اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٦
وليد منصور -
لم يكن زوّار معرض Retail’s Big Show في نيويورك يتوقّعون أن تكون أكثر الزوايا ازدحاماً تلك التي لا تعرض بضائع ولا أرفف ولا عربات تسوّق. ومع ذلك، كانت الحشود تتجمّع أمام منصّات غوغل ومايكروسوفت وسيلزفورس، حيث لا تُعرض منتجات، بل تُعرض فكرة واحدة: أن يأتي يوم قريب لا تبحث فيه عما تريد شراءه.. بل تكتفي بأن تطلبه من برنامج.
هكذا تفتتح فايننشال تايمز تقريرها عن صعود ما بات يُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي التفويضي»، أنظمة ذكية لا تكتفي بمساعدتك في الاختيار، بل تبحث وتقارن وتشتري نيابةً عنك. وبحسب الصحيفة، فإن هذا التحوّل قد يكون بداية لإعادة رسم تجربة التسوق الإلكتروني كما نعرفها منذ أكثر من عقدين.
وتشير الصحيفة إلى أنه رغم أن المبيعات الناتجة مباشرة عن هذه الأنظمة لن تتجاوز هذا العام نحو %1.5 من إجمالي التجارة الإلكترونية في الولايات المتحدة، وفق تقديرات Emarketer، فإن الضجة التي أحدثتها في أوساط شركات التكنولوجيا والتجزئة توحي بأن تأثيرها قد يكون أكبر بكثير من هذه النسبة المتواضعة.
الوكلاء الأذكياء
ونقلت فايننشال تايمز عن الرئيس التنفيذي لغوغل، سوندار بيتشاي، قوله إن التسوق الإلكتروني طوال السنوات الماضية كان يعتمد على الكلمات المفتاحية والقوائم المنسدلة، والتنقل اليدوي بين صفحات طويلة من النتائج، «أما اليوم، فيمكن للذكاء الاصطناعي أن يقوم بالعمل الشاق». ويرى مروّجو هذه التقنية، بحسب التقرير، أن «الوكلاء الأذكياء» قد يشكّلون نقلة نوعية بحجم ظهور التجارة الإلكترونية في التسعينيات، أو انتشار الهواتف الذكية في الألفية الجديدة.
وتوضح الصحيفة أن شركات ناشئة مثل Perplexity وOpenAI، إلى جانب عمالقة التكنولوجيا، تسعى إلى جعل روبوتات المحادثة الذكية الواجهة الأولى للتسوق عبر الإنترنت، بحيث تتحول هذه المنصات إلى ما يشبه «واجهات المتاجر الجديدة». وتنقل عن فيدجي سيمو، المسؤولة عن التطبيقات في OpenAI، قولها إن هذه القفزة تمثل فرصة لتحويل توفير الوقت من ميزة إضافية إلى جزء روتيني من حياة المستخدمين اليومية.
مخاطر جدية
لكن التقرير يحذّر في المقابل من أن هذا التحول لا يخلو من مخاطر جدية. فظهور وسيط جديد بين المستهلك والمتجر يهدد بإعادة تشكيل منظومة تجارة إلكترونية استُثمر فيها مئات المليارات من الدولارات خلال العقدين الماضيين. كما قد تفقد المتاجر جزءاً من سيطرتها على بيانات العملاء وعلى العلاقة المباشرة معهم.
ويشير التقرير إلى تهديد مباشر آخر يتمثل في أعمال «إعلانات التجزئة»، حيث تبيع المتاجر مساحات ترويجية داخل نتائج البحث وصفحاتها، وهو سوق تُقدّر قيمته بنحو 200 مليار دولار سنوياً.
وتنقل فايننشال تايمز عن خبراء في الأمن السيبراني تحذيرهم من أن تسليم بيانات الشراء لوكلاء أذكياء، قد يفتح الباب أمام عمليات احتيال، أو أمام التلاعب بالخوارزميات عبر أكواد خبيثة مزروعة في المواقع. كما تشير الصحيفة إلى أن بعض المستهلكين قد لا يرغبون أصلاً في التخلي عن متعة التسوق والاختيار بأنفسهم.
فقدان السيطرة
وفي هذا السياق، ترصد الصحيفة تبايناً واضحاً في مواقف عمالقة التجارة. فشركة أمازون، التي قادت ثورة التجارة الإلكترونية، تتعامل مع هذا التحول بحذر ملحوظ. فهي تمنع العديد من روبوتات التسوق التابعة لشركات خارجية من الوصول إلى منصتها، رغم استثماراتها الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي عبر ذراعها السحابية AWS. ويرى محللون، بحسب التقرير، أن أمازون تخشى فقدان السيطرة على تجربة العميل، وعلى تدفقات الإعلانات التي تشكل جزءاً أساسياً من نموذج أعمالها.
في المقابل، تبدو وولمارت أكثر اندفاعاً نحو هذا المستقبل، فقد عقدت شراكة مع غوغل لإظهار منتجاتها عبر روبوت Gemini، ووقّعت اتفاقاً مع OpenAI لتعزيز تجربة التسوق الذكي، كما عيّنت مديراً تنفيذياً سابقاً في غوغل وأمازون لقيادة استراتيجيتها في هذا المجال. ويؤكد مسؤولو وولمارت، كما تنقل الصحيفة، أن الهدف هو تقليل «العبء الذهني» على العملاء، بحيث يكتفي المستخدم بوصف ما يريد، ويتكفل النظام بالباقي: البحث والمقارنة والشراء.
زيارات مجانية
وعملياً، يوضح التقرير أن المتسوق قد يقول للوكيل الذكي: «أريد سترة مقاومة للماء بسعر أقل من 150 دولاراً لرحلة إلى شلالات نياغارا في مارس»، فيقوم النظام بجمع البيانات من الإنترنت، ومراجعات المنتجات، ومعلومات الطقس، وتفضيلات المستخدم السابقة، ثم يقترح خيارات وينفذ عملية الشراء تلقائياً.
وتشير بيانات Similarweb، التي أوردتها فايننشال تايمز، إلى أن وولمارت نجحت في مضاعفة حصتها من الإحالات القادمة من منصات الذكاء الاصطناعي إلى %32.5 خلال عام 2025، بينما تراجعت حصة أمازون بشكل حاد، رغم بقائها المنصة الأكثر استخداماً من حيث عدد العملاء والتفاعل.
ويرى بعض البائعين، بحسب التقرير، أن سياسة أمازون في إغلاق منصتها أمام الوكلاء الأذكياء تحرمهم من «زيارات مجانية» محتملة. وقد وصل النزاع بالفعل إلى المحاكم، عندما رفعت أمازون دعوى ضد شركة Perplexity، متهمة إياها بانتهاك شروط الاستخدام، بينما ردت الأخيرة بأن وكلاءها لا يفعلون سوى تمثيل المستخدمين.
تحدٍّ أساسي
وعلى الجانب الآخر، يواجه هذا النموذج تحدياً أساسياً يتعلق بالثقة. فهل سيقدّم الوكيل الذكي اقتراحات محايدة فعلاً، أم سيدفع بالمستخدمين نحو منتجات تحقق أهدافاً تجارية معينة؟ وتشير الصحيفة إلى أن استطلاعات الرأي تظهر أن أقل من نصف المستهلكين يثقون حالياً بالذكاء الاصطناعي في قرارات الشراء.
كما تبرز مخاوف تتعلق بالمراقبة الشاملة وسرقة البيانات، إذ إن الوكلاء الأذكياء يقرأون كل ما يمرون به من محتوى، بما في ذلك النصوص المخفية داخل الشيفرات البرمجية للمواقع، والتي قد تُستخدم لخداعهم أو لسرقة بيانات الدفع.
ورغم ذلك، تؤكد شركات التجزئة الكبرى، كما تنقل فايننشال تايمز، أن بناء الثقة مع العملاء هو رأس مالها الحقيقي، وأنها لا تستطيع المجازفة بتدميره مقابل مكاسب قصيرة الأجل.
موجة جديدة من الابتكار
يلفت التقرير إلى أن هذا التحول يهدد نموذج «إعلانات التجزئة»، الذي تعتمد عليه أمازون بشدة، إذ تستحوذ وحدها على نحو %80 من هذا السوق. فإذا أصبح «المتسوق» هو خوارزمية لا إنساناً، فهل ستظل الإعلانات بالتأثير والقيمة نفسهما؟
في المقابل، تملك شركات، مثل أمازون وولمارت، سلاحاً لا يملكه عمالقة التكنولوجيا: البنية اللوجستية الهائلة من مخازن وشبكات توصيل، وهي التي تضمن تنفيذ الطلبات بسرعة وكفاءة. ولا يبدو، بحسب الصحيفة، أن غوغل أو OpenAI يخططان لبناء إمبراطوريات لوجستية مشابهة.
وتصف «غوغل» دورها بأنه «الوسيط» أو «الخاطبة»، التي تصل بين البائع والمشتري، لا السوق نفسه. ومع ذلك، تشير فايننشال تايمز إلى أن سباقاً جديداً بدأ بالفعل تحت عناوين، مثل تحسين الظهور في محركات الإجابة والبحث التوليدي GEO وAEO، بديلاً عن تحسين محركات البحث التقليدي SEO.
وفي النهاية، ورغم كل المخاطر والشكوك، ترى فايننشال تايمز أن الذكاء الاصطناعي التفويضي يشعل موجة جديدة من الابتكار في التجارة الإلكترونية، وقد يكون بالفعل بداية لإعادة اختراع تجربة التسوق عبر الإنترنت من جذورها.


































