اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٥
لم يعد الذكاء الاصطناعي ذلك الابتكار الغامض الذي يدور في فلك المختبرات أو في عالم الخيال العلمي، بل أصبح اليوم واقعاً ملموساً يُعيد تشكيل ملامح الحياة المهنية حول العالم. ففي الوقت الذي كان فيه يُنظر إليه كأداة مساعدة للإنسان في أداء المهام المعقدة، تحوّل اليوم إلى منافس حقيقي في مجالات كانت تُعتبر حتى وقت قريب حكراً على البشر.
تقرير جديد صادر عن شركة OpenAI، المطور الأشهر في عالم الذكاء الاصطناعي، كشف عن صدمة في سوق العمل، بعد أن أظهر اختبار حديث أطلق عليه اسم GDPval أن 44 مهنة باتت مهددة فعلياً بالاستبدال بواسطة النماذج الذكية الحديثة.
يعتمد اختبار GDPval على مقارنة أداء الذكاء الاصطناعي مع أداء محترفين من تسعة قطاعات اقتصادية رئيسية في الولايات المتحدة، من بينها المحاسبة، المبيعات، الإعلام، البرمجة، والخدمات اللوجستية.
والنتائج، بحسب التقرير، كانت مقلقة إلى حد بعيد؛ إذ تمكنت نماذج الذكاء الاصطناعي مثل GPT-5 وClaude Opus 4.1 من تحقيق أداء فاق البشر في أكثر من نصف الوظائف التي خضعت للاختبار، ما يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل سوق العمل والتوازن بين الإنسان والآلة.
احتلت مهنة المحاسبة والتأجير المركز الأول ضمن أكثر الوظائف عرضة للاستبدال، بعد أن أظهر الذكاء الاصطناعي تفوقاً بنسبة 81٪ في أداء المهام بدقة وسرعة غير مسبوقة.
فمن تحليل البيانات المالية إلى إعداد التقارير المعقدة، أصبحت الخوارزميات قادرة على إنجاز ما يحتاج فريق كامل من المحاسبين إلى ساعات طويلة لتنفيذه، ما يهدد آلاف الوظائف في هذا القطاع الذي كان يوصف يوماً بأنه الأكثر أماناً واستقراراً.
جاء مديرو المبيعات في المرتبة الثانية بنسبة 79٪، إذ أظهرت النماذج الذكية قدرة استثنائية على تحليل سلوك المستهلكين وتوقع اتجاهات السوق واتخاذ قرارات تسويقية دقيقة بلحظة واحدة.
ما كان يحتاج إلى اجتماعات واستراتيجيات طويلة بات يتم بضغطة زر، لتتحول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى “مدير تسويق افتراضي” يتقن قراءة الأرقام والمشاعر في آن واحد.
في قطاع الشحن والاستلام وإدارة المخزون، تفوق الذكاء الاصطناعي على البشر بنسبة 76٪، خصوصاً في المهام التي تتطلب التنظيم الدقيق وإدارة البيانات اللوجستية.
فبين أنظمة تتنبأ بنقص المواد وتعيد جدولة النقل تلقائياً، لم يعد العامل البشري قادراً على مجاراة هذا المستوى من الدقة والسرعة في بيئة تعتمد على الوقت والتكلفة.
النتيجة الأكثر إثارة كانت في مجال التحرير والصحافة، حيث تمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق بنسبة 75٪، بعد أن أظهر قدرته على إعادة الصياغة وتوليد النصوص والتحليل بأسلوب لغوي متقن، ما جعل الصحفيين والمحررين في مواجهة تحدٍ غير مسبوق.
فهل يمكن أن يكتب الذكاء الاصطناعي بعمق المشاعر الإنسانية أو بحسٍّ وطني وإنساني؟ سؤال يطرحه كثيرون اليوم في أروقة الإعلام العالمي.
أما المفارقة الكبرى فكانت في مهنة تطوير البرمجيات نفسها، إذ تفوق الذكاء الاصطناعي على مطوري البرامج بنسبة 70٪.
فالنماذج الحديثة باتت قادرة على كتابة الأكواد وتصحيحها وتطوير حلول تقنية متقدمة في وقت قياسي، وهو ما دفع البعض لوصف الذكاء الاصطناعي بأنه “المبرمج الذي أبدع نفسه”.
القائمة لم تتوقف عند هذه الوظائف الخمس. فالتقرير أشار إلى مهن أخرى معرضة بدرجات متفاوتة مثل: المحققون الخاصون، ومديرو العمليات، والمستشارون الماليون، والمحامون، والمحللون، والمخرجون، والممرضون، والصحفيون.
في المقابل، بدت بعض المهن أكثر أماناً، وعلى رأسها تلك التي تعتمد على التفاعل البشري أو الإبداع البصري مثل المهندسين الصناعيين ومحرري الفيديو، إذ لم تتجاوز نسبة تفوق الذكاء الاصطناعي أمامهم 17٪ فقط.
رغم القلق المتزايد من أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى “آلة استبدال بشرية”، تحاول OpenAI طمأنة العالم مؤكدة أن الهدف ليس القضاء على الوظائف بل تعزيز الإنتاجية البشرية.
فبفضل هذه التقنيات، يمكن للإنسان أن ينجز أعمالاً أعقد في وقت أقل، وأن يركّز على الإبداع والتفكير الاستراتيجي بدلاً من المهام الروتينية.
بينما تتسارع خطوات الذكاء الاصطناعي نحو الهيمنة على قطاعات العمل، يبقى السؤال الأعمق... هل نحن أمام ثورة تُعيد تعريف معنى “العمل” نفسه؟
من الواضح أن المستقبل لن يكون صراعاً بين الإنسان والآلة، بل شراكة ذكية بينهما، حيث يظل الإبداع الإنساني هو الشرارة التي لا يمكن لأي خوارزمية أن تُقلّدها مهما بلغت من ذكاء.
وفي النهاية، يبقى الذكاء الاصطناعي مرآة تعكس عقل الإنسان... لكنها قد تتفوق عليه يوماً إن لم يُحسن استخدامها.


































