اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ٢٧ أذار ٢٠٢٦
لم يكن رحيل بعض الكُتّاب مجرد خبر عابر في نشرات المساء، بل يشبه انطفاء مصباح ظلّ لسنوات يضيء زوايا معتمة في الوعي العام، هكذا بدا خبر وفاة الكاتب والمثقف سمير غريب، الذي غادر الحياة تاركًا خلفه مسيرة ثرية امتدت عبر عقود من العمل الثقافي والفكري، كان خلالها شاهدًا ومشاركًا في تحولات المشهد الثقافي المصري والعربي.
ينتمي الراحل إلى جيل من المثقفين الذين لم يكتفوا بالكتابة بوصفها فعلًا إبداعيًا، بل اعتبروها مسؤولية أخلاقية وموقفًا من العالم، فقد تنوعت إسهاماته بين النقد الثقافي والعمل الصحفي والإدارة الثقافية، حيث شغل مواقع مؤثرة داخل مؤسسات ثقافية بارزة، وأسهم في صياغة خطاب ثقافي حاول أن يوازن بين الأصالة والتجديد، دون أن يقع في فخ الشعارات أو التبسيط.
وعُرف سمير غريب بقدرته على قراءة التحولات الاجتماعية والثقافية بوعي نقدي، حيث لم يتردد في طرح الأسئلة الصعبة حول دور الثقافة في زمن التغيرات المتسارعة، وقد انعكست هذه الرؤية في مقالاته وكتاباته التي اتسمت بالعمق والوضوح في آن واحد، ما جعله صوتًا مميزًا داخل المجال الثقافي.
كما ارتبط اسمه بالعمل المؤسسي، إذ لعب دورًا في إدارة عدد من الكيانات الثقافية، وأسهم في دعم الفنون والآداب، خاصة السينما، التي كانت أحد مجالات اهتمامه البارزة، فقد كان من المؤمنين بأهمية الفن بوصفه وسيلة لفهم الواقع وإعادة تشكيله، لا مجرد وسيلة للترفيه.
ومع إعلان وفاته، عبّر عدد كبير من المثقفين والكتّاب عن حزنهم لفقدان أحد الأصوات التي حافظت على قدر من التوازن في خطابها، في وقت شهدت فيه الساحة الثقافية كثيرًا من الاستقطاب والتوتر، وأشاروا إلى أن غيابه لا يمثل خسارة شخصية فقط، بل يفتح فراغًا حقيقيًا في مساحة الحوار الثقافي الجاد.
ورغم أن الموت يضع نهاية بيولوجية لمسيرة الإنسان، فإن أثره الفكري يظل ممتدًا في الذاكرة الجمعية، وهو ما ينطبق على تجربة سمير غريب، التي ستبقى حاضرة في كتاباته ومواقفه، وفي كل محاولة جادة لفهم دور المثقف في مجتمعه.
رحل الجسد، لكن الأسئلة التي طرحها، والرؤية التي دافع عنها، لا تزال قائمة، وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق للغياب: أن يترك صاحبه ما يجعل حضوره ممتدًا، حتى بعد أن ينسحب بهدوء من صخب العالم.


































