اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة الأنباء
نشر بتاريخ: ١ شباط ٢٠٢٦
على مسرح الجامعة الأمريكية في الكويت، قدمت أكاديمية لوياك للفنون الأدائية «لابا» طوال 3 أيام متتالية عرض الباليه النيوكلاسيكي «الفصول»، في تجربة فنية متكاملة شكلت محطة مفصلية في مسار الفنون الأدائية المحلية، وقدمت نموذجا احترافيا لكيفية إعادة قراءة التراث الكلاسيكي العالمي برؤية معاصرة تنطلق من الكويت وتنفتح على العالم.
وشهد العرض إقبالا لافتا من الجمهور، الذي وجد نفسه أمام تجربة نادرة على خشبات المسرح الكويتية، عكست مستوى فنيا عاليا وقدرة محلية متنامية على تقديم الباليه الكلاسيكي بروح احترافية راسخة.
العرض، الذي امتد على مدى 45 دقيقة، لم يكن استحضارا تقليديا لمقطوعة موسيقية شهيرة، بل معالجة بصرية وحركية أعادت تعريف العلاقة بين الموسيقى والجسد، وجعلت من الباليه لغة سردية قادرة على التعبير عن تحولات الطبيعة ودورات الحياة الإنسانية، بعيدا عن الاستعراض، وقريبا من الفكرة والمعنى.
وقد قدم العمل عبر عدة عروض متتالية، أتاح كل منها للجمهور الانغماس في عالم رقص كلاسيكي محلي، متجذر بالمهارة والانضباط الفني والعمق التعبيري، في تجربة حملت ملامح النضج والثقة.
من فيفالدي إلى الجسد
استند العمل موسيقيا إلى رائعة الموسيقار الإيطالي أنطونيو فيفالدي «الفصول الأربعة»، تلك السلسلة الخالدة من كونشرتات الكمان التي كانت ثورية في عصرها، لما حملته من تصوير حي للطبيعة وإيقاعاتها المتغيرة. وفي عرض «الفصول»، تحولت هذه الموسيقى إلى محرك أساسي للبناء الدرامي، لا مجرد خلفية سمعية، حيث أعيدت صياغتها على الخشبة بلغة الجسد، في تماه دقيق بين الإيقاع الموسيقي والبناء الحركي.
وتوزع العرض على أربع لوحات رئيسية، جسدت فصول السنة: الربيع، الصيف، الخريف، والشتاء، ومنحت كل لوحة حالتها الشعورية الخاصة، من الانبعاث والخفة، إلى التوتر، ثم النضج، وصولا إلى السكون التأملي، في إيقاع متدرج حافظ على وحدة العمل وانسيابه، وعزز فكرة الدورة الزمنية والتحول المستمر.
رؤية نيوكلاسيكية معاصرة
تقف خلف هذا العمل الدكتورة تينا زوبوفيتش، مصممة الرقصات والمديرة الفنية لفرقة لابا للرقص، التي قدمت رؤية نيوكلاسيكية واعية، انطلقت من احترام القواعد الأكاديمية للباليه الكلاسيكي، مع فتح المجال أمام التعبير المعاصر، في مزج دقيق بين الانضباط والحرية.
وجاء تصميم الرقصات محملا ببنية تركيبية متقنة وتصميم مكاني مبتكر، أشرك الجمهور في حوار بصري وحركي نابض، من خلال تشكيلات جماعية ديناميكية وتسلسلات حركية دقيقة، كشفت عن مقاربة واعية في بناء الكوريغرافيا، وطموح فني واضح في إدارة الفضاء المسرحي.
وتجلت هذه الرؤية في الانتقالات السلسة بين اللوحات، وثراء المفردات الحركية وتعقيدها، إضافة إلى التبديلات السريعة للأزياء التي نفذت بسلاسة لافتة، وأسهمت في الحفاظ على التدفق السردي والغنى البصري للعرض دون الإخلال بإيقاعه العام.
أداء يشي بالنضج
قدم فنانو فرقة LDC (لابا للرقص) عرضا اتسم بالانسجام والدقة، عاكسا مستوى تدريب احترافي وقدرة عالية على التعامل مع الباليه الكلاسيكي بروح معاصرة. وشارك في تجسيد العمل كل من: جاسبر راتوس، مهيلي جاليكو، روان الديك، دلال جامان، أرشيا ساثو، ريك فيليب، فاطمة مورافيج، قيلة بهاتي، وفاطمة أميري، الذين شكلوا معا لوحة جماعية متماسكة، تداخلت فيها الأدوار الفردية مع التكوينات الجماعية بسلاسة وانضباط.
ولفت التنوع في أعمار وخبرات الراقصين الأنظار، حيث تألق راقصون صغار في السن - بعضهم لا يزال في المرحلة الثانوية - بأداء واثق ودقيق، إلى جانب راقصين أكثر خبرة قدموا أدوارا فردية قوية اتسمت بالتماسك والثراء التعبيري والوضوح الفني. وبدا واضحا أن الأداء لم يكن تقنيا فحسب، بل نابعا من فهم عميق للفكرة العامة، ما منح الحركة صدقا وتعبيرا، وجعل الجسد أداة سردية تنقل الإحساس قبل الشكل.
تكامل العناصر البصرية
اكتملت صورة العرض من خلال عناصر بصرية وظفت بذكاء، حيث تولت د.تينا زوبوفيتش أيضا تصميم الأزياء، فجاءت منسجمة مع طبيعة كل فصل، ومعبرة عن تبايناته الشعورية، مع الحفاظ على الخطوط الكلاسيكية للباليه، وخدمة الحركة دون تقييدها.
أما تصميم المناظر المسرحية، فقد حمل توقيع د.إبراهيم سلام إلى جانب مصطفى محمود ومحمد نصر الدين خليل، وجاء قائما على تكوينات نحتية إيحائية، تمثلت في منشآت ضخمة من الشبك الشفاف، حولت خشبة المسرح إلى فضاء تجريدي يستحضر الطبيعة، ويمنح العرض بعدا بصريا شاعريا يكمل الحركة ولا ينافسها.
وساهم تصميم الإضاءة، الذي نفذه عبدالرحمن عناية، في رسم التحولات الشعورية للفصول الأربعة، عبر انتقالات ضوئية مدروسة، واستخدام ذكي للدرجات اللونية والظلال، ما أضفى على العرض عمقا جماليا إضافيا، وكرس العلاقة بين الضوء والحركة والموسيقى.
وفي الفواصل القصيرة بين الفصول، جاءت القراءات الشعرية المؤثرة لكيفن زفيرتشاتشيفسكي لتكثف إحساس التحول والدورة الزمنية المتجددة التي يقوم عليها العمل، مؤدية دور الجسر الدراماتورجي بين اللوحات، وموجهة الجمهور عبر التحولات العاطفية والرمزية للعرض.
مشروع ثقافي يتجاوز العرض
ويعد «الفصول» أول إنتاج باليه محلي يقدم بهذا المستوى الاحترافي في الكويت، ويمثل ثمرة الجهود التي بذلتها أكاديمية لوياك للفنون الأدائية (LAPA) في تدريب الكوادر المحلية، وبناء منصة فنية تتيح للراقصين التفاعل مع التراث الكلاسيكي العالمي، وإعادة تقديمه برؤية معاصرة تنبع من سياق محلي واضح.
ومن خلال هذا العمل، تؤكد «لابا» التزامها بتطوير الممارسة الاحترافية لفن الرقص، وتوسيع آفاق الإنتاج الثقافي في الكويت، والمساهمة في إثراء المشهد الإبداعي عبر أعمال تراهن على العمق والجودة. وبهذا المعنى، لا يقدم «الفصول» عرضا راقصا فحسب، بل يفتح فصلا جديدا في تاريخ الباليه الكويتي، يرسخ حضور الفن الحركي بوصفه لغة إنسانية قادرة على التأمل والسؤال وصناعة الجمال.


































