وهو أحد أقطاب النقد العربي فكيف يكون الحال من متلقٍ تربى على الذوق العام والشاعرية المفرطة! ولماذا لا يتسرب الاغتراب إلى نفسية القارئ العادي، فتتضاءل نسبة الثقافة في الوطن العربي حتى تصل الأمية الثقافية والتي أثبتتها إحدى الدراسات حتى تصل إلى نسبة كبيرة.
إن دفاع سيدني عن الأدب لم يكن بدافع الدفاع عن نفسه كما ادعت بعض الدراسات بقدر ما كان يدافع عن ثقافة شعب وحرصاً منه على عدم تفشي الأمية الثقافية، فقد اهتم بالدفاع عن اتهام الشعر 'بالكذب'، وقد خالف في ذلك قول أفلاطون حين قال: إن الشعر يبعد عن الحقيقة بدرجتين أو كما قال الفلاسفة المسلمون: إنه كاذب لأنه يصدر من المتخيلة وبالتالي يحتمل الكذب.
هذه الشاعرية هي ما حرص عليها سيدني وهو يعلم تمام العلم بوظيفة الأدب ومدى تأثيره في اتصال الخطاب، وفي هذا المعرض نجد أنه يبتعد كثيراً عن مطابقة الواقع كما نادى بها سابقوه وأتفق مع سكاليجير عندما قال: إن الملهاة تأتي باللمحة أي بالخلق والتخيل ولكنه -أي سيدني- قد أكد على الانطلاق من الوقائع البشرية فلم يدعُ إلى الخيال البحت وإنما يستلهمها المبدع من واقعه ثم يسمو بما سماه حقائق روحية ونفسية فأكد على الموهبة وعلى أن الإبداع ينبع من ذات المبدع ولم يكن وحياً من 'الآلهة أبوللون' كما قال أرسطو، كما أنه أكد على مشابهة العالم المثالي والذي ينفي أفلاطون الوصول إليه أو مشابهته، كما أن سيدني جعل الأدب ينقي النفس ويطهرها إذا ما سمت الى عالم مثالي وروحي وهو يقترب من أرسطو فيما أسماه بالتطهير، ولكنه لم يعتمد على عاطفتي الخوف والشفقة كما اعتمد عليها سابقوه حين قال: إن 'القيم الروحية التي يتضمنها الأدب بمعناه الخفي لا يمكن أن تتعارض مع مصالح البشر، وإن وجد شيئاً في ذلك فقد يكون الأدب الرديء الذي يأتي بعيداً عن الشاعرية الحقة'.
وهذا ما يحدث الآن بيننا، وكأنه يصف الأدب والفن الذي يدعو إلى الرذائل بالشعر الرديء؛ فإذاً على الشاعر أن ينهج نهج الفضيلة في منتجه كما أنه أكد على مبدأ الشاعرية وهي لحظة الإلهام الصادقة، فهذا الصدق وهذه الشاعرية لن تأتي بشيء رديء، ومن يكتب الفن والأدب الرديء فهو معطي زيف لا يأتي بالحق ويشير 'ديفيد دتش' إلى أن فليب سيدني أخذ من هوراس قوله: 'إن الأديب يمتع ويعلم، حقاً إنه يحاول أن يحاكي، وهو يحاكي ليمتع ويعلم ويدفع الناس إلى معانقة الفضيلة التي لولا المتعة لفروا منها، كما يفر من المرء الغريب، ثم إنه يعلم ليجعلهم يدركون أن الفضيلة هي ضالتهم وهو أنبل توجيه اتجه إليه أي التعليم'.
ومن هنا نستطيع القول: إن الفن هو مبدأ التعليم وظيفته التعليمية، ولكنه أشار إلى التعليم في نبل ومتعة، وهو يعتصر المتعة وهو الاهتمام بنفسية المتلقي والانزلاق إلى وجدانه، فحين يستأثر بلبه يمكنه تعليمه والحصول على ضالته وهو مبدأ صناعة الوعي في وقت ضاع فيه هذا الوعي نتاج غياب النقد.










































