اخبار مصر
موقع كل يوم -صدى البلد
نشر بتاريخ: ١٠ تشرين الأول ٢٠٢٦
سعدت كثيرًا بفوز نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام، وهي سيدة تستحق الاحترام والتقدير، تحمل وراءها رحلة طويلة بدأت من جنوب أفريقيا، حيث عرفت بلادها مرارة الفصل العنصري، ثم عملت في القضاء الدولي، وترأست لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة، وهو التقرير الذي رفضته إسرائيل. وفي الخامسة والثمانين، ما زالت تدافع عن حق الضحايا في أن تُسمع شهاداتهم، وأن يخضع المسئولون عن معاناتهم للمساءلة.
ولكن قبل أن تكتمل فرحتنا بهذا الفوز، فوجئنا بقرار غريب يصدر بفرض عقوبات أمريكية على المحكمة الجنائية الدولية.
ساعات قليلة جمعت المشهدين، ووضعت أمام العالم سؤالًا صعبًا: كيف ندافع عن العدالة، ثم نعاقب مؤسساتها حين تقترب من أصحاب النفوذ؟
أقدّر في بيلاي شجاعتها وتمسكها بالعدالة، وقدرتها على حمل هذه المسئولية طوال سنوات عمرها، فمن السهل أن نتحدث عن حقوق الإنسان، لكن الاختبار الحقيقي يأتي حين يصبح الدفاع عنها مكلفًا، وحين يكون المطلوب أن تصمت أو تعاقب.
أعرف أن جائزة نوبل لن تعيد طفلًا إلى أمه، ولن تبني بيتًا هدمته الحرب، لكن تكريم هذه السيدة يمنحنا أملًا في أن جرائم الحرب لن تُطوى بالنسيان، وأن من ارتكبوها قد يقفون يومًا أمام قاضٍ، مهما كانت مناصبهم أو قوة من يساندونهم.
وهنا يصبح استقلال القضاء أساسًا لكل أمل في العدالة، فالقاضي الذي يفحص الأدلة ويسمع الشهادات يجب أن يكون مطمئنًا إلى أن قراره تحكمه الأوراق والقانون، وأنه لن يُعاقب لأن النتيجة لم ترضَ حكومة أو مست مصالح حليف.
المفترض في الحكومات أن تحترم استقلال القضاء في بلادها، فكيف تمنح حكومة نفسها حق التدخل في القضاء الدولي؟ هذا القرار يعني، في تقديري، أن الولايات المتحدة تفرض وصايتها على المحكمة، وتضغط على قدرتها على العمل، والمفروض انها مستقلة، تحاسب المسئولين عن الجرائم دون أن تستأذن أصحاب النفوذ.
ما يحدث في العالم يحتاج إلى مناقشة، ويحتاج إلى تفسير، كيف نطالب الناس باحترام القانون، ثم نحاصر المحكمة حين تسعى إلى تطبيقه؟ وأي رسالة تصل إلى الضحايا حين يرون أن طريق العدالة يواجه عقوبات تفرضها دولة تتحدث عن العدالة؟
بيلاي تستحق التكريم، ويستحق المبدأ الذي دافعت عنه حماية حقيقية.
وسيأتي موعد تسليم الجائزة، وتُلقى الكلمات، وتلتقط الكاميرات صور الاحتفال. وسيبقى السؤال: هل يملك العالم الشجاعة لحماية استقلال العدالة كما يكرم من يدافعون عنها؟


































