اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٨ شباط ٢٠٢٦
د.ولاء حافظ -
في السنوات الأخيرة، انتقل مصطلح «الإجهاد التأكسدي» من كونه مفهوماً علمياً دقيقاً يُتداول في الأبحاث والمختبرات، إلى عبارة رنّانة تتصدر الإعلانات الصحية ومنتجات «الديتوكس» ومضادات الأكسدة، ما أثار تساؤلات متزايدة حول حقيقته:
هل يمثّل الإجهاد التأكسدي خطراً صحياً فعلياً؟ أم أنه تحوّل إلى فزّاعة تسويقية تُستغل لترويج منتجات لم تُثبت فعاليتها علمياً؟
للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، أجرت القبس هذا اللقاء مع استشاري وأستاذ أمراض القلب وقسطرة الشرايين والتصوير النووي، البروفيسور السعودي خالد النمر، الذي يضع المفهوم في سياقه العلمي الصحيح، ويفصل بوضوح بين الحقيقة الطبية والادعاءات التسويقية.
ويقول النمر: «الإجهاد التأكسدي حقيقة علمية مثبتة، لكنه ليس العدو المباشر الذي تصوّره وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يُعالج بحبوب سحرية أو محاليل باهظة الثمن». مؤكداً أن الفهم الدقيق للمفهوم، والتمييز بين العلم والتسويق، يُعدان الخطوة الأولى لحماية الصحة بعيداً عن الوهم التجاري.
◄ ما الإجهاد التأكسدي؟
يوضح د.خالد النمر أن الإجهاد التأكسدي حالة فسيولوجية تنشأ نتيجة اختلال التوازن بين إنتاج الجسم للجذور الحرة، وعلى رأسها أنواع الأكسجين التفاعلية (ROS)، وبين قدرة الجسم على تحييدها عبر أنظمة مضادات الأكسدة الطبيعية.
ويشير إلى أن استمرار هذا الخلل يؤدي إلى تراكم الجذور الحرة داخل الجسم، ما يُلحق أضراراً بمكوّنات الخلية الأساسية وتلفها، بما في ذلك:
● البروتينات
● الدهون
● الحمض النووي (DNA)
ويبيّن النمر أن الميتوكوندريا، وهي مصانع الطاقة داخل الخلايا، تُنتج الجذور الحرة بشكل طبيعي ويومي، لما لها من دور مهم في محاربة الفيروسات والبكتيريا وقتل الميكروبات. ويضيف: «المشكلة تبدأ عندما يزيد إنتاج هذه الجذور عن الحد المطلوب، فتتأثر عمليات الأيض (الميتابوليزم)، ويقود ذلك إلى حالة الإجهاد التأكسدي».
ومن أبرز العوامل التي ترفع مستويات الجذور الحرة:
● التدخين
● الأمراض المزمنة
● بعض العوامل البيئية ونمط الحياة غير الصحي
● التعرض للمواد السامة والملوثات
ويؤكد النمر أنه، ورغم أن ظهور الإجهاد التأكسدي بحد ذاته لا يُعد ضاراً دائماً، فإن الخطر الحقيقي يكمن في استمراره وارتباطه بسلوكيات مؤذية، وعلى رأسها التدخين، مشدداً على أن الإقلاع عن التدخين هو الإجراء الأهم والأقوى كمضاد فعلي للإجهاد التأكسدي.
◄ كيف يقيس العلماء الإجهاد التأكسدي؟
يوضح د.النمر أن قياس الإجهاد التأكسدي لا يعتمد على الشعور أو التقدير، بل يتم عبر تحاليل طبية دقيقة تُستخدم في المختبرات والأبحاث العلمية، وتقيس مقدار الضرر الذي تُسببه الجذور الحرة داخل الجسم.
ومن أبرز ما يتم قياسه:
● مواد تدل على تلف الدهون داخل الخلايا.
● نشاط إنزيمات مضادات الأكسدة التي يستخدمها الجسم للدفاع عن نفسه.
● آثار الضرر التي تصيب البروتينات والحمض النووي (DNA).
وتساعد هذه الفحوصات مجتمعة الأطباء والباحثين على معرفة حجم الإجهاد التأكسدي ومدى تأثيره على الصحة.
ويؤكد د. النمر أن وجود الإجهاد التأكسدي وحده لا يعني الإصابة بمرض، لكنه يصبح خطيراً عندما يستمر لفترات طويلة أو يرتبط بسلوكيات ضارة، وعلى رأسها التدخين.
◄ بين العلم والتسويق
يؤكد د.خالد النمر أن مصطلح «الإجهاد التأكسدي» يُعد من أكثر المفاهيم العلمية التي تعرّضت لما يمكن وصفه بـ«الاختطاف التسويقي» خلال السنوات الأخيرة، إذ جرى توظيفه على نطاق واسع للترويج لمنتجات ومكملات لم تُثبت فعاليتها علمياً.
ويشدد النمر على أن الإجراء الأكثر فاعلية، بل الأقوى على الإطلاق، في مواجهة الإجهاد التأكسدي هو الإقلاع عن التدخين، لا اللجوء إلى مكملات أو محاليل باهظة الثمن تُسوَّق بوعود صحية غير مدعومة بالأدلة.
◄ علاقة الإجهاد التأكسدي بالمرض
يوضح د.خالد النمر أن الإجهاد التأكسدي لا يُعد مرضاً بحد ذاته، بل مساراً بيولوجياً خفياً يُمهّد لحدوث الخلل داخل الخلية، وقد أثبتت الأبحاث ارتباطه بتطوّر عدد من الأمراض الخطيرة، من أبرزها:
● أمراض القلب والسكتات الدماغية.
● السكري واضطرابات الأيض.
● السرطان.
● الأمراض العصبية التنكسية، مثل ألزهايمر وباركنسون.
● الالتهابات المزمنة.
ويشير النمر إلى أن خطورة الإجهاد التأكسدي تكمن في تراكمه واستمراره، إذ يتحول مع الزمن من آلية بيولوجية طبيعية إلى عامل مساهم في تسريع مسارات المرض وإضعاف قدرة الخلايا على التعافي.
◄ هل مضادات الأكسدة فعّالة حقاً؟
يفنّد د.النمر الاعتقاد الشائع بفعالية معظم مضادات الأكسدة المتداولة تجارياً، مؤكداً أن كثيراً منها لم يثبت جدواه سريرياً رغم الزخم التسويقي المصاحب له. ويوضح في هذا السياق أن:
● فيتامين E، على الرغم من شهرته الواسعة، لم يُثبت فعاليته في الوقاية من الجلطات أو تصلّب الشرايين، وفق نتائج دراسات كبرى، من بينها دراسة HOPE المعروفة.
● مضادات الأكسدة مثل «البيتا كاروتين» و«الغلوتاثايون» لم تُظهر فائدة علاجية حقيقية أو نتائج سريرية مقنعة.
● محاليل NAD، التي أثارت ضجة لافتة في عيادات الطب «الهولستيك» والرفاهية الصحية خلال الفترة الأخيرة، لا تزال تفتقر إلى أدلة علمية موثوقة تُثبت فائدتها حتى الآن.
ويؤكد النمر أن الرهان الحقيقي في تقليل الإجهاد التأكسدي لا يكمن في هذه المنتجات، بل في تغيير أنماط الحياة الضارة والالتزام بالإجراءات الوقائية المثبتة علمياً.
◄ 6 نصائح لمكافحة الإجهاد التأكسدي
يؤكد د.خالد النمر أن الوقاية الحقيقية من الإجهاد التأكسدي تبدأ من نمط الحياة، لا من العلاجات التجارية، مشدداً على مجموعة من الإجراءات التي ثبتت فعاليتها علمياً، أبرزها:
1 - اتباع نظام غذائي صحي غني بالخضار والفواكه ذات الألوان الزاهية، باعتبارها مصادر طبيعية لمضادات الأكسدة.
2 - تقليل التعرض للملوثات والإشعاع والمواد السامة قدر الإمكان.
3 - إدارة التوتر والحرص على النوم الجيد، إذ إن الإجهاد النفسي وقلة النوم يرفعان إنتاج الجذور الحرة في الجسم.
4 - التوقف التام عن التدخين، باعتباره العامل الأكثر تدميراً في رفع الإجهاد التأكسدي.
5 - ممارسة النشاط البدني بانتظام، حتى وإن اقتصر على المشي اليومي.
6 - خفض الوزن، لما لذلك من دور مباشر في تقليل الالتهابات والإجهاد التأكسدي.
ويخلص النمر إلى أن هذه الخطوات البسيطة، عند الالتزام بها، تُشكّل خط الدفاع الأقوى والأكثر أماناً ضد الإجهاد التأكسدي، بعيداً عن الحلول السريعة والوعود غير المدعومة علمياً.


































