اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الثاني ٢٠٢٥
فيصل مطر -
شهدت فعاليات معرض الكويت الدولي للكتاب في دورته الـ48 ندوة ثقافية بعنوان «قصة وفاء.. قراءة تاريخية لكتاب نيل المآرب»، قدّمها الباحث عبدالله عبداللطيف الإبراهيم، وأدارها المؤرخ فرحان الفرحان، الذي استهل الندوة بالتأكيد على أهمية استدعاء الذاكرة الكويتية القديمة واستحضار ملامح الحياة في زمن صدور كتاب «نيل المآرب» قبل أكثر من 150 عاماً.
وقال الإبراهيم: إن الندوة تمثّل «رحلة في آلة الزمن إلى كويتنا القديمة»، حيث يعود الحضور إلى عام 1871، تاريخ طباعة الكتاب.
وأوضح أن استحضار تلك الحقبة يكشف مدى تأثيرها في تشكيل الحياة الكويتية، حيث كانت البلاد تنهض بإمكاناتها البسيطة، وترتفع فيها مطارق القلاليف في صناعة السفن، ويتعلم الأطفال في الكتاتيب، وتضج الأزقة بأصوات الباعة المتجولين، فيما تفوح رائحة القهوة من الدواوين التي يتداول روادها أخبار المنطقة والدولة العثمانية.
وأشار الإبراهيم إلى أن طلبة العلم الشرعي في ذلك الزمن كانوا يواجهون صعوبة في تدريس المذهب الحنبلي لندرة الكتب المطبوعة، وكان «نيل المآرب» يمثل منهجاً أساسياً لكنه ظل مخطوطاً حتى تولى التاجر الكويتي علي بن محمد بن إبراهيم طباعته في المطبعة الأميرية ببولاق في القاهرة، المعروفة بجودة الطباعة ودقة التدقيق. وقد أصبح الكتاب لاحقاً ركناً مهماً في تعليم الفقه بالكويت، وتدرّسه أجيال من العلماء مثل الشيخ عبدالله بن خالد الفارس والشيخ ابن الجراح، وتم اهداؤه الى كل المهتمين دون مقابل.
أول مدرسة عائلية
وتحدث الإبراهيم عن الدور المعرفي لعائلة بن إبراهيم، مبيناً أن الأسرة أسست أول مدرسة عائلية خاصة عام 1845 داخل «كتاب بيت ابن إبراهيم»، وكان مسجد بن إبراهيم إحدى منارات العلم الأولى في الكويت. وروى الباحث مقطعاً ورد في مخطوطة «مطالع السعود» لمقبل بن عبدالعزيز الذكير، قائلاً: «وصلت الكويت مع خالي مقبل عبدالرحمن الذكير من عنيزة في خمسة وعشرين من ربيع الثاني سنة 1896 وعمري آنذاك أربع عشرة سنة، فأبقاني خالي في بيت الشيخ يوسف بن إبراهيم لتعلم الكتاب فأفردوا لي حجرة خاصة في المجلس، وكنت في معية أولادهم».
مدرسة المباركية
كما أشار إلى مساهمة الأسرة في بناء مدرسة المباركية عام 1911، وفي افتتاح أول مدرسة لتدريس العلوم للبنات في بومباي (الهند) للكويتيين المقيمين هناك وللجالية العربية، حيث كانت والدة المرحوم عبدالملك الصالح أول معلمة هناك، حسب مارواه الأستاذ والوزير السابق راشد الفرحان في لقاء تلفزيوني.
وأكد الإبراهيم أن فهم سيرة علي الإبراهيم يستلزم معرفة نشاط الأسرة التجاري، فقد عملت في تجارة اللؤلؤ والتمور بين العراق والهند، وكانت تنقل التمور من بساتينها في الدورة على شط العرب إلى بومباي ومنها إلى الأسواق العالمية. وبحكم مكانتها المالية وغياب البنوك آنذاك، أدارت الأسرة ودائع مالية كبيرة لأهالي الكويت ولحكامها، ما جعل دعم التعليم والعمل الثقافي جزءاً من مسؤولياتها.
«معالم التنزيل»
وفي جانب أعماله الوقفية، أوضح الإبراهيم أن علي الإبراهيم قام في عام 1880م بوقف نسخة مطبوعة من كتاب «معالم التنزيل» للإمام أبي محمد البغوي، ولا تزال النسخة محفوظة في مركز المخطوطات بوزارة الأوقاف الكويتية. كما قام بوقف كتاب «شرح الأزهرية في علم العربية» للشيخ خالد بن عبدالله الأزهري، وهو من أهم مراجع النحو. وكان أيضاً أول من أرسل طالب علم كويتي للدراسة في الأزهر الشريف، وهو الشيخ أحمد الفارسي، كما روى الأديب الراحل خالد سعود الزيد في التلفزيون الكويتي.
وفاؤه المتبادل
وتحدث الإبراهيم عن وفاء علي بن إبراهيم للكويت وأهلها حيث بادلته الكويت الوفاء نفسه، وفق رواية يعقوب الرشيد رحمه الله في كتابه تاريخ الكويت الذي يصف فيه هذه العلاقة الفريدة والمميزة قائلاً: إن أمير الكويت الشيخ جابر بن عبدالله بن صباح الملقب بـ«الشيخ جابر الأول» الحاكم الثالث، إذ لم يكن يأخذ رسوماً على تجارة علي بن إبراهيم، كما تزوجت شيخة بنت علي بن محمد آل إبراهيم من الشيخ علي بن جابر آل صباح، ما يعكس متانة العلاقات بين الأسرتين.
وعندما توفي علي الإبراهيم عام 1883، كانت الكويت وفية له، إذ رثاه شاعرها الكبير عبدالله الفرج بقصيدة مؤثرة نقلها عبدالله الحاتم في كتاب «من هنا بدأت الكويت»، ومما جاء فيها:
فأعيذكم بالله أن تَجْزَعوا
وأبوكم جَمُّ السُّرورِ سعيدُ
أو تَجْزَعوا مما به حكمُ القضا
وقلوبُكم يزْهُو بها التوحيدُ
الوفاء يقابله وفاء
يشير الابراهيم الى أن الاهتمام بالكتاب والتعليم استمر بعد وفاة المرحوم الشيخ علي آل إبراهيم، فقام ابنه المرحوم عبدالعزيز الذي يعد من أشهر تجار اللؤلؤ والمقيم في الهند آنذاك، بتأليف كتاب عن أوزان اللؤلؤ بإحدى اللغات الهندية التي كان يجيدها إجادة تامة.
ويضيف أنه تمت إعادة طباعة كتاب «سبائك العسجد» للعلامة عثمان بن سند في بومباي عام 1897م على نفقة الأسرة، ويعد الكتاب من أقدم المصنفات التاريخية التي تحدثت عن تاريخ تأسيس الكويت من منتصف القرن السابع عشر إلى بداية القرن الثامن عشر، وهو ما أكده المؤرخ فرحان الفرحان.
ويقول الإبراهيم إن عبدالعزيز بن علي آل إبراهيم توفي في الهند سنة 1910 وأقيمت له صلاة الغائب في جميع مساجد الكويت بأمر من المغفور له الشيخ مبارك الصباح تقديراً لمكانته وعطائه لوطنه الكويت.
ويردف قائلاً: لقد توارثت الأسرة احترامها للعلم والكتاب، ليسير حفيد المرحوم الشيخ علي، المرحوم جاسم بن محمد آل إبراهيم بنفس خُطا آبائه في احتضانه للتعليم ودعم المكتبات والكتاب أينما وجدوا، ويكفي أن نذكر كيف أُنشئت المدرسة
المباركية كأول مدرسة نظامية في الكويت، عندما فتحت أبوابها لطلابها عام 1911، وتكفلت أسرة آل إبراهيم بـ%70 من تكاليف إنشائها، وكان للمغفور له الشيخ يوسف بن عيسى القناعي الفضل الأكبر في فكرة تأسيسها، وأول من تولى إدارتها، كما قال قصيدته المعروفة، في العام ذاته الذي افتتحت فيه المدرسة المباركية جاء فيها:
هكذا الفضل وإلا فلا لا
إن للفضل وللمجد رجالا
يعرف الفضل ذووه في العلا
فهم الأبطال إن رمت نزالا
حملوا الدهر معالٍ أثقلت
كاهل الدهر يمينًا وشمالا
وقال الإبراهيم، موضحاً، إنه وبإمكان من يرغب في المزيد من تفاصيل هذا الحدث الرجوع لكتاب أسرة آل الخالد الكريمة في المكتبة الوطنية، مشيراً في هذا السياق إلى أن الشيخ جاسم ساهم بسخاء في إنشاء مكتبات عدة في سوريا ولبنان والعراق بناءً على طلب جماعات مهتمة بالمعرفة آنذاك، وسافر من الهند الى مصر من أجل التبرع في مشروع إنشاء كلية للشريعة، وكان لتبرعه السخي أثر واسع في الأوساط العلمية والثقافية داخل وخارج مصر، لتصدر «دار الكتب والوثائق القومية المصرية» على أثر ذلك كتاباً بعنوان «سياحة أثرية بين الأقصر وأسوان» أعادت طباعته بعد مرور مئة عام يوثق تفاصيل برنامج زيارة الشيخ جاسم ومساهمته الكريمة، والذي توفي في الهند عام 1956م.
ويؤكد الإبراهيم أنه ومنذ أكثر من مئتي عام وحتى يومنا هذا لم ينقطع عطاء الأسرة للكتاب والعلم، حيث كان للمرحوم الشيخ محمد الشيخ صالح الإبراهيم الذي توفاه الله قبل سنوات قليلة، اهتمام ملفت بالكتاب منذ سن مبكرة ومع مرور الوقت أصبحت مكتبته الخاصة والتي خصص لها منزلاً كاملا كتب على مدخله «رأس الحكمة مخافة الله».
ويشير الى أنه خصص جهة لأساتذة الجامعات وطلبة العلم وكل من أراد الاستزادة اذ ضمت نحو سبعة آلاف مطبوعة وثمانمئة مخطوطة نادرة، كم أصدر رحمه الله عدداً من المؤلفات منها: «من خصائص القرآن»، «الخيل عند العرب»، «وطني الأشم»، و«بلدي الكريم» وغيرها تاركاً أثراً طيباً وإرثاً معرفياً خالداً.
وختم الإبراهيم بقوله: «رحمه الله رحمة واسعة، وجعل الجنة مثواه. بارك الله في جهودكم، ودامت الكويت منارةً للعلم والثقافة».
تفاعل لافت
لاقت الندوة تفاعلاً لافتاً من رواد معرض الكتاب، الذين رأوا أن استحضار سيرة علي الإبراهيم يسهم في حفظ ذاكرة الكويت الثقافية وإحياء قيم الوفاء لرواد العلم والمعرفة.


































