اخبار مصر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٧ حزيران ٢٠٢٦
تجارب حياتية لكبار سن أجبرتهم صدمات الحياة على الانتقال لعالم جديد هرباً من ضجيج الحياة وأسعار الإقامات تتفاوت بحسب نوعية الخدمة وأماكن تقديمها والخدمات المقدمة
لم يدر بخلد الستينية إلهام الحسيني (اسم مستعار) أن ينتهي بها المطاف، لتكمل ما تبقى من عمرها داخل غرفة بإحدى دور رعاية المسنين بالشرقية (شمال شرقي مصر)، إثر تعرضها لصدمة عنيفة قلبت حياتها بعد وفاة أبنائها الثلاثة إثر حادثة سيارة قبل ثلاثة أعوام.
بصوت خافت وعلى وجهها ترتسم ملامح الحزن، تسرد إلهام خلال حديثها إلى 'اندبندنت عربية' واقع تجربتها قبل انتقالها إلى عالمها الجديد 'كنت أنعم بحياة هادئة، أعيش رفقة أبنائي الثلاثة بمنزل كبير إيجار قديم، لم أشعر يوماً بالعزلة أو الوحدة، منحتني الحياة أكثر مما تمنيت، كنت أداوم على زيارات الأقارب والجيران، إلى جانب متابعة الأمور المنزلية مثل أي ربة منزل، وكانت أجواء المنزل مليئة بالدفء والحيوية'.
تمضى الحسيني في حديثها 'كانت أسعد لحظات حياتي حين تلقيت نبأ قبول تعيين نجلي الأكبر في وظيفة كان يحلم بها ويتمنى الالتحاق بها'، لكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، وسرعان ما تحولت تلك اللحظة المبهجة إلى كابوس مفزع ظل يراودها حتى اللحظة الراهنة، 'كانت أجواء المنزل مبهجة في هذا اليوم، وكأنه يتجهز للقاء عروسته، فتوجه رفقة شقيقيه مستقلين سيارة ميكروباص لاستكمال الإجراءات الوظيفية، لكن وقعت حادثة تصادم لهم في الطريق وتوفوا جميعاً'.
لم تستطع الستينية تمالك أعصابها وسقطت مغشية عليها ودخلت في غيبوبة أياماً عدة جراء تلك الصدمة، لتفاجأ عقب خروجها من المستشفى باستيلاء أفراد من عائلتها على منزلها، 'فجأة وجدت نفسى مشردة ووحيدة وتبدل الحال تماماً، حتى وجدت أيدي الخير من بعض الأشخاص ممدودة لمساعدتي بالتكفل بنفقاتي الشهرية والحصول على معاش شهري ثابت وحفظ القرآن ودعمي للاشتراك في مسابقات دورية انتهت بالفوز برحلة عمرة'.
تواصل إلهام 'بعد العودة من العمرة، قصدت دار رعاية المسنين استناداً إلى نصائح بعض المقربين، واعتبرته ملاذاً لرعايتي وحمايتي من قسوة وغدر الحياة، ومحاولة نسيان كل ما يذكرني بصدمة رحيل أبنائي، وما ارتكبه أقاربي في حقي، وقررت مشاركة همومي مع أشخاص غرباء ليس بيني وبينهم أية صلة لكي أتحدت معهم بكل حرية وأريحية بعيداً من دوشة الحياة والضغوط الحياتية'.
تضيف الستينية 'قضيت أكثر من خمسة أشهر داخل أروقة الدار نظير أجر يصل إلى 1900 جنيه (40.31 دولار) شهرياً، كنت أسدد منها 1400 جنيه (29.71 دولار) قيمة المعاش الذي أحصل عليه والمتبقي بدعم الأشخاص الذين تكفلوا برعايتي، واستمتعت بصحبة الموجودين داخلها والمعاملة الحسنة من مشرفي وعمال الدار، وسخرت حياتي لحفظ القرآن والدعوة لأبنائي في محاولة لتجاوز الصدمة، وخدمة نزلاء الدار'.
وبحسب تقديرات رسمية، يبلغ عدد دور المسنين المرخصة تحت مظلة وزارة التضامن الاجتماعي 184 داراً داخل 22 محافظة، وعدد المقيمين بها 3670 مسناً ومسنة.
حال عواد إسماعيل (اسم مستعار) لا يختلف كثيراً عن إلهام، إذ عاش تجربة قاسية قبل أن يقرر بمحض إرادته الإقامة داخل دور المسنين قبل أكثر من عام ونصف عام.
في شهادته، يحكى عواد الذي كان يعمل مهندساً بإحدى المؤسسات الحكومية قبل التقاعد على سن المعاش 'تزوجت مرتين، الأولى أنجبت منها خمسة أبناء يعملون في مهن مختلفة، والثانية أربعة أبناء. لكن الأزمة حدثت حين قررت الأخيرة الضغط علي بمساعدة الأبناء لكتابة المنزل باسمها والجور على حقوق أبنائي من زوجتي الأولى، وحين رفضت تعرضت لوابل من السباب والضرب المبرح مرات عديدة، وصل الأمر إلى حد طردي من المنزل والتهديد برفع قضية ضدي في المحاكم إذا لم أسدد لها شهرياً 3 آلاف جنيه (63.65 دولار) لتغطية نفقات معيشتها'.
يضيف عواد (66 سنة) 'شعرت أني حائر، إما الرضوخ لطلب الزوجة الثانية غير العادل أو الحفاظ على حقوق أبنائي الآخرين وعدم مخالفة شرع الله، لكن اخترت في النهاية العزلة والهرب تجنباً للمشكلات وحتى لا أتسبب في أزمة بين الأبناء، فقصدت دار رعاية المسنين'.
لم يخف عواد تخوفه من تلك التجربة في البداية، إلا أنه مع الوقت شعر أنها المكان الأنسب للهدوء والراحة 'قررت الابتعاد من الصراعات، لم تعد السن تسمح بخوض معارك أخرى، والعزلة كانت الخيار الأمثل لي'.
كان أكثر ما يؤرق عواد عدم قدرته على تلبية نفقات الإقامة بالدار، إذ يحصل على معاش شهري يقدر بـ4 آلاف جنيه شهرياً، إضافة إلى 1500 جنيه شهرياً يحصل عليها من وظيفة إدارية اضطر للعمل بها لتغطية نفقاته، في حين تصل كلفة الإقامة في الدار 1850 جنيهاً، علاوة على 2500 جنيه نظير شراء الأدوية اللازمة لحالته الصحية، بخلاف تسديد 3 آلاف جنيه للزوجة لعدم الملاحقة القضائية، مما يضطره في كثير من الأحيان إلى اللجوء للاستدانة من المقربين لتغطية مصروفاته.
أيضاً فضل السبعيني يوسف مصطفى (اسم مستعار) ويقيم بمدينة الزقازيق كسر عزلته وإنهاء إحساسه بالشعور بالوحدة، بالبحث عن ضالته في صحبة يأنس بها، لا سيما بعدما هجره أبناؤه الثلاثة، وقرروا الزواج والسفر للعمل بالخارج، مفضلاً الإقامة داخل دار لرعاية المسنين، قائلاً 'شعرت بعد سفر أبنائي بالاكتئاب، وتخوفت أن أموت وحيداً بالمنزل من دون أن يشعر بي أحد، فسافرت لمدينة المنصورة عام 2022، وعملت في مهنة تصليح الآلات الموسيقية، وفضلت العودة لبلدتي مرة أخرى، واستمعت آنذاك لنصائح زملائي المقربين بالجلوس في دار للمسنين، لكي أحصل على الرعاية الكاملة'.
يضيف مصطفى الذي كان يعمل مديراً بإحدى الجامعات قبل تقاعده على سن المعاش منذ 13 عاماً، 'فكرت كثيراً حتى شعرت أن هذا القرار هو الأنسب في تلك المرحلة، فانتقلت للدار قبل ستة أشهر، ووجدت رعاية لائقة ونجحت في إيجاد الصحبة التي عوضتني بعض الشيء عن غياب الأبناء'.
استحسن السبعيني التجربة وتغيرت نظرته للحياة كلياً بعد انتقاله لهذا العالم، 'الحياة في الدار هادئة وخالية من الصراع على المناصب أو التنافس على المال والنفوذ، أتشارك مع نزلاء الدار الهموم والمشكلات سوياً، ونساعد أنفسنا في تجاوز المحن والصدمات، ونبحث عن راحة البال والمشاعر الصادقة'.
يضيف مصطفى أنه لا يعبأ بما يحدث في العالم الخارجي من أزمات أو صراعات، لكن ما يشغله هو كيفية توفير نفقات إقامته بالدار، موضحاً أنه يحصل على 6 آلاف جنيه (127.31 دولار) كمعاش شهري، يسدد منها نفقات الدار إلى جانب تغطية مصروفاته وحاجاته الشهرية.
ورصدت 'اندبندنت عربية' انتشار عدد من الإعلانات الترويجية لدور رعاية المسنين عبر صفحات الإنترنت بأسعار متفاوتة، تختلف بحسب نوعية الخدمات وأماكنها والأنشطة الترفيهية والاجتماعية المقدمة بها ومساحات الغرف والحال الصحية ومتطلبات الرعاية الخاصة لحالات كبار السن والحالات المرضية ونوعية الوجبات وخدمات الغرف.
وعن طبيعة وآلية العمل داخل دور الرعاية، تواصلت 'اندبندنت عربية' مع أحد مسؤولي دار رعاية المسنين بمحافظة الشرقية (طلب عدم ذكر اسمه)، الذي أكد أن الدار تمارس النشاط الخيري منذ أكثر من 11 عاماً تحت إشراف مظلة وزارة التضامن الاجتماعي، وتعتمد على الجهود الذاتية والتبرعات لدعم المسنين وتلبية متطلباتهم، منوهاً بأن أنشطة الدار تخضع لرقابة مستمرة وحملات تفتيشية لمراقبة الأنشطة بها والاطمئنان على حال النزلاء.
وأوجب قانون ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لعام 2019، أنه 'لا يجوز للجمعيات أو لغيرها تخصيص أماكن لإيواء الأطفال أو المسنين أو المرضى بأمراض مزمنة أو غيرهم من المحتاجين إلى الرعاية الاجتماعية أو الأشخاص ذوي الإعاقة إلا بترخيص من الجهة المعنية بإصدار الترخيص'.
ويوضح المسؤول، خلال حديثه إلى 'اندبندنت عربية'، أن الدار تستوعب 32 نزيلاً نصفهم من الرجال والنصف الآخر من السيدات، وكلفة إقامة جميع النزلاء بالدار متساوية ولا تفرقة بين غني أو فقير، إذ تصل كلفة المسن الواحد إلى 1850 جنيهاً نظير الإقامة وتلقي الخدمة الطبية والحصول على الوجبات وغسل الملابس والرعاية والأنشطة الاجتماعية والترفيهية، موضحاً أن الدار تراعي الظروف الإنسانية لبعض الحالات، لكنها في الوقت ذاته تعتمد كلياً في الاستمرارية على كلفة إقامة النزيل لسداد رواتب العمال والموظفين وتوفير لوازم الحاجات الطبية والغذائية والأنشطة الاجتماعية والترفيهية.
يضيف المسؤول أن الدار تلتزم بالاشتراطات التي حددتها وزارة التضامن الاجتماعي في استقبال النزلاء، وتشترط حضور فردين من الأسرة وأرقام هواتفهما تحسباً لحدوث أي طارئ للنزيل، علاوة على تقرير يثبت سلامة الحال الصحية للمسن خشية وجود أي أمراض معدية.
وأظهر تقرير رسمي صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، ارتفاع عدد المسنين في مصر من 9.3 مليون مسن بنسبة 8.8 في المئة من إجمال السكان عام 2024، ليصل إلى نحو 9.8 مليون مسن بنسبة 9.1 في المئة من إجمال السكان عام 2025، وفقاً لتقديرات السكان في الأول من يوليو (تموز) 2025، موزعة بين عدد المسنين الذكور بواقع 4.8 مليون بنسبة 8.5 في المئة من إجمال السكان الذكور، بينما بلغ عدد المسنات الإناث 4.9 مليون بنسبة 9.4 في المئة من إجمال السكان الإناث عام 2025.
وفي تقدير أستاذ علم النفس الاجتماعي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الدكتورة سوسن الفايد، فإن المسن في هذه المرحلة العمرية يحتاج إلى رعاية خاصة واهتمام وفهم سيكولوجيته والتعامل معه بصورة لائقة، مردفة 'كبار السن يشعرون أنهم قدموا كل ما لديهم، وينتظرون إحساس التقدير ورد الجميل، وإذا لم يعثروا عليه يكون البديل أمامهم دور الرعاية'.
تلفت الفايد النظر إلى أن جحود وقسوة الأبناء من الأسباب الرئيسة التي تدفع كبار السن للاحتماء في دور الرعاية، علاوة على الإهمال من الأسرة والانصراف عن الاهتمام بحاجاتهم بسبب مشاغل الحياة والضغوط المادية، مما يجعل المسن يبحث عن العزلة لشعوره أنه أصبح عبئاً على من حوله، ويقرر أحياناً بمحض إرادته الذهاب إلى دار المسنين.
وتطالب أستاذ علم النفس الاجتماعي بضرورة إجراء رقابة وتقييم وتقويم دوري لمتابعة أحوال كبار السن وتلافي السلبيات وتحسين وتطوير مستويات الأداء، وعقد لقاءات دورية مع المسنين للتعرف على حاجاتهم ومتطلباتهم ومعرفة المشكلات التي تؤرقهم، إلى جانب أن تقوم الإدارات المتخصصة بوضع برامج وأنشطة اجتماعية وثقافية وترفيهية لتأهيل كبار السن نفسياً، وإدخال السعادة إلى قلوبهم وكسر مشاعر العزلة والوحدة فيهم، لا الاهتمام بالنواحي المالية والتجارية فحسب، قائلة 'كلما كانت الإدارة ناجحة أسهمت في دفع معنويات المسن، لكن لو كانت سيئة سيميل إلى العزلة والتعاسة'.
وعلى مدى الأعوام الماضية تعالت الأصوات البرلمانية التي تطالب بضرورة تكثيف الرقابة على دور رعاية المسنين ومجابهة المؤسسات غير المرخصة، التي تعمل في الخفاء وبالمخالفة للقانون، مما جعل وزارة التضامن والإدارات المعنية بهذا النشاط تكثف جهودها لمواجهة تلك الممارسات وتوفير حياة آمنة للمسنين.
وفي شـأن الآليات المتبعة لمجابهة الدور غير المرخصة، يقول مدير الإدارة العامة لرعاية المسنين بوزارة التضامن الاجتماعي محمود شعبان، خلال حديثه إلى 'اندبندنت عربية'، إن الوزارة تتعامل مع تلك القضية في إطار القوانين واللوائح المنظمة، ويجري اتخاذ الإجراءات الإدارية والقانونية ضد المخالفين، مشيراً إلى أن كل دور الرعاية تخضع لإشراف دوري ورقابي لتوفير حياة آمنة للمسنين.
يضيف شعبان أن الدور غير المرخصة بنسبة كبيرة تكون 'خفية'، بحسب تعبيره، لكن الوزارة تستطيع الوصول إليها عبر فرق التدخل السريع والإدارات الاجتماعية وحملات المرور الدورية أو عبر بلاغات وشكاوى النزلاء، منوهاً أنه في حال ضبط دور غير مرخصة يجري تسليم المسنين لذويهم أو توفير أماكن خاصة تابعة للوزارة مع إغلاق الدار.
ويوضح مدير إدارة رعاية المسنين أن دور الرعاية غير المرخصة يصعب حصرها، مستشهداً بمثال 'بعض الدور تكون موجودة في عقارات سكنية'، مناشداً ذوي المسنين بالتأكد من إجراءات ترخيص الدار قبل الالتحاق بها'.
يشار إلى أن وزارة التضامن الاجتماعي أعلنت ضمن تقريرها الرسمي في يناير (كانون الثاني) الماضي أن عدد دور الرعاية التي جرى إغلاقها خلال الفترة من يوليو 2024 حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025 بلغ نحو 80 داراً غير مرخصة ومرخصة على مستوى الجمهورية، ما بين دور رعاية للأبناء، ودور مسنين، ومؤسسات دفاع، ومراكز ومؤسسات تأهيل. وأظهر التقرير أن الزيارات الميدانية عبر فرق التدخل السريع ولجان الضبطية القضائية أسفرت عن إغلاق 43 داراً غير مرخصة و37 داراً ومؤسسة مرخصة ارتكب بها مخالفات أو انتفت صفة النزلاء بها فأصبحت خاوية فجرى إغلاقها، أو طلب القائمون عليها إغلاقها، فدُمج النزلاء في أماكن إيوائية أخرى مناسبة.


































