اخبار مصر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١١ أذار ٢٠٢٦
بدأت بدعوة حضن مروراً بالونس وأخيراً بالفضفضة والتحول الأكبر في ملف العنف الجنسي هو ما يشهده المجتمع هذه الأيام من إفصاح جماعي
يتمعن في تفاصيل جسدها، تستغيث، يصيح المتحرش فيها غاضباً، هوّ حد كلمك؟ يقترب منها آخر، ويهمس كلمة أو كلمات قد تكون غزلاً أو نعتاً يعاقب عليه القانون أو شتيمة جنسية لا يجرؤ على التفوه بها أمام أمه أو أخته أو زوجته، تصرخ، فينقلب همسه صياحاً، حد جه جنبك؟! (هل اقترب منك أحد؟)، ولو لم تنفد بجلدها وتهرب، قد يتطور الصياح إلى اتهامها بتعمد الغنج واتضاح علامات سوء السمعة عليها، مثل الملابس أو المكياج أو طريقة السير أو الضحك بصوت مرتفع وغيرها.
يلمسها آخر، سواء لمسة خفيفة أو احتكاك جسدي كامل، وما بينهما، تمسك به وتطلب المساعدة أو الشرطة، وعادة تقابل إما بمحاولات إقناعها بأن تحمي نفسها وصورتها كأنثى في الشارع وتنصرف، أو تؤكد لها الغالبية إنها 'تهيؤات' أو أنه حتماً لم يكن يقصد، وخلال الأعوام الأخيرة، وصل الأمر لحالة جماعية من صب الغضب الشعبي على المعتدى عليها، ونهرها، وتضييق الخناق عليها حتى تدفع 'المتحرش' المسكين يمضي لحال سبيله في مصر.
الكشف عن مقاطع صوتية لطبيبين يتحدثان عن تحرشهما جسدياً بالمريضات في أثناء الكشف عليهن؟ يغضب المجتمع ويستنفر، ويجري تعقبهما واعتقالهما، لكن الحل الأمثل الذي يرضي الجميع يكون، يجب أن تذهب المرأة إلى طبيبة لا طبيب، وإن تعذر ذلك فيجب أن يصطحبها رجل واحد في الأقل من أسرتها.
تقع واقعة تحرش بطالبة في الجامعة. يتخذ الإجراءات اللازمة، التي عادة تنتهي بإقناع الطالبة بالتنازل حفاظاً على مستقبل المتحرش. ويلقى مقترح فصل الفتيات عن الشباب في قاعات الدرس قبولاً طاغياً باعتباره حلاً سحرياً لضمان عدم التكرار.
تكتب ساكنة العمارة على 'غروب واتساب'، الذي يجمع السكان، بأنها تعرضت لتحرش من شخص يعمل في مكتب تستأجره شركة في العمارة، محذرة غيرها من النساء والفتيات، ومطالبة باتخاذ اللازم تجاهه. تأتي ردود الفعل متراوحة بين قلة مطالبة باسمه أو صورته لاتخاذ اللازم، وغالبية إما ملوحة مبطنة تلقي التهمة في ملعب الجارة، إذ أسئلة عن نوع الملابس ربما أو عطر تضعه، أو إن كانت قد تبادلت معه أطراف الحديث وجميعها دعوات مباشرة للتحرش، أو مطالبة بعدم ركوب المصعد إلا للركاب من جنس واحد.
قصص وحكايات تعكس لوثة خاصة بالجنس لا أول لها أو آخر. متحرش، ومتحرش بها، وسيناريوهات متضاربة بين مجاهرة ومطالبة بالحقوق ورد الاعتبار، وساكتة خانعة باعتبار التحرش شراً لا بد منه وفاتورة تسددها أي أنثى، إما لأن هذا قدرها أو لأن الأنثى المؤدبة لا تجاهر بمثل هذه الفضائح، أو لأن هذا فعل يومي تتعرض له ولو جاهرت به في كل مرة ستفوتها دروس المدرسة ومحاضرات الجامعة وساعات العمل وواجبات البيت، والتزامات الأسرة وأوقات النوم.
مسيرة التحرش طويلة وليست حكراً على مجتمع دون آخر، لكن تكتسب تفردها من دولة إلى أخرى بحسب الفكر السائد، ودرجة احترام القوانين ومدى تطبيقها، ومعيار القبول أو الرفض في الشارع، ومدى تداخل حابل الدين والعادات والثقافة بنابل الدستور والقانون والقواعد الصارمة، ناهيك بنظرة المجتمع للأنثى وكونها واحداً صحيحاً وكائناً كامل الأهلية ومواطناً له حقوق وواجبات، أم واحداً إلا قليل أو كثير وكائناً منتقص الأهلية ومواطناً له حقوق صورية وعليه واجبات فعلية. لذلك، فإن التحرش في مصر يتبع معايير ذات طبيعة خاصة وله مذاق مختلف، ويتحول ويتطور بتحول المجتمع وتطوره.
التحول الأكبر والتطور الأحدث هو ما يشهده المجتمع المصري هذه الأيام من مجاهرة جماعية بتعرض 'ضحايا' للتحرش، وذلك على غرار حركة 'مي تو'، لكنها اتخذت شكل 'نحن أيضاً' حيث 'نحن' تم التحرش بنا من قبل 'هو'.
هو يعرف نفسه بأنه صانع محتوى، وأنه كاتب صحافي وكان معداً تلفزيونياً ويشارك في تأليف أعمال درامية، وإن تمت إزالة اسمه من على 'تتر' مسلسل 'فخر الدلتا' المعروض خلال رمضان في بداية الموجة العنكبوتية العارمة الحالية من 'نحن أيضاً' المتهمة إياه بالتحرش، التي اتخذت لنفسها شعار 'هل حضنت ابنتك اليوم؟ هل تحرشت اليوم؟'
صانع المحتوى، الصحافي، الكاتب يرفع شعار 'هل حضنت ابنتك اليوم' عبر تدوينات على 'فيسبوك' منذ ما لا يقل عن تسعة أعوام. ومع تشجيعه على 'حضن الابنة'، دأب كذلك على كتابة معلقات تحمل 'مما رواه الإنبوكس'. وكان ينقل فيها شهادات ومقاطع من حوارات له مع شابات وسيدات دأب على 'الحوار' معهم، و'الطبطبة' على جروحهن، والترطيب عليها بدعوات تناول 'الآيس كريم'، والترفيه عنهن بإلحاق الآيس كريم بحفلة مشاهدة عرض التنورة.
مئات الشابات والنساء بدأن في نشر صور ملتقطة من 'الإنبوكس' على صفحاتهن الشخصية تحمل محادثات – بعضها من طرف واحد - يبدأها المذكور بعبارات مثل 'أنت حلوة خالص' أو 'كم أنت جميلة' أو 'دخلت (فيسبوك) بالصدفة اليوم، فوجدت ضحكة عينيك في المقدمة'، ثم سرعان ما يخفف وطئها بمبطلات الشبهات من قبيل 'هل لك رغبة في أن نغير العالم سوياً؟' أو 'تحبي تشاركي في تغيير العالم؟ عندي خطة جاهزة. وسنهديها لوالدك الله يرحمه. إذا تحبي، هيا بنا' أو 'عندي أحلام إنسانية جميلة، أحب أحكيلك عنها لعلك تشاركيني فيها. هذه دعوة نزيهة تماماً، خالصة النية، أحب أعملها مع كثيرين' أو 'شارع المعز بيكون في أحلى أوقاته بعد 12 ليلاً. ممكن ننام على الأسفلت، نجري، نغني، نرقص، نشخبط، نجيب حليب وجبن لقطط الشوارع' أو 'كل ما أتمناه أكسب أصدقاء لطاف، أحب أعيش ببساطة وأصنع ذكريات. لعلك تكتشفي إني إنسان يصلح أن يكون صديقاً مفيداً وحضن أمان ونأكل آيس كريم'.
أحضان الأمان ومساحات الونس وباحات الفضفضة، والطبطبة على القلوب وأكل الآيس كريم واستخدام بلسم الجروح، آخذة في الانفجار في وجه صاحبها منذ نحو أسبوع. قرارات بوح ومجاهرة من مئات الشابات والسيدات تدور رحاها على أثير 'فيسبوك'. المفردات تتغير قليلاً، الدعوات تختلف بعض الشيء، لكن هالة 'الطبطبة' واحدة وأجواء 'الفضفضة' متطابقة، والدعوة إلى عرض تنورة ينتهي في 'مكان آمن للونس، للبوح، للصحبة، للأمل، للإنسان، حيثما وكيفما كان' متكررة.
المكان محدد، وهو شقة في حي 'غاردن سيتي'، والمتاخم لـ'وسط البلد'، وهي المنطقة التي عرفت على مدار عقود بأنها ملتقى ثقافي يشمل ضمن مكوناته فئة من 'المثقفين والمثقفات'، أو بمعنى آخر فئة من الكتاب أو هواة الكتابة والشعراء أو هواة الاستماع للشعر، والأدباء أو من يتصورون إنهم كذلك، إضافة إلى محبي هذه الأجواء 'الثقافية' ولو بالمجاورة فحسب.
الشقة 'بيت فاطم' أو 'مكان للونس' كما أطلق عليها 'الكاتب'، قدمت نفسها عبر منصة 'الإنبوكس' وتدوينات صاحبها باعتبارها صالوناً للفضفضة، أو كما تشير إعلانات الجلسات 'لقاء أسبوعي، مساحة آمنة للصحبة والحكي والمناقشات الهادفة واللعب والجعير والغنا'.
حجم موجة المجاهرة من قبل شابات ونساء، ونسبة معتبرة منهن في الوسط الصحافي أو الأدبي، أو قادمات من قرى ومحافظات بحثاً عن حلم أدبي أو ثقافي في العاصمة، وبعض الشباب، بالتعرض للتحرش، سواء عبر الإنبوكس أو أثناء مصاحبة المذكور، غير مسبوقة. مجاهرة جماعية بكل معاني الكلمة.
حتى أيام قليلة مضت كان الفهم الشعبي، لا سيما النسائي المصري، لـ'التحرش الجماعي' يقتصر على الظاهرة العجيبة التي تفجرت في الشوارع المصرية قبل نحو ثلاثة عقود، والمتمثلة في ما بات يعرف بـ'تحرش العيد الجماعي'.
إنها الظاهرة التي بدأت خلال منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، تحديداً عام 2006. في أول أيام عيد الأضحى، شهدت شوارع وميادين في القاهرة حالات من التحرش الجماعي، إذ أقبلت جموع من الشباب، لكن معظمهم صبية وأطفال على التحرش بفتيات نهاراً جهاراً، رغم الوجود الأمني في الشوارع. بعدها، تحول التحرش الجماعي إلى ما يشبه بنداً من بنود الاحتفال بالأعياد.
وأصبحت قائمة ما ينبغي عمله في العيد، شراء ملابس جديدة وتناول الكعك في عيد الفطر واللحوم في عيد الأضحى، والاتفاق مع الأصدقاء على اجتياح ميادين وشوارع وسط القاهرة للاحتفال أو دخول السينما، واختيار أفضل الأماكن المتاحة للتحرش اللفظي والجسدي بمن يتصادف وجودهن من الطفلات والبنات والنساء.
استمر 'التحرش الجماعي' كظاهرة احتفالية بالعيد بين فئة بعينها من الصبية والشباب لبضعة أعوام قبل أن تُطوق عبر إجراءات عدة اتخذتها الحكومات المتعاقبة، بين تشديد الوجود الأمني وتخصيص قوات بعينها، وبينها ضابطات من النساء لمواجهة ما يجري، إضافة إلى قدر من التوعية بالتحرش، وإن شابت طرق تناول 'الآفة' كثير من السموم في عسل التوعية.
عسل التوعية دأب على مزج تأكيد المؤسسات الدينية الرسمية على أن التحرش حرام شرعاً ومجرم قانوناً، مع تأكيد ضرورة احتشام الأنثى وارتداء الحجاب 'الشرعي'، وإن كانت 'ملابس المرأة' تبرير غير مقبول. بمعنى آخر، الإصرار على الزج بملابس المرأة في كل حديث عن التحرش يغرس في العرف والذاكرة والمخزون المعرفي أن التحرش مرتبط بصورة أو بأخرى بما ترتديه المتحرش بها.
عسل آخر استساغه المجتمع وهضمه وأدمنه على مدار عقود، يكمن في وضع الفقر على رأس قائمة مسببات التحرش. أعوام طويلة، ومحللون وخبراء وأساتذة علم اجتماعي يستهلون دراسات وجهود تحليل ظاهرة التحرش بالإشارة إلى الفقر، واعتباره العامل الأول أو المؤثر أو المحدد لوقوع الإناث تحت طائلة الذكور الفقراء. بل ذهب بعضهم في دراسات موثقة خلال التسعينيات ومطلع الألفية إلى القول إن الذكور الفقراء يتوجهون إلى المناطق الراقية بغرض التحرش ببنات ونساء الطبقة الغنية!
أستاذة علم الاجتماع ملك رشدي كانت من أوائل من تنبهوا إلى انتقال ظاهرة التحرش في مصر من حيز 'معاكسات' زمان، المتمثلة في تشبيه المتحرش بها بالقمر أو القشدة أو الزبدة، وفي حال تطور الأمر لما هو أكثر من ذلك، تجمع المارة حول المتحرش لتلقينه درساً حماية للأنثى المتحرش بها، دون وضع شروط مسبقة لكود الملابس التي ترتديها، وتوقيت ومكان وجودها قبل الدفاع عنها إلى فضاء الذكورية المأزومة.
ضمن ورقة أطلقها 'المركز المصري لحقوق المرأة' (جمعية حقوقية) قبل نحو عقدين، ذكرت رشدي أن التحرش بالنساء أصبح أداة يستخدمها بعض الرجال والشباب لإثبات ذكورتهم التي تغير مفهومها عما كانت عليه في الماضي. في الماضي، كان الرجل يتحلى بصفات الشجاعة والمسؤولية والإقبال على حماية المرأة من الخطر. أما خلال الوقت الراهن، بات المفهوم مرتبطاً فقط بالجنس وقدرات الرجل الجنسية. وأضافت أن المجتمع أصبح 'ذكوراً صرفاً لدرجة أنه يمحي وجود المرأة في مجالات عدة، وكأنها خلفت فقط من أجل خدمة الرجل. ويقوم التحرش الجنسي بالأنثى على التهديد والاستفزاز والعدوانية وإدمان فكرة السيطرة، وكل هذا في مناخ عام يهيئ وييسر تحقق ما يبتغيه الذكر المأزوم.
الذكر المأزوم ومعه المجتمع المأزوم جداً، لم يعد الجانب الأكبر منه ينتفض لدى تعرض أنثى للتحرش. إن كانت غير محجبة فالسبب عدم حجابها، وإن كانت محجبة فعليها الإمعان أكثر في الحشمة، وحبذا لو النقاب. ولو منتقبة، فربما عليها مزيد من الطبقات، وإن جاهرت فهي عديمة الحياء. وإن أصرت على المجاهرة، فهذا يعني بالضرورة أنها 'شمال' (سيئة السمعة)، ولا تعنيها سمعتها. وإن أصرت على تصعيد الأمر للشرطة ثم القضاء، فشهود العيان حاضرون لتأكيد أن 'المتحرش' إما فقير مسكين أو عازب محروم أو متزوج، ولكن 'المجرمة' تعمدت إثارته، وما الذكر إلا هرمونات مسلوبة الإرادة.
يُشار إلى أن أجيالاً بأكملها خرجت إلى الحياة وهي تعتقد أن التحرش بغير المحجبة واجب، وإلقاء لوم التحرش على المتحرش بها إلزامي، واعتبار التحرش مسؤولية المتحرش بها تديناً والتزاماً وحفاظاً على المجتمع المتدين بالفطرة.
وقوى من دعائم هذه الفئة المأزومة في المجتمع خطاب ديني يعضد هذا الاتجاه، إن لم يكن يزرعه ويعمل على ترعرعه وانتشاره، لا سيما أنه يدغدغ في معظمه مشاعر الرجل البدائية، ويتقن الدق على وتر زرع الخوف وتأنيب الضمير جراء التقصير في الدين بالنسبة إلى المرأة.
حين تنمو أجيال، وتنجب أجيالاً جديدة على دعائم أن 'المرأة مصرف لشهوات الرجل' وأن ضرب الزوج لزوجته جائز ولكن بشروط، مع الإسهاب في وصف المقومات الجسدية للحور العين اللاتي سيجري تخصيصهن في الجنة للرجال المؤمنين، مع تراوح العدد المخصص لكل مؤمن بين اثنتين ومئة ويزيد بحسب تفسيرات مشايخ ودعاة، وغيرها كثير، تصبح البيئة العامة في المجتمع مهيأة تماماً لـ'قلب الآية' حين يتعلق الأمر بالتحرش، إذ يصبح المتحرش ضحية والمتحرش بها جانية.
يشار كذلك إلى أن الخبراء والعلماء أفرطوا في الربط بين ضيق ذات اليد، ومن ثم عدم القدرة على الزواج، وبين التحرش، وهو مخرج آخر لتبرئة ساحة المتحرش. وعلى رغم غياب إحصاءات توضح نسبة المتحرشين المتزوجين وغير المتزوجين، فإن عدداً من حالات التحرش التي يعلن عنها بطلها متحرش متزوج وأب، بل وتذهب جيوش الدفاع عنه إلى استخدام عبارة 'الرحمة. إنه متزوج ولديه أبناء'، وذلك بهدف حمايته.
اللافت في وقائع حملة 'هل تحرشت اليوم؟' الموجهة إلى صاحب حملة 'هل حضنت ابنتك اليوم؟' وراعي مساحات الفضفضة والونس والآيس كريم وعروض التنورة هو خفوت صوت جيوش الدفاع عن المتحرشين. الأسباب كثيرة، فبين صدمة طوفان المجاهرة وتعدد الأصوات والتأكد من صدقية وحقيقية صاحبات وأصحاب الحسابات العنكبوتية من المجاهرات والمجاهرين بالتعرض لتحرشه، وهو ما يصعب عليهم مهام التشكيك في الصدقية، إضافة إلى أن عدداً من الإناث محجبات، وهو ما ينفي عنهن 'تهمة' التبرج وتعمد الإثارة ومراوضة 'المسكين' عن نفسه (وذلك بحسب معايير الأيزو المصرية الحديثة)، وكذلك نبرة الثقة وعدم الخوف التي تطغي على المجاهرات، وقدراتهن التعبيرية الفائقة لشرح ما تعرضن له، لا سيما أن جزءاً معتبراً منهن كاتبات أو منتميات للوسط الأدبي والصحافي، وهو ما يسد فجوات تسلل محترفي الهجوم اللفظي المعتمد على نعوت الوصمات المتعلقة بالشرف والفضيلة على سبيل ترهيب الضحايا، ما زالت هذه الجيوش تلملم أفكارها، وتجمع خطط الهجوم الكلاسيكية لإعادة رمي كرة 'وإيه إللي وداها هناك؟' (ما الذي دفعها إلى الذهاب هناك؟') في مرمى الضحية.
الأمارات الأولى بدأت في الظهور، لكن هذه المرة، وأمام طوفان المجاهرات الجماعية المتمكنة من مواقفها والواثقة في قدراتها وغير المعرضة للكسر أمام هجمة متلحفين بالدين هنا أو مشهرين أسلحة معايير الملابس والصوت والتوقيت ومعها 'جهاد الهاها'، آثرت الجيوش الدفاعية اللجوء إلى تكتيك مراجعة أصول التربية، وإعادة النظر في أساسات العادات والتقاليد، وإعادة هيكلة المجتمع بصورة عامة لضبط الزوايا.
الطريف أن كل ما سبق صبّ كذلك في ملعب الإناث. فالحديث الدائر عن تربية الإناث، والذكور مستثنون، وأساسات العادات والتقاليد المقصودة هي تلك التي تتناول البنات والنساء والمسموح والممنوع، أما الأولاد والرجال، فلا حرج عليهم أو عادات أو تقاليد.
من جهة أخرى، أظهرت تفاصيل طوفان المجاهرة هذه المرة، وردود الفعل بما فيها جانب من تلك المدافعة عن المتحرش بهن وبهم، إن مفهوم التحرش ما زال مبهماً، والفهم قاصراً أو مجتزئاً. نسبة معتبرة عكست في تعليقاتها اعتقاداً راسخاً بأن التحرش الجنسي يقتصر على إما اللمس أو الاعتداء الجسدي أو الاغتصاب. بمعنى آخر، أظهر بعضهم تعجبه من أن يكون 'التحرش اللفظي' أو بالنظر أو الإلكتروني تحرشاً من الأصل، وبينهم من قلل منه مقارنة بالاغتصاب.
وقد بدأت مقترحات تدقّ على وتر 'نقص الوازع الديني' باعتبارها السبب الوحيد للتحرش. مطالبات بتعميم مبادرة الكتاتيب، وأخرى بتوسيع قاعدة التعليم الديني، وثالثة بمزيد من مزج وزارات التربية والتعليم، والشباب والرياضة، والثقافة، والإعلام، والتضامن الاجتماعي وغيرها بالمكون الديني، على اعتبار أن مزيداً من العبادات والمساجد والكتاتيب يعني حماية المجتمع.
وزارة الأوقاف المصرية تنشر بين الحين والآخر مواد 'توعوية' عن التحرش. الوزارة أكدت عبر منشور على صفحتها الرسمية أن المتحرش يعاني حتماً اضطرابات نفسية وشخصية، وقد يكون لديه ضعف في ضبط الانفعالات والتحكم في الرغبات. وقد يقبل الشخص على التحرش بسبب الشعور بالنقص وقلة الثقة بالنفس، فيكون التحرش وسيلته لتعويض نقصه. وأشارت إلى احتمالات تعرض المتحرش نفسه لتجارب سابقة مؤلمة أو تعنيف جسدي أو نفسي، ومنها ما يؤيد إلى سلوكات عدوانية.
وزارة الأوقاف أشارت أيضاً إلى ضرورة عمل تقييم نفسي للمتحرش، واختيار سبل العلاج المناسبة لكل حالة من علاج دوائي أو تعديل سلوكي معرفي أو الأسري أو الجماعي.
سيكولوجية المتحرش – أي متحرش- قابلة للتحليل من قبل علم النفس 'الحقيقي' من دون إضافات، أي من دون إضافة عوامل ثقافية مبررة، أو شماعات دينية مخلصة، أو توزيع اتهامات بعضها محلي إذ تصبح الضحية جانية، وبعضها الآخر عابر للحدود حين تجد الثقافة الغربية نفسها مسؤولة عن تحرش 'سيد' بـ'شيماء'.
في دراسة لاختصاصية علم النفس السريري الأميركية إلين هندريكسون للتحرش عنوانها 'أربع سمات نفسية للمتحرش جنسياً'، تقول إن السمة الأولى تسمى 'الثالوث المظلم' وتتجمع فيها ثلاث سمات في سمة واحدة، النرجسية والسيكوباتية والمكيافيللية. تشير إلى أن السمتين الأولى والثانية معروفتان، فالنرجسية هي نظرة ذاتية مبالغ فيها لمواهب الشخص، مصحوبة بانعدام التعاطف وحاجة ملحة لنيل الاستحسان.
وتقول إن الشخص النرجسي دائماً يجد ما يبرر تحرشه الجنسي، ويصعب عليه استيعاب فكرة أن شخصاً ما قد لا يرغب في دعوته أو محاولته ذات الطابع الجنسي. والسيكوباتيون لديهم ميل جريء للهيمنة مع اندفاع شديد ربما يصل للعدوانية، لكنهم قد يكونون أيضاً بارعين في التظاهر بمشاعر مناسبة لضحاياهم وحاجاتهم بهدف الإيقاع بهم. أما المكيافيللية، فتقوم على الخداع، إذ يركز المتحرش على تحقيق أهداف طويلة الأمد مهما كلفه الأمر من جهد وتخطيط.
يشار أن المقصود في حملة 'هل تحرشت اليوم؟' أمضى ما يزيد على عقد ونصف العقد – في الأقل على الأثير العنكبوتي- وهو يقدم 'مساحات الفضفضة' و'فضاءات الونس' والآيس كريم لمعارفه وغير معارفه، دون كلل أو ملل.
والسمة الثانية في سيكولوجية المتحرش هي 'الانفصال الأخلاقي'، ويبرر بها المتحرش فساده الأخلاقي ويقدم نسخته الخاصة من الأخلاق أو الواقع بصورة يستثني نفسه من الخضوع للمبادئ الأخلاقية المتفق عليها.
وتوضح هندريكسون أن الانفصال الأخلاقي درجات ومراحل، فهناك التبرير الأخلاقي لأفعاله مثل وصف الفعل بأنه كان حائزاً على قبول الطرفين، والتسميات الملطفة مثل تسمية الفعل 'مواعدة' أو 'لقاء' (وفي حالة المتحرش المقصود هنا، مساحة فضفضة، وفضاء ونس، وعزومة آيس كريم). ويلجأ المتحرش كذلك إلى تكنيك إزاحة المسؤولية، مثل القول إن هذا أمر متبع ومعتاد، أو أن الظروف في هذا الوقت كانت مهيأة لذلك. وأخيراً، يعد تكنيك إلقاء اللوم على الضحية الأسهل والأشهر، بدءاً بالإشارة إلى ملابسها، مروراً بكذبها، وانتهاء بتبرير وجودها في توقيت ومكان بعينهما دليلاً على الرغبة وعدم الممانعة.
السمة الثالثة أن المتحرش يكتسب جرأة أكبر في المجتمعات أو أماكن العمل التي يهمين عليها الذكور، أو الثقافة الذكورية.
والسمة الرابعة هي البيئات أو المجتمعات المعادية للمرأة. اللافت أن هندريكسون توضح أنه لا يوجد مجال يمكن وصفه بالحياد التام أو الموضوعية الكاملة، بما في ذلك علم النفس، ويعود ذلك في معظمه إلى أن البحوث تجرى بواسطة البشر، ويتأثر هؤلاء البشر بثقافتهم وتحيزات مكانهم وزمانهم، ويستخلصون النتائج بناءً عليها.
غالب الظن أن ملف صاحب فضاءات الونس والفضفضة و'هل حضنت ابنتك اليوم؟' سيخضع هو الآخر لتفسيرات وتحليلات وعلاجات ومواجهات متأثرة بالبيئة والثقافة والخطاب السائد في مصر. في الوقت نفسه، يؤمن بعضهم بنظرية التأثير التراكمي.
تواتر مجاهرة المتحرش بهن وبهم، وتصاعد الرغبة والقدرة والإقبال على الحديث عما يجري لا خلف أبواب العمل والعلم والبيوت المغلقة فحسب، أو في الشوارع المتصالحة مع إهانة النساء، ولكن أيضاً في دواخل 'الإنبوكس' والمهازل التي تجري فيه.
يشار إلى أن التحرش الجنسي عبر 'الإنبوكس' من الأكثر حدوثاً وتكراراً، ويُقصد به اقتحام خصوصية هذه المساحة بعيداً من النشر أو التعليق على الملأ، وإرسال رسائل نصية، أو صور أو فيديوهات، أو طلبات، أو نكات خارجة، أو دعوات منها ما هو جنسي صريح، ومنها ما يتستر تحت بند الونس والفضفضة، أو دعوات الانضمام لحركة تغيير العالم بفعل العيون الساحرة والملامح الفاتنة ونبرة الصوت الحالمة.


































