اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٣ شباط ٢٠٢٦
حصة المطيري -
قدم الشريك المؤسس لمجموعة أسيان القانونية وأستاذ مشارك في كلية الحقوق - جامعة الكويت، د. محمد المطيري قراءة شاملة لمسار التشريعات الاقتصادية في الكويت، من القوانين التي وُلدت عقب الأزمات، إلى التحول الجوهري في فلسفة قانون الإفلاس بصيغته الحديثة.
وتناول المطيري في مقابلة خاصة مع برنامج «القبس الاقتصادي»، الذي يُعرض على منصات «القبس الإلكترونية»، وتقدّمه الزميلة حوراء غالب، تطور النظرة القانونية للتعثر المالي، وآليات التعامل مع المدينين والدائنين، ودور الحلول الوقائية وإعادة الهيكلة في حماية الشركات، إضافة إلى تسريع الإجراءات وتعظيم نسب الاسترداد، مع تسليط الضوء على أهمية القانون للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وقصص النجاح التي عكست انتقال التشريع من منطق العقوبة إلى منطق الإنقاذ والاستدامة الاقتصادية.
وقال إن مسار الأزمات الاقتصادية في الكويت أعقبتها تشريعات هدفت إلى تنظيم السوق، مستعرضاً قانون تسوية الأسهم المتداولة بالأجل، الذي جاء عقب أزمة المناخ في ثمانينيات القرن الماضي، ثم قانون أسواق المال الذي شكل أحد حلول أزمة الرهون العقارية في عام 2008، وصولاً إلى قانون الإفلاس بصيغته الجديدة بعد جائحة كورونا، وما كان له من أثر مباشر في حماية المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
ولفت إلى أن الحلول الوقائية تبقى أكثر فاعلية من التشريعات التي تُسن بعد وقوع الأزمات، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب استباق المخاطر، لا انتظار انهيار الأسواق لمعالجتها.
فلسفة الإفلاس
واشار المطيري الى ان القوانين الأولى التي صدرت في ثمانينيات القرن الماضي جاءت لتنظيم أوضاع المدين المتعثر والمفلس، في ظل فلسفة قانونية كانت تنظر إلى التعثر المالي بنظرة عقابية متشددة، إذ كان يُربط اضطراب المركز المالي مباشرة بالإفلاس، ويُعامل المدين باعتباره مخطئاً يستحق العقوبة.
وبين أن القانون السابق كان يفرض عواقب قاسية على المتعثر، تتمثل في حرمانه من ممارسة التجارة، وعدم السماح له بتولي وظيفة عامة، إضافة إلى حرمانه من المشاركة في الانتخابات.
وأضاف أن القانون الجديد غير هذه الفلسفة بالكامل، إذ لم يعد يهدف إلى هدم الشركات، بل إلى إنقاذها وتعظيم إيرادات الدائنين، من خلال إيجاد آليات تضمن استمرار الشركات المتعثرة في السوق، مؤكداً أن تعثر الشركات يمثل إحدى المراحل الأولية للانهيار الاقتصادي.
وتساءل المطيري عن مصير نحو 40 ألف شركة متعثرة في حال عدم صدور هذا القانون، مشدداً على أن وجود إطار قانوني حديث لم يعد خياراً، بل ضرورة اقتصادية.
وأشار إلى أن دراسة أُجريت على مواد قانون الإفلاس القديم كشفت أن متوسط مدة إجراءات الإفلاس في الكويت كانت تتراوح بين 4 و7 سنوات، فيما لم يتجاوز العائد المتوقع للدائنين خلال هذه الفترة %32، أي أن الدائن الذي له مليون دينار كان يسترد في المتوسط نحو 320 ألف دينار فقط.
وأوضح أن القانون الجديد غير هذه المعادلة، إذ أصبح بإمكان الدائن تحصيل حقوقه خلال مدة لا تتجاوز سنة وثمانية أشهر، وبمعدل استرداد لا يقل عن %50 من قيمة الدين.
أنواع المتعثرين
وشرح المطيري آلية الإجراءات، موضحاً أن المدين المتعثر ينقسم إلى حالتين: الأولى، مدين متعثر لكن مشروعه قابل للاستمرار ويمكنه مواصلة نشاطه رغم التعثر نتيجة ظروف معينة، وفي هذه الحالة يمكنه اللجوء إلى التسوية الوقائية أو إعادة الهيكلة، والتسوية الوقائية هي بالعادة تناسب المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
أما الحالة الثانية، فهي المدين المتعثر الذي يكون مشروعه غير قابل للاستمرار، حيث يتقدم بطلب افتتاح إجراءات الإفلاس، ويتم حصر أمواله وأصوله، ثم يصدر قرار بشهر الإفلاس، وتُشكل لجنة الدائنين، ليُقضى بعد ذلك بتصفية أمواله تصفية جماعية.
وفي هذا السياق، شدد على أهمية اختيار الشكل القانوني المناسب عند تأسيس المشاريع، مفضلاً أن تكون الشركات ذات مسؤولية محدودة، بحيث تقتصر مسؤولية الشريك في حال التعثر على مقدار مساهمته في رأس المال، دون امتدادها إلى أمواله الشخصية.
هيكلة الإفلاس
قال المطيري إن الأمين وفقًا لقانون الإفلاس هو أحد الأشخاص الذين يمارسون نشاط مراقب حسابات والمعتمدين من قبل هيئة أسواق المال، حيث يتولى الإشراف على إجراءات إعادة الهيكلة منذ اليوم الأول لبدئها، وحتى إغلاق باب إعادة الهيكلة بشكل كامل.
وأضاف المطيري أنه في ظل القواعد الحالية، أوجد القانون الجديد إدارة للإفلاس على غرار إدارة التنفيذ، كما استحدث لجنة للإفلاس على غرار إدارة الخبراء، مبيناً أن إجراءات الإفلاس داخل اللجنة تتميز بالسرعة العالية مقارنة بالأنظمة السابقة.
وفي ما يتعلق في وقف المطالبات، قال المطيري: يترتب على صدور قرار باتخاذ إجراءات التسوية الوقائية أو إعادة الهيكلة وقفُ جميع الدعاوى والأحكام وإجراءات التنفيذ، حيث تُعلَّق كل المطالبات، ولا تنظر المحكمة في أي دعاوى جديدة، كما تُوقف الدعاوى المنظورة وتُغلق ملفات التنفيذ.
وفي هذه المرحلة، يجلس المدين على طاولة مفاوضات مع الدائنين ضمن إطار زمني محدد مدته ثلاثة أشهر، قابلة للتمديد لمدة مماثلة، بهدف التوصل إلى تسوية منظمة تعيد ترتيب الالتزامات وتمنح المشروع فرصة للاستمرار.
ميزة القانون
وفي ما يتعلق بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، قال المطيري: لن يُسجن أي مبادر ملتزم في الكويت، إذا كان قد حصل على التمويل من الصندوق وصرفه في القنوات والأغراض التي خُصص من أجلها، ثم تعثر لاحقاً نتيجة ظروف خارجة عن إرادته.
وضرب مثالًا بـ«أحمد»، صاحب مشروع صغير في عام 2020، الذي حصل على تمويل من الصندوق، إلا أن أزمة جائحة كورونا تسببت في تعثر مشروعه لأسباب اقتصادية مباشرة، لا علاقة لها بسوء إدارة أو إساءة استخدام للتمويل.
وبين أن قانون الإفلاس منح المدين، خصوصاً في المشروعات الصغيرة والمتوسطة، حماية قانونية واضحة، حيث إنه في حال كان المشروع غير قابل للاستمرار، فإن القانون أولًا يقلص مدد الإجراءات إلى النصف، وثانياً لا يشكل لجاناً، وثالثاً يتيح للمدين التقدم بطلب الإعفاء من الدين.
وأوضح المطيري أنه على سبيل المثال، إذا كان المدين مطالباً بسداد 100 ألف دينار، فيما لا تتجاوز قيمة أصوله بعد البيع 20 ألف دينار، فإنه يسدد قيمة الأصول المتاحة الـ20 ألف دينار، ثم يتقدم بطلب إلى قاضي الإفلاس لإعفائه من بقية الدين.
وأوضح المطيري أن من لا يلتزم بقوانين التمويل الصادرة عن الصندوق يُعد مدلساً إذا ثبت أنه لم يستخدم التمويل في الأغراض المخصصة له، وفي هذه الحالة قد تصل العقوبة إلى السجن، لما في ذلك من ضرر مباشر على الاقتصاد.
وأشار إلى أنه خلال عام 2025 تمت إحالة نحو 110 مشاريع إلى المطالبات، ولا تزال الجهات المختصة تستدعي بقية المدينين من المبادرين، في ظل استمرار آثار جائحة كورونا على بيئة الأعمال.
وتابع: ان المشروعات الصغيرة والمتوسطة لا تزال تواجه تحديات كبيرة، حيث ان نحو %40 منها تفشل، في حين أن %60 قابلة للاستمرار، بينما تحقق نحو %20 من هذه المشاريع نجاحاً كبيراً إذا توفرت لها الظروف المناسبة.
الشركات العائلية تنتهي بغياب الحوكمة
في ما يخص الشركات العائلية، أوضح المطيري أن معظم الدراسات تشير إلى أن هذا النوع من الشركات غالباً ما ينتهي عند الجيل الثالث، بينما يتوقف بعضها عند الجيل الثاني. ولتفادي هذا المصير، استدركت بعض الشركات هذه الإشكالية مبكراً، واعتمدت أنظمة الحوكمة، من خلال وضع دستور للأسرة وقواعد واضحة تنظم العلاقة بين أفرادها، بما يضمن استمرارية الشركة وامتدادها حتى الجيل السابع.
وتابع أن إشكالية الشركات العائلية التي لم تتبن الحوكمة في إطار قانون الإفلاس تكمن في أنها تكون في الغالب إما مدينة بشكل دائم أو دائنة لا تتمكن من تحصيل حقوقها، مشيراً إلى أن العديد من الشركات العائلية انتهت فعلياً بسبب غياب الحوكمة والتنظيم المؤسسي.
نجاح قانون الافلاس
شرح المطيري أن قانون الإفلاس يُطبق على التاجر والشركات والصناديق، وفي حال كونهم مدينين يحق لهم التقدم بطلبات وفق أحكام القانون. كما يحق للدائنين لهؤلاء الثلاثة، إضافة إلى الجهات الرقابية مثل هيئة أسواق المال والبنك المركزي ووحدة تنظيم التأمين، تقديم طلبات الإفلاس أو إجراءاته.
وأشار إلى أن العديد من الشركات تقدمت بطلبات للاستفادة من هذا القانون، من بينها الشركة الأولى للاستثمار، التي تقدمت في البداية بطلب تسوية وقائية وتم رفضه، ثم أعادت التقدم بطلب إعادة هيكلة، حيث قُبل الطلب وتم افتتاح الإجراءات.
واضاف: استفادت الشركة من الحماية القانونية، وجلست مع الدائنين، وقدمت خطة إعادة هيكلة حظيت بالموافقة في الجلسة الثانية، ليصدر بعدها قرار قاضي الإفلاس بتصديق الخطة. واليوم، تم تنفيذ الخطة فعلياً، وتُعد هذه الحالة قصة نجاح لتطبيق القانون.


































