اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة الأنباء
نشر بتاريخ: ٢٣ أذار ٢٠٢٦
أحمد مغربي
في خضم تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة منذ اندلاع الحرب الأميركية- الإسرائيلية- الإيرانية في 28 فبراير الماضي، قدم الاقتصاد الكويتي نموذجا مختلفا في التعامل مع الصدمات، حيث لم تقتصر استجابته على الحفاظ على الاستقرار، بل أظهرت مؤشراته قدرة واضحة على العمل بكفاءة تحت ضغط مباشر، مدعوما بقاعدة مالية ومؤسسية متينة. فخلال 25 يوما من الأزمة، عكست البيانات الاقتصادية والمالية مسارا متوازنا، جمع بين الاستفادة المحدودة من الارتفاع الحاد في أسعار النفط، وبين الحفاظ على استقرار القطاعات الحيوية واستمرارية الأعمال دون تعطل، إلى جانب استمرار تدفق السيولة إلى الأسواق المالية وتثبيت التصنيف الائتماني السيادي في توقيت بالغ الحساسية. وفي هذا السياق، يتضح أن الاقتصاد الكويتي لا يدار بردود فعل آنية، بل ضمن منظومة تعتمد على المصدات المالية القوية، والسياسات المتحفظة، والجاهزية التشغيلية العالية، وهو ما انعكس في تماسك السوق المالي، واستمرار النشاط الاستهلاكي، وقدرة القطاعات الحكومية والخاصة على التكيف السريع مع المتغيرات. ويؤكد هذا الأداء أن الكويت تدخل هذه المرحلة بأدوات اقتصادية متقدمة، تمكنها من احتواء التداعيات، والحفاظ على زخم النشاط الاقتصادي، وتعزيز الثقة في بيئة الأعمال، في ظل واحدة من أكثر الفترات الإقليمية حساسية. وفيما يلي أبرز 10 محاور ترصد ملامح هذا الأداء الاقتصادي خلال الأزمة:
أولاً: ارتفاع النفط يدعم الإيرادات.. ضمن حدود التشغيل الفعلي
شكل الارتفاع الحاد في أسعار النفط الكويتي أحد أبرز المتغيرات الاقتصادية خلال الأزمة الحالية، مع وصول سعر البرميل إلى نحو 156.50 دولارا في 21 مارس الجاري، وهو مستوى مرتفع تاريخيا يعزز الإيرادات النظرية للدولة، ومنذ بداية الحرب، قفز سعر النفط الكويتي من مستويات 69.20 دولارا للبرميل في 27 فبراير الماضي، محققا زيادة تتجاوز 87.3 دولارا للبرميل منذ بداية الحرب، وبما يعادل 126.2%.
ورغم هذا الارتفاع اللافت، فإن انعكاسه الفعلي على الاقتصاد الكويتي يظل جزئيا ومحكوما بعوامل تشغيلية، في مقدمتها الخفض الاحترازي للإنتاج وبعض عمليات التكرير ضمن إدارة المخاطر. وفي المقابل، فإن وجود مخزونات نفطية خارجية - وفق ما أشارت إليه التصريحات الرسمية - يوفر قدرا من المرونة في إدارة الصادرات، وقد يتيح الاستفادة من مستويات الأسعار المرتفعة بشكل محدود ومدروس، دون الاعتماد الكامل على الإنتاج الفوري أو المبالغة في تقدير الأثر المالي المباشر.
ثانياً: تثبيت التصنيف الائتماني يعزز الثقة في توقيت مفصلي
في تطور يعكس متانة الاقتصاد الكويتي، قامت وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيفات الائتمانية «S&P» بتثبيت التصنيف الائتماني السيادي طويل الأجل للكويت عند مستوى (-AA) وقصير الأجل عند (+A-1) مع نظرة مستقبلية مستقرة، وذلك في توقيت يتزامن مع ذروة التوترات الجيوسياسية في المنطقة، ويكتسب هذا التثبيت أهمية خاصة كونه جاء خلال فترة ضغط إقليمي مباشر، ما يعزز من مصداقية التقييم ويؤكد ثقة المؤسسات الدولية في قدرة الاقتصاد الكويتي على الحفاظ على استقراره.
وأرجعت الوكالة هذا التقييم إلى ما وصفته بـ «المصدات المالية الضخمة» التي تمتلكها الكويت، مدعومة بأصول سيادية كبيرة توفر مساحة مالية وخارجية كافية لامتصاص تداعيات الصدمات، بما في ذلك أي اضطرابات محتملة في إنتاج النفط أو تدفقاته. كما أشارت إلى القوة الاستثنائية لصافي الأصول الحكومية التي قد تصل إلى نحو 490% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، إلى جانب استمرار متانة القطاع المصرفي وجودة أصوله، ما يشكل منظومة حماية متكاملة للاقتصاد الكويتي في مواجهة المخاطر الإقليمية.
ثالثاً: القطاع النفطي.. استمرارية الأعمال رغم المسيّرات
رغم التطورات الأمنية التي شهدتها البلاد، بما في ذلك استهداف مصفاتي الأحمدي وميناء عبدالله بطائرات مسيرة في آخر أيام شهر رمضان وفجر عيد الفطر المبارك، واصل القطاع النفطي أداءه التشغيلي دون انقطاع يذكر، محافظا على استمرارية تزويد السوق المحلي باحتياجاته من المشتقات النفطية. فقد نجحت مؤسسة البترول الكويتية وشركاتها التابعة في تفعيل خطط الطوارئ واستمرارية الأعمال بكفاءة عالية، ما أسهم في ضمان تدفق الوقود إلى محطات توليد الكهرباء وتحلية المياه، والتي تمثل أحد أهم مرتكزات الاستقرار الخدمي في البلاد، خاصة في ظل ارتفاع الطلب خلال هذه الفترة، كما تم الحفاظ على انتظام عمليات التكرير والتوزيع، مع اتخاذ إجراءات احترازية لتعزيز سلامة المنشآت والعاملين. ويعكس هذا الأداء جاهزية القطاع النفطي للتعامل مع السيناريوهات الطارئة، وقدرته على الفصل بين التحديات الأمنية واستمرارية العمليات التشغيلية، بما يضمن عدم تأثر الخدمات الحيوية أو الإمدادات المحلية. كما يؤكد الدور المحوري للقطاع في دعم استقرار الاقتصاد الوطني، ليس فقط كمصدر رئيسي للإيرادات، بل كركيزة أساسية لضمان استمرارية الحياة اليومية والخدمات الأساسية في مختلف الظروف.
رابعاً: بورصة الكويت تستقطب سيولة أجنبية
نجحت بورصة الكويت في تنفيذ المراجعة الأولى لمؤشرات فوتسي راسل وستاندرد آند بورز خلال جلسة يوم الأربعاء الماضي، والتي على إثرها استقبل السوق سيولة أجنبية بلغت نحو 36.7 مليون دينار، لترتفع إجمالي السيولة المتداولة في ختام الجلسة إلى نحو 74.86 مليون دينار، وذلك في وقت لا تزال فيه الأسواق الإقليمية والعالمية تحت تأثير تداعيات الحرب وما تفرضه من حالة ترقب وحذر بين المستثمرين.
وفي المقابل، حافظت القيمة السوقية للبورصة على تماسكها، حيث استقرت عند نحو 50.6 مليار دينار، ما يعكس قدرة السوق على امتصاص الضغوط قصيرة الأجل، مدعوما بوزن الأسهم القيادية واستمرار النشاط الاستثماري.
خامساً: شركات الطيران تؤمّن حركة السفر عبر مطاري «القيصومة» و«الدمام»
في استجابة مباشرة للظروف التشغيلية التي فرضتها الأوضاع الإقليمية، اتجهت شركات الطيران الوطنية إلى تفعيل حلول بديلة لضمان استمرارية حركة السفر، حيث قامت كل من شركة الخطوط الجوية الكويتية وشركة طيران الجزيرة بتسيير رحلاتها عبر مطار الملك فهد الدولي في مدينة الدمام، إلى جانب استخدام مطار القيصومة في حفر الباطن كأحد الخيارات التشغيلية المتاحة، في المملكة العربية السعودية، مع توفير خدمات نقل بري مخصصة لنقل المسافرين من داخل الكويت إلى تلك المطارات.
ويعكس هذا التحرك سرعة تأقلم شركات الطيران المحلية مع المستجدات، من خلال إعادة تنظيم عملياتها التشغيلية بما يضمن استمرار الرحلات الدولية دون انقطاع، إلى جانب دعم المواطنين والمقيمين في استكمال خطط سفرهم رغم القيود المفروضة على الحركة الجوية، كما يؤكد هذا النموذج قدرة القطاع الخاص على التكيف مع الأزمات، والدخول في مرحلة تشغيلية جديدة قائمة على المرونة وتعدد الخيارات، بما يحد من تأثير التطورات الإقليمية على قطاع النقل الجوي.
سادساً: زخم استهلاكي رغم صافرات الإنذار
أظهرت الأسواق المحلية خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك وأيام عيد الفطر زخما استهلاكيا لافتا، عكس مستوى عاليا من الثقة في استقرار الأوضاع الداخلية واستمرارية النشاط الاقتصادي. فقد شهدت المجمعات التجارية والأسواق الشعبية إقبالا كثيفا من المتسوقين، مع ارتفاع ملحوظ في حركة الشراء على مختلف السلع المرتبطة بموسم العيد، من الملابس والحلويات إلى الهدايا والعطور.
ولم تمنع صافرات الإنذار التي تزامنت مع صلاتي عيد الفطر والجمعة من استمرار الحياة الطبيعية، حيث واصل المواطنون والمقيمون أداء شعائرهم والاحتفال بالمناسبة، في مشهد يعكس تماسك المجتمع وثقته في جاهزية الدولة وإجراءاتها. كما برزت طوابير السحب من ماكينات «العيادي» التي وفرتها البنوك في مختلف المواقع، كدليل إضافي على قوة الطلب الاستهلاكي واستمرار دورة الإنفاق، بما يؤكد أن الاستهلاك المحلي لا يزال أحد أبرز محركات الاقتصاد الكويتي، حتى في ظل الظروف الاستثنائية.
سابعاً: استمرارية الأعمال تعكس جاهزية الاقتصاد
في موازاة المؤشرات الاقتصادية والمالية، برزت استمرارية الأعمال في مختلف القطاعات كأحد أهم مؤشرات قوة الاقتصاد الكويتي خلال الأزمة، حيث واصلت الجهات الحكومية والمؤسسات المالية والخدمية تقديم خدماتها دون انقطاع يذكر، مدعومة بتفعيل خطط الطوارئ واستمرارية الأعمال التي تم إعدادها مسبقا.
فقد استمر القطاع المصرفي في تقديم خدماته بكفاءة عبر الفروع والقنوات الرقمية، إلى جانب استمرار أنظمة الدفع الإلكتروني، فيما واصلت الجهات الحكومية تقديم خدماتها وفق نظام عمل مرن يوازن بين الجاهزية التشغيلية ومتطلبات السلامة. كما حافظت قطاعات حيوية مثل الاتصالات والخدمات اللوجستية والتجارة على مستويات تشغيل مستقرة، ما ساهم في ضمان انسيابية النشاط الاقتصادي.
ويعكس هذا الأداء أن الاقتصاد الوطني لا يعتمد فقط على قوة موارده، بل على جاهزية مؤسسية متكاملة قادرة على إدارة الأزمات دون تعطيل مفاصل النشاط الاقتصادي، وهو ما يشكل أحد أبرز عوامل الاستقرار في ظل التوترات الإقليمية.
ثامناً: السيولة المحلية خط دفاع أول للاقتصاد
في مقابل التوترات الإقليمية، برزت السيولة المحلية كأحد أهم عوامل الاستقرار في الاقتصاد الكويتي، فقد استمرت التدفقات النقدية داخل الاقتصاد بوتيرة مستقرة، مدعومة بقوة الجهاز المصرفي، وارتفاع الودائع، واستمرار الإنفاق الاستهلاكي، إلى جانب النشاط الملحوظ في الأسواق خلال موسم رمضان والعيد، واستمرار تمويل الأنشطة الاقتصادية دون قيود.
ويعكس هذا التماسك أن الاقتصاد يعتمد على قاعدة سيولة داخلية قوية تشكل خط الدفاع الأول في مواجهة الصدمات، حيث تسهم في امتصاص التقلبات قصيرة الأجل، وتحد من تأثر النشاط الاقتصادي بأي ضغوط خارجية، ما يعزز من استقرار السوق ويمنح صانعي القرار مساحة أوسع لإدارة الأزمة بكفاءة.
تاسعاً: تماسك القطاع الخاص واستمرارية الأنشطة الاقتصادية
أظهرت الشركات المحلية، خصوصا في قطاعات التجارة والخدمات والنقل، قدرة واضحة على التكيف مع المستجدات، حيث واصلت أنشطتها التشغيلية دون توقف، مع إعادة تنظيم بعض العمليات بما يتناسب مع الظروف الحالية.
وقد برز هذا التماسك في استمرار عمل المجمعات التجارية، وشركات التوصيل، ومؤسسات الخدمات، إلى جانب مبادرات القطاع الخاص في دعم حركة السوق وتوفير البدائل التشغيلية، كما في قطاع الطيران والخدمات اللوجستية، ويعكس ذلك مرونة بيئة الأعمال في الكويت، وقدرة القطاع الخاص على لعب دور مكمل للجهود الحكومية في الحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي، بما يعزز من استقرار الاقتصاد ككل في ظل الأوضاع الاستثنائية.
عاشراً: اقتصاد يدار بالمصدات.. لا بردود الفعل
تكشف مجمل المؤشرات خلال الأيام الـ25 الماضية أن ما شهده الاقتصاد الكويتي لم يكن مجرد تماسك ظرفي، بل نتيجة مباشرة لوجود «مصدات اقتصادية» متراكمة، تشمل الأصول السيادية الضخمة، وقوة القطاع المصرفي، وتطور البنية التنظيمية للأسواق، إلى جانب قدرة الدولة على التدخل السريع والمنضبط عند الحاجة.
ففي الوقت الذي عادة ما تؤدي فيه الأزمات الجيوسياسية إلى اضطراب الأسواق وخروج السيولة وتراجع الثقة، أظهرت الكويت نموذجا مختلفا، حيث استمرت التدفقات الاستثمارية، وتماسك السوق المالي، وواصلت القطاعات الحيوية عملها دون تعطل، ما يعكس انتقال الاقتصاد من مرحلة التأثر بالأزمات إلى مرحلة إدارتها.
ولا يعني ذلك غياب التحديات، خصوصا في ظل ارتباط الاقتصاد بأسواق الطاقة والتقلبات الإقليمية، إلا أن التجربة الحالية تشير بوضوح إلى أن الاقتصاد الكويتي يمتلك من الأدوات المالية والمؤسسية ما يمكنه من امتصاص الصدمات وتقليل آثارها، دون فقدان التوازن أو تعطيل النشاط الاقتصادي.


































