اخبار مصر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٥ تشرين الثاني ٢٠٢٥
يتبقى على انعقاده أيام ومراقبون: أجندتان لإعادة الإعمار الأولى منبثقة عن القمة العربية الإسلامية وتتبناها القاهرة والثانية خطة ترمب ومصر تبحث عن الموازنة بين الرؤيتين
في أجندة النقاشات الدولية حول مستقبل قطاع غزة يبدو ملف إعادة الإعمار مؤجلاً، فالحديث يدور عن نزع سلاح 'حماس' وتشكيل مجلس السلام وقوة السلام الدولية، ويظهر من بعيد الإعمار نتاجاً لكل تلك الخطوات، في حين أنه من المقرر عقد مؤتمر دولي لحشد تمويل المانحين للإعمار خلال الشهر الجاري الذي مضى ثلثاه من دون تحديد موعد محدد للمؤتمر من جانب البلد المضيف مصر، التي تعقد المؤتمر بالتعاون مع السلطة الفلسطينية والأمم المتحدة.
وبحسب دبلوماسي غربي في القاهرة تحدث لـ'اندبندنت عربية'، شريطة عدم ذكر اسمه، فقد أبلغت الخارجية المصرية البعثات الدبلوماسية أنه جرى تحديد موعد مبدئي لمؤتمر إعمار غزة هو الـ29 والـ30 من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري.
وحتى الآن لم يعلن رسمياً موعد أو أجندة أو مستوى الحضور في المؤتمر، لكن الدبلوماسية المصرية تبدو نشطة في الترويج والحشد له، من خلال اتصالات مكثفة لوزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي مع عدد من المسؤولين الدوليين، مثل كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إضافة إلى التنسيق مع السلطة الفلسطينية عبر اتصالات متكررة بين عبدالعاطي ونائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ.
بعد أيام من توقيع اتفاق وقف الحرب في مؤتمر السلام في شرم الشيخ، أعلن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي اعتزام بلاده استضافة مؤتمر دولي لحشد التمويل لإعادة إعمار قطاع غزة في نوفمبر (تشرين الثاني)، وكلف الحكومة دراسة إنشاء آلية وطنية لجمع مساهمات وتبرعات المواطنين المصريين لتمويل عملية إعادة الإعمار.
وعلى رغم أن الحديث عن إحياء غزة المدمرة 'لصالح سكانها الذين عانوا ما فيه الكفاية' كان البند الثاني من خطة ترمب المؤلفة من 20 بنداً، وأعلنت في سبتمبر (أيلول) الماضي، إلا التفاؤل الذي ساد المشهد بتوقيع اتفاق شرم الشيخ في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) سرعان ما تبدد بتبادل الاتهامات بين إسرائيل و'حماس' بالتباطؤ في تنفيذ التزاماتهما، مما عرقل حتى الآن الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة السلام، التي تنص على تشكيل مجلس لإدارة القطاع، ونزع سلاح 'حماس' تمهيداً للبدء في إعادة الإعمار.
ومع اقتراب الموعد المقرر لمؤتمر الإعمار تبدو المهمة صعبة في توفير الظروف السياسية المواتية لنجاحه، بالنظر إلى عدم حسم كثير من الملفات العالقة، وهو ما قد ينعكس على مستوى التعهدات التمويلية في حال عقد المؤتمر خلال الأيام المقبلة بالفعل، وذلك وفق خبراء تحدثت إليهم 'اندبندنت عربية'.
يربط أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر في غزة أيمن شاهين ملف إعادة الإعمار بكل الخطوات الأخرى المتعقلة بمستقبل القطاع، معتبراً أنها عملية متكاملة يجب أن تتوافق مع قرار مجلس الأمن الأخير، مشيراً إلى أن القرار ليس مجرد نصوص كلامية، بل يحدد جوانب إجرائية واضحة تشمل الإدارة السياسية والأمنية والخدماتية في القطاع.
وينص القرار 2803، الذي أقره مجلس الأمن مساء الإثنين الماضي، على تشكيل مجلس للسلام في قطاع غزة، له سلطة إنشاء كيانات تشغيلية لها شخصية قانونية دولية، ومن بين مهماتها 'إعادة إعمار غزة وبرامج التعافي الاقتصادي'. وحدد القرار مدة ولاية مجلس السلام بأنها تمتد حتى نهاية عام 2027، وقد تجدد بقرار من مجلس الأمن الدولي.
وأضاف شاهين، لـ'اندبندنت عربية'، أن مجلس السلام الذي سيترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، سيكون الجهة المشرفة على إدارة غزة، إلى جانب تشكيل لجنة إدارة غزة والقوة الدولية، موضحاً أن هذه الهياكل ستتولى مسؤولية الخدمات المالية والإدارية اليومية، فضلاً عن حماية السكان ونزع سلاح حركة 'حماس' والتنظيمات المسلحة.
وأشار إلى أن ملف إعادة الإعمار مرتبط بصورة مباشرة بهذه الخطوات السياسية والأمنية، مؤكداً أن القوى المانحة الفاعلة مثل الاتحاد وبعض الدول العربية لن تقدم مساهمات مالية كبيرة إلا بعد ضمان تطبيق هذه الخطط، بما في ذلك انتقال حقيقي للسلطة إلى إدارة جديدة في غزة، لأنها تريد أن تسهم في إعمار مستدام لغزة، ولا يدخل القطاع دوامة أخرى من العنف يدمر ما تم بناؤه على غرار الحروب السابقة في 2008 و2012 و2014 و2021.
وأكد شاهين أن تشكيل 'مجلس السلام' ووصول القوة الدولية إلى غزة، المتوقع في يناير (كانون الثاني) المقبل، يمثلان خطوات أساسية لضمان نجاح أي مؤتمر دولي لإعادة إعمار القطاع، مشدداً على أن النجاح لا يعتمد على موعد انعقاد المؤتمر، بل على جاهزية الدول المشاركة واستعدادها للمساهمة الفعلية في الإعمار.
وأوضح شاهين أن هناك خطة بديلة لإعادة الإعمار في المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، التي تمثل نحو 55 في المئة من مساحة القطاع، في حال رفضت 'حماس' الانصياع للنظام السياسي والأمني الجديد. لكنه توقع أن 'حماس' لن ترفض الحل السياسي، وأنه سيكون هناك صيغة تفاوضية لإخراج الحركة من مربع الحكم، وتسليم مهمات الإدارة للجهات الجديدة.
وترفض مصر سيناريو تقسيم القطاع، إذ أكد وزير الخارجية المصري في حوار لصحيفة 'لا ريبوبليكا' الإيطالية رفض مصر الكامل لأية محاولة لتقسيم قطاع غزة أو تهجير الفلسطينيين، وشدد على أن الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية يعد ركيزة أساسية لأي حل عادل ودائم وشامل.
تهديد تهجير الفلسطينيين الذي لا يزال حاضراً في الخطاب المصري ربما كان الدافع الأكبر لأن تأخذ مصر على عاتقها ملف إعادة الإعمار منذ المراحل الأولى للحرب، إذ قدمت خطة للتعافي المبكر وإعادة الإعمار بكلفة 53 مليار دولار، خلال القمة العربية في القاهرة في مارس (آذار)، تحولت إلى خطة عربية إسلامية بعدما تبنتها جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وأعلن الاتحاد الأوروبي ودول كبرى مثل روسيا والصين واليابان دعمها للخطة. وتلا ذلك أنباء عن استعداد مصر لاستضافة مؤتمر دولي على المستوى الوزاري لحشد التمويل في أبريل (نيسان) إلا أن تصاعد العمليات العسكرية دفع القاهرة إلى تأجيله لما بعد وقف إطلاق النار.
وخلال حديث الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الشهر الماضي عن إعادة الإعمار، شدد على أن ذلك سيتم من دون تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، كما يؤكد وزير الخارجية المصري على ذلك في تواصله مع المسؤولين الدوليين وفي حديثه للإعلام الدولي.
ويعتقد مساعد وزير الخارجية المصري السابق للشؤون العربية السفير طارق عادل أن مؤتمر المانحين لغزة يأتي كجزء من التزام المجتمع الدولي بدعم الشعب الفلسطيني وتعزيز صموده على أرضه، مما يؤكد المواقف العربية والدولية المعلنة رفض أطروحات التهجير بصورة قاطعة.
وتجدد الحديث عن مواصلة محاولات تهجير الفلسطينيين بعد وصول 153 فلسطينياً إلى جنوب أفريقيا قادمين من مطار رامون الإسرائيلي الأسبوع الماضي، في رحلة وصفت بالغامضة وكشفت الصحافة الإسرائيلية عن أن شركات تقف وراءها عبر إغراء أهالي غزة بحياة أفضل خارج القطاع المدمر، في مقابل 1600 دولار للشخص.
وتعد الخطة التي قدمتها مصر في مارس (آذار) الماضي الأساس لتصور السلطة الفلسطينية لإعادة الإعمار بكلفة قدرها 67 مليار دولار، تنفذ خلال خمس سنوات، وفق تعبير رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى خلال مؤتمر إعلان خطة السلطة في أكتوبر الماضي.
ويرى مساعد وزير الخارجية المصري السابق السفير أيمن زين الدين، أن مهمة إعادة الإعمار تبدو معقدة وضبابية، معتبراً أن المشكلة الأكبر تتمثل في الهيكل التنظيمي للأمر، ومشيراً إلى احتمالية تعثره بسبب تضارب المصالح والرؤى بين الأطراف المتوقع مشاركتها فيه ومن بينها قوى فلسطينية.
وقال زيد الدين، لـ'اندبندنت عربية'، إن واشنطن وتل أبيب وبعض القوى الغربية تتمسك بآلية دولية ضمن 'خطة ترمب' للانخراط في عملية الإعمار تحت تنظيم دولي خارج القوى الفلسطينية على أن تكون مصر جزء منه. وأشار إلى الخلاف الآن يتمحور حول المناطق التي ستطاولها عملية الإعمار، في ظل سيطرة إسرائيل على أكثر من 50 في المئة من أراضي غزة.
ويعتقد زين الدين أن هناك قوة دفع وراء المبادرة الأميركية تسحب البساط من التحركات المصرية نحو مؤتمر القاهرة لإعادة الإعمار، الذي نتج من القمة العربية الإسلامية، موضحاً أن هناك أجندتين لإعادة الإعمار، الأولى المنبثقة عن القمة العربية الإسلامية وتتبناها مصر والثانية خطة ترمب، منوهاً إلى أن القاهرة تبحث عن الموازنة بين الرؤيتين للتقدم في إعادة الإعمار بما يحقق مصالح الفلسطينيين، لافتاً إلى أن إقرار مجلس الأمن للمشروع الأميركي في شأن نشر 'قوة دولية' في غزة من المفترض أن يعالج احتياجات كل سكان غزة وليس المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل فقط.
كذلك أوضح السفير طارق عادل أن انعقاد مؤتمر المانحين لإعادة إعمار غزة في هذا التوقيت يعد خطوة ضرورية، بخاصة بعد حرب استمرت عامين، وما خلفته من دمار واسع يتطلب جهوداً مركزة لإعادة الإعمار والتعافي المبكر، مشدداً على أن الشعب الفلسطيني في غزة في أمس الحاجة إلى كل أشكال الدعم والمساعدات.
وأشار عادل إلى أن الأوضاع في غزة ما زالت تتسم بدرجة كبيرة من التوتر وعدم الوضوح، وعلى رغم استمرار وقف إطلاق النار، فإن الوضع لم يحسم بالكامل، واستدرك أن عدم توافر الظروف المثالية لانعقاد المؤتمر لا يعني تأجيله، قائلاً إن خطة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب تضمنت نصاً واضحاً في شأن مؤتمر لإعادة الإعمار، مما يعكس أهمية المسار الدولي في دعم غزة.
وحول تساؤلات في شأن دور الدول المشاركة، ولماذا يبرز الصوت المصري أكثر من غيره، أوضح أن 'مصر باعتبارها الدولة المستضيفة للمؤتمر فمن الطبيعي أن يكون صوتها هو الأعلى، وهذا لا ينفي اهتمام الدول الأخرى أو مشاركتها الفاعلة'.
وخلال الحروب السابقة التي شهدتها غزة نظمت مصر مؤتمرات عدة لإعمار القطاع، كان أولها في مارس 2009، حين اجتمعت 75 دولة في شرم الشيخ، وخرج المؤتمر بتعهدات تقدر بنحو 5 مليارات دولار، كما تعهد المشاركون في مؤتمر القاهرة عام 2014 بتقديم 5.4 مليار دولار.
وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون العربية السابق أنه خلال مرحلة التحضير لمثل تلك المؤتمرات تجرى مشاورات مكثفة لتحديد حجم المساهمات المالية من الدول المانحة، وجدول الدفعات، والخطط الزمنية لصرفها، لافتاً إلى أن التحضير لمؤتمر بهذا الحجم يتطلب اتصالات واسعة وتنسيقاً دقيقاً، وهو ما يجري بالفعل في الوقت الحالي.
وتوقع أن المؤتمر سيحظى بأهمية دولية كبرى، وأن دوره لن يقتصر على مصر فقط، بل ستسهم فيه الدول المهتمة بالقضية الفلسطينية، وكل الأطراف الوسيطة الداعمة لجهود إعادة الإعمار.
وتصل نسبة الدمار في قطاع غزة إلى نحو 84 في المئة، وفي بعض مناطق القطاع، مثل مدينة غزة، تصل النسبة إلى 92 في المئة، وفق تصريحات جاكو سيليرز، الممثل الخاص لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي للفلسطينيين في أكتوبر الماضي، وذلك نتيجة إلقاء إسرائيل أكثر من 200 ألف طن من المتفجرات على غزة منذ بدء الحرب وفقاً لمكتب الإعلام الحكومي في القطاع، مما أدى إلى خسائر تقدر بـ70 مليار دولار.


































