اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٣٠ نيسان ٢٠٢٦
أمجد جمال -
تسبب فيلم Michael في انتعاشة اقتصادية لم تشهدها صالات العرض منذ سنوات. لقد تجاوز الفيلم كونه عملاً درامياً وتحول إلى ظاهرة ثقافية صاخبة، أعادت للأذهان الزخم الذي أحدثه فيلم Barbie قبل سنوات. فمثلما صبغ اللون الوردي الشوارع والمولات استقبالا لفيلم الدمية الشقراء، اجتاحت قبعات «الفيدورا» والقفازات اللامعة وسترات الجلد الحمراء قاعات السينما في كل عاصمة حول العالم.
الجماهير لم تذهب لتشاهد فيلماً، بل ذهبت لتمارس طقساً احتفالياً بأيقونة موسيقية وحَّدت الأجيال. ذهبت لتُعلن ولاءها لأسطورة لم ينطفئ بريقها رغم الرحيل، ورغم القيل والقال، ورغم ثقافة الإلغاء والصوابية السياسية التي تمارس وصاية على التاريخ الفني العالمي.
هل انتهى عصر «السينما القديمة»؟
يمكن الزعم أن نجاح «مايكل» حصل بأثر استباقي، ومن قبل مشاهدة الجمهور للفيلم، ما يفرض سؤالا جوهريا سيتحتم على النقاد وصناع السينما التوقف عنده طويلاً: هل تغيرت وظيفة قاعة السينما في عصر المنصات الرقمية؟ يبدو أنه، في زمن تتناقص فيه السعة الانتباهية (attention span) للأفراد بفعل مشاهدة المقاطع القصيرة على الهواتف، لم يعد الجمهور يبحث في السينما عن الدراما الملحمية المعقدة أو الصراعات النفسية المتشابكة التي تتطلب تركيزاً ذهنياً عالياً، بقدر ما يبحث عن «الطقس الاحتفالي». السينما التقليدية بمفاهيمها القديمة ربما لم تعد تتسع لاحتياجات جيل يبحث عن «التجربة» (Experience) أكثر من «المحتوى» (Content). لأن الأولى نادرة، بينما الثانية فتمتلئ بها الهواتف.
لم ينجح «مايكل» جماهيريا كفيلم سيرة ذاتية بالمعنى المعروف، بل نجح لأنه تحول إلى حفلة موسيقية صاخبة على شاشة كبيرة؛ حيث منح الجمهور فرصة ذهبية لمعايشة أغنيات واستعراضات ملك البوب بجودة فائقة، وكأنهم استقلوا آلة زمن وعادوا إلى عصره الذهبي ليحضروا تلك الفعاليات بأنفسهم. إننا بصدد مفهوم جديد للنجاح: عن الأفلام التي تستدعي رموزاً ثقافية قابعة في ذاكرة الجمهور، وتقدمها في قالب استهلاكي مبهج، وسهل الفُرجة.
فيلم موسيقي بتوجيه عائلي
يركز الفيلم في إطاره الزمني على الفترة الممتدة من طفولة مايكل في الستينيات ضمن فرقة «Jackson 5»، مرورا بمرحلة استقلاله عن أشقائه بنهاية السبعينيات، وصولاً إلى جولته العالمية الشهيرة بعد ألبوم «Bad» في عام 1988. أي تنتهي أحداث الفيلم قبل الدخول للتسعينيات، العقد الذي واجه فيه مايكل اتهامات بالاعتداء على الأطفال، تلك التهم التي شكّلت مادة درامية مثيرة في المسلسل الوثائقي Leaving Neverland (2019) والذي أثار عاصفة من الجدل وقت عرضه.
بينما تعمد فيلم Michael التركيز على الحقبة الذهبية وحسب في حياة مايكل، مع أقاويل وتكهنات بأن صناع الفيلم كانوا قد صوروا أجزاء من الحقبة الشائكة بالفعل، ثم قاموا بحذفها بعد تصويرها، إما بهدف تبييض الصورة، أو بهدف تقديمها في جزء ثان للفيلم سيصدر في الأعوام القادمة.
يعود السبب في هذا التوجه «المُعقم» للفيلم، إلى أن مؤسسة جاكسون (Jackson Estate) هي المحرك الرئيسي خلف الإنتاج، وتضم أفراد عائلته والورثة المنحازين له بالضرورة. هذا النفوذ العائلي جعل الفيلم يبدو نظيفاً من أي «إزعاج» أو بقعة من الدراما قد تخدش صورة الملك.
لم يتبق غذاء درامي للفيلم سوى الصراع بين مايكل ووالده المتسلط، الذي يستغل أطفاله للتربّح من ورائهم. هذا الصراع كان المحرك الوحيد في الفيلم كمصدر لمعاناة مايكل منذ الطفولة، مما يحول والده إلى «الشرير التقليدي» في القصة، بينما يظل مايكل هو الضحية الموهوبة.
جعفر جاكسون.. تقمُّص أذاب الفوارق
قدم جعفر جاكسون (ابن شقيق مايكل) أداء ممتازا، حيث لم يكتفِ بتمثيل دور عمه، بل «تلبّس» روح مايكل وحركاته بشكل فائق المصداقية. لقد قدم جعفر محاكاة دقيقة للفترات الذهبية من حياة مايكل. استطاع أن يعيد خلق الابتسامة البريئة، والحدة في الأداء الغنائي، والخفة المدهشة في الرقص. هذا الإبهار البصري والجودة الفنية في إعادة تنفيذ الاستعراضات الشهيرة كانت «المغناطيس» الذي جذب حتى الأجيال الشابة التي لم تعاصر مايكل في مجده.
لكن الفضل الأكبر يعود للمنتج غراهام كينغ، الذي قدم سابقاً فيلم Bohemian Rhapsody بنجاح تجاري كبير وأربع جوائز أوسكار، وعاد ليكرر نفس التوليفة الفنية في «مايكل» ولكن بتحفظ. في «بوهيميان رابسودي»، كان هناك قدر من المساحة لاستكشاف تحديات حياة فريدي ميركوري الشخصية، أما في Michael، فقد ركّز كينغ على النوستالجيا الموسيقية البحتة. الغريب أن هذا التوجه لم يزعج الجمهور بتاتاً؛ بل أقبلوا على الفيلم وكأنه «قائمة أغان» (Playlist) بصرية تذكرهم بالماضي الجميل، مفضلين الاحتفاء بالأسطورة على تشريح الإنسان.
التميز الاستعراضي في الفيلم يصل لذروته مع مشاهد المحاكاة التي صُنعت لفيديو كليب Thriller، حيث نرى مايكل وهو يقود مجموعة من الراقصين، ويقوم بتدريبهم على ذلك الاستعراض الأيقوني، في استحضار رائع للزمن والمكان الأصليين.
الصورة الذهنية وتكريس «الرجل الباسم»
الفيلم الذي أخرجه أنطوان فوكوا وكتبه جون لوغان، عمل على تكريس الصورة الذهنية التي يعشقها الجمهور عن مايكل جاكسون: ذلك الإنسان اللين، الرقيق، والمحب للخير وللحيوانات. استعرض الفيلم بعناية هذا الجانب داخل منزل مايكل، حيث يعيش بين الحيوانات الأليفة وغير الأليفة، في عالم من البراءة المطلقة، وهو جانب مثير من الناحية النفسية، لكنه استُخدم كتسطيح لجوانب أخرى أكثر تعقيدا في حياة مايكل.
عرفنا حبه المهووس للحيوانات لكن لم يطلعنا ولو بتلميح عن حياته العاطفية مثلا أو علاقاته المعقدة بالجنس الآخر، وهي فجوة بدت غريبة خاصة وأن مسيرته الفنية بنيت في جزء منها على أغانٍ تتناول هذه الصراعات مثل أغنيته الأشهر Billie Jean، التي تتحدث عن امرأة تطارد رجلا لإثبات نسب طفلها إليه، وهناك فرضية أنها مستلهمة من حياة مايكل، لكنها مرت دون غوص حقيقي في دوافعها النفسية، ليظل التركيز دائماً على «المنتج النهائي» المبهج للفن لا على التجربة الإنسانية ولا المخاض المؤلم أثناء صناعة هذا الفن.
وإن كان يُحسب للفيلم تطرقه لواقعة منع تلك الأغنية من العرض على محطة MTV لأسباب عنصرية.
توازنات القوى المختلة
يرسم الفيلم طريقاً مفروشاً بالورد أمام مايكل جاكسون نحو النجومية، قافزاً من نجاح لنجاح. فمن مهندس صوت واقع تحت سحره، لرئيس شركة اسطوانات منبهر بعبقريته، لسباقات الأغاني وهي تتحطم كي يعتليها بأغنياته.
امتد هذا التسطيح إلى الجوانب الفنية المهمة في مسيرة مايكل جاكسون، لعل أبرزها تهميش دور المنتج الموسيقي العبقري كوينسي جونز، الذي كانت بصمته الإبداعية هي حجر الزاوية في نجاحات مايكل الكبرى بألبوماته الثلاثة Off the Wall وThriller وBad.
في المقابل، نال مدير أعماله المحامي جون برانكا (يجسد دوره مايلز تيلر) مساحة درامية أوسع وأكثر تلميعا، ليتبين لاحقاً أن برانكا نفسه هو أحد منتجي الفيلم! هذا الانحياز في سرد التاريخ الفني كشف عن الرغبة في إعادة صياغة الماضي بما يتوافق مع مصالح الورثة الحاليين. فبدلاً من أن نرى كواليس الإبداع داخل استوديوهات التسجيل، رأينا تمجيداً للإدارة والبزنس، مما أضعف الجانب التوثيقي للفيلم في نظر المهتمين بجوهر الصناعة الموسيقية.
الجمهور يقهر النقاد
أحدث Michael انقساماً راديكالياً في الأوساط الثقافية؛ فبينما منحه الجمهور «العلامة الكاملة» واعتبروه أعظم تكريم لنجمهم المفضل، نال تقييما بنسبة %39 على موقع rottentomatoes ووصفه النقاد بأنه فيلم يفتقر للشجاعة الإبداعية. هذا الصدام يفتح باب النقاش حول معايير تقييم الأفلام اليوم؛ هل العبرة بالقدرة على إمتاع الملايين وتحريك مشاعرهم بالنوستالجيا، أم بالقدرة على الحفر في كوامن الحقيقة البشرية؟
بالنسبة للجمهور، كان الفيلم بمنزلة رد اعتبار لمايكل أمام حملات التشويه، وكبسولة مشبعة بالحنين للماضي سهلة الامتصاص. أما بالنسبة للنقاد، فقد كان فرصة ضائعة لتقديم دراما حقيقية عن شخصية تاريخية مُركّبة عاشت حياة غير عادية. في النهاية، يثبت فيلم Michael أن قوة مايكل جاكسون الثقافية لا تزال عابرة للحدود والسنوات. الفيلم لم يكن سردا لحياة فنان، بل كان استعراضاً للقوة الناعمة التي لا تزال تملكها أغنياته واستعراضاته.
ورغم كل الملاحظات النقدية حول «تعقيم» الدراما أو تسطيح الشخصيات الثانوية، أو تبسيط المسار نحو عرش «البوب». يظل العمل وثيقة بصرية أخاذة تؤكد أن الأساطير لا تموت. لقد ربح «غراهام كينغ» و«مؤسسة جاكسون» الرهان التجاري، واستعاد العالم «ملك البوب» لساعتين من الزمن داخل قاعة مظلمة استطاعت توحيد الملايين تحت سقف واحد، صارخين ومصفقين، ليس من أجل الفيلم في حد ذاته، بل من أجل الذكرى التي لن تموت، والصورة التي اختاروا أن يصدقوها ويحبوها إلى الأبد.


































