اخبار مصر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١ تموز ٢٠٢٦
رسوب أعداد كبيرة من الطلاب بالمدارس الدولية في مواد اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والتربية الدينية
أثارت أزمة ارتفاع نتائج الرسوب لطلاب المرحلة الإعدادية بمواد الهوية القومية، (اللغة العربية، والدراسات الاجتماعية، والتربية الدينية) في المدارس الدولية بمصر أخيراً، جدلاً واسعاً في الأوساط التعليمية، وسط استغاثات من أولياء الأمور للمطالبة بتطبيق 'الرأفة' على أبنائهم ومراجعة آليات التطبيق كونها لم تراع طبيعة الطلاب الذين تلقوا تعليمهم لأعوام بلغات أجنبية. وذلك بعدما اكتشفت لجان المراجعة بوزارة التربية والتعليم مخالفات جسيمة في 12 مدرسة من أصل 600 على مستوى الجمهورية بحصول بعض الطلاب على درجات نجاح وصلت إلى مئة في المئة على رغم خلو أوراق الإجابة من أي إجابات.
وبينما يصف فريق مؤيد تلك الخطوة بأنها 'تعيد الانضباط التعليمي، وتعزز قيم الانتماء والولاء للوطن، وتقلّص الفجوة بين الأنماط والأنظمة التعليمية'، يراها آخر معارض بأنها 'غير مدروسة وطبقية وتفتقر للعدالة التعليمية وليست موائمة للتطبيق الفعلي وتفتح الباب لتوسّع الدروس الخصوصية'.
لم تلق تبريرات متحدث وزارة التعليم بمصر شادي زلطة، خلال تصريحات تلفزيونية أخيراً، بأن الإجراءات 'تهدف لضبط منظومة الاختبارات وضمان حصول كل طالب على حقه الحقيقي وفقاً لمستواه الفعلي، آذاناً مُصغية لدى هاني أبو النجا، ولي أمر طالبة بالمرحلة الإعدادية في إحدى المدارس الدولية. واصفاً الإجراء بأنه 'غير منصف، ويثير القلق والإحباط'.
يقول أبو النجا، خلال حديثه إلى 'اندبندنت عربية'، 'فوجئت برسوب ابنتي في مادة الدين وحصولها على مجموع 61 في المئة ونجاحها في بقية المواد الأخرى'. متسائلاً 'هل يُعقل أن نحاسب طالبة تدرس مناهجها باللغات الإنجليزية والفرنسية وتدرس كل مادة من مواد الهوية مرة واحدة أسبوعياً فقط، بينما يدرس طلاب المدارس الحكومية تلك المواد أربع حصص في الأقل أسبوعياً، أين العدل والمساواة؟ وكيف تتبنى الدولة نهجاً لمواجهة الدروس الخصوصية، فيما تطبق وزارة التعليم قرارات تفتح الباب أمام توسع هذا البيزنس؟'.
يُشار إلى أن وزارة التعليم كانت أصدرت قراراً في أغسطس (آب) 2024 يلزم المدارس الدولية بتدريس اللغة العربية في مرحلة رياض الأطفال، وكذلك تدريس مادتي اللغة العربية والتربية الدينية من الصف الأول حتى الثالث الابتدائي أو ما يعادلهما، ويلزم القرار المدارس بتدريس مواد اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والتربية الدينية من الصف الرابع حتى الصف التاسع أو ما يعادلها، وفقاً للمناهج المطبقة بالمدارس الرسمية المصرية على أن تدخل درجات اللغة العربية والدراسات الاجتماعية ضمن المجموع الكلي للطالب، بحيث تمثل كل مادة 10 في المئة من إجمال الدرجات، بمعدل 20 في المئة للمادتين معاً.
ويضيف ولي أمر الطالبة أن تطبيق ذلك القرار بصورة مفاجئة وليس تدرجاً 'يزيد الفجوة، ويخل بمبدأ تكافؤ الفرص'. مردفاً 'نتعرّض لسباب عبر منصات التواصل الاجتماعي منذ اعتراضنا على القرار وتقديم تظلمات وشكاوى بزعم أننا نبحث عن نجاح أولادنا بأموالنا وأننا نشجعهم على عدم التدين، وأننا لا نهتم بتعزيز قيم الهوية والانتماء إلى الوطن، وهو فهم خاطئ وغير صحيح على الإطلاق، لأننا نستثمر في أبنائنا، ونحاول أن نجعهلم قادرين على مواكبة التطور الهائل في العملية التعليمية'، مؤكداً أن ما يحدث حالياً أمر غريب وغير مُبرر والطلبة هم من يدفعون الثمن في النهاية.
وطالب أبو النجا بضرورة تدخل المسؤولين لمراجعة هذا الأمر، لأنه من غير المنطقي أن يحدث تغيير مفاجئ في قواعد التقييم دون فترة انتقالية حقيقية، علاوة على أن يجري استخدام درجات الرأفة مع هؤلاء الطلبة، لأن هذه النتائج لا تعكس المستوى الحقيقي لهم ولا سجلاتهم الدراسية السابقة، بل تسببت في حالة من القلق والإحباط بينهم، إضافة إلى إعادة النظر في 'حشو' مناهج طلاب المدارس الدولية، لتخفيف الأعباء عنهم.
ويشير ولي أمر الطالبة إلى أن كلفة مصروفاته الدراسية سنوياً تصل إلى 287 ألف جنيه (5,749.21 دولار) من أجل البحث عن مستوى تعليمي أفضل لابنته، يجعلها تواكب المناهج التعليمية الموجودة بالخارج، متسائلاً: 'إذا كانت الوزارة تبحث عن مصلحة طلاب المدارس الدولية وتعزيز الانتماء والهوية، فلماذا لم تساندنا حينما شكونا من رفع المدارس المصروفات علينا أثناء أزمة الدولار؟ وهل يُعقل أن ندفع للمدرسة ما يُقارب 8 آلاف جنيه ( 160.26 دولار) من أجل إعادة دخول الاختبار مرة أخرى؟'.
ويتنافى ذلك مع ما ذكره متحدث وزارة التعليم شادي زلطة، في تصريحات تلفزيونية أخيراً، إذ أكد أن مطالبة بعض المدارس الدولية بسداد 8 آلاف جنيه مقابل إعادة مواد الهوية القومية 'إجراء غير قانوني'، مؤكداً أن الطالب الراسب من حقه دخول الدور الثاني دون أي رسوم إضافية، لافتاً إلى أن باب التظلمات 'مفتوح أمام أولياء الأمور، مقابل رسوم مقدارها 35 جنيهاً فقط'.
المعاناة ذاتها عبّرت عنها شيماء علي ماهر، مؤسسة ائتلاف 'نبني بلدنا بالتعليم' وولية أمر طالب بالمرحلة الثانوية في إحدى المدارس الدولية، واصفة أزمة مواد الهوية بـ'إجراء غير مدروس ولا يتناسب مع الواقع، وسيُضاعف الأعباء على طلبة المدارس الدولية'، موضحة أن طلاب تلك المدارس يدرسون مناهج ومقررات صعبة بلغات أجنبية، وإذا ألزمناهم أيضاً بمواد الهوية القومية ستكون قدرتهم على الاستيعاب والإلمام سريعاً أمراً مُرهقاً، وسيكون هناك مشقة كبيرة عليهم تكاد تكون أكبر من طلاب المدارس الأخرى، والجميع يعلم أنه لم يكن هناك تهيئة لهذا المستوى من المتطلبات لطلاب المدارس الدولية.
وتساءلت 'كيف يجري تطبيق قرارات بهذه الأهمية على جيل كامل تربى وتعلم أعواماً داخل نظام تعليمي لم يكن يمنح مواد اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والتربية الدينية الاهتمام الكافي؟'.
تضيف شيماء، في تصريحاتها إلى 'اندبندنت عربية'، 'أشعر بمعاناة أولياء أمور هؤلاء الطلبة، لأن نجلي يدرس أيضاً في مرحلة الثانوية بمدرسة دولية، وستطبق عليه أيضاً نسب النجاح في مواد الهوية بداية من العام المقبل، وأرى أنه كان من الأجدى على وزارة التعليم أن تُطبق هذا القرار منذ الصفوف الدراسية الأولى لا على أعوام النقل فقط، حتى يتمرّن طلبة المدارس الدولية على طبيعة تلك المواد، ففي كل دول العالم، عندما يجري تعديل نظم التقييم أو إضافة متطلبات جديدة، يتم تطبيقها تدرجاً على الدفعات الجديدة بعد فترات انتقالية واضحة حتى لا يُظلم الطلاب'.
وفي رأي مؤسسة ائتلاف 'نبني بلدنا بالتعليم' فإن الحل قد يكمن إما في وضع مواد الهوية خارج المجموع أو إعداد مناهج الهوية بصورة مُخصصة لطلاب المدارس الدولية بصورة مبسطة وسلسة حتى يكونوا قادرين على فهمها والتعامل معها إلى جانب مناهجهم الدراسية الأخرى.
على النقيض من ذلك، يرى المتخصص في الشأن التربوي الدكتور عاصم حجازي، أن الاهتمام بتطبيق دراسة مواد الهوية القومية أمر حتمي وإيجابي ويصحح أخطاء تراكمات على مدى الأعوام السابقة وقرار يُحسب لوزارة التربية والتعليم، ويعيد الانضباط إلى منظومة التعليم الدولي وضمان تطبيق القواعد المنظمة للعملية التعليمية ويُقر بمبدأ عدالة التقييم.
ويوضح حجازي لـ'اندبندنت عربية'، أنه من الطبيعي أن يتعلم الطالب الذي يدرس على أرض مصر، تاريخ بلده ولغته العربية لبناء شخصيته، وأن يسعى إلى اكتساب المهارات التي تعزز الجانب المعرفي له وتزيد الانتماء من أجل إيجاد قواسم مشتركة في المعرفة والثقافة بين أبناء الشعب لتوطيد أواصر التعايش السلمي وتقليص الفجوة بين أنظمة وأنماط التعليم بمصر، التي تتنوع بين مدارس 'حكومية، وخاصة، ولغات ودولية'.
وفي رأي حجازي فإن تلك الأزمة من صنيعة أولياء أمور المدارس الدولية، لأنهم يرفضون تطبيق هذا القرار، وليسوا مؤمنين بجدواه، ويتعاملون مع هذا الإجراء بـ'ندية'، بحسب قوله، ويحاولون التفرد بمناهج دراسية خاصة بهم، وهو أمر ليس في مصلحة الطلاب أو المنظومة التعليمية برمتها، وكذلك لا يصبّ في مصلحة المجتمع في النهاية.
ويوضح المتخصص في الشأن التربوي أن أصحاب المدارس الدولية لم يلتزموا بقرار الوزارة، وهناك حالة تراخ في تخصيص معلمين مؤهلين أو حصص مخصصة لدراسة تلك المواد، وحاولوا التحايل على الأمر بإنجاح الطلبة بصورة غير سليمة، لكن الوزارة أحسنت حين تتبعت ذلك الأمر وتوصلت إلى تلك المخالفات وأدت دورها كما ينبغي.
الأمر ذاته يؤيده أستاذ علم النفس التربوي الدكتور تامر شوقي، موضحاً أن تطبيق 'النجاح والرسوب' في مواد الهوية بالمدارس الدولية يتماشى مع صحيح الدستور الذي يلزم في نص المادة (24) بتدريس مواد الهوية بصورة أساسية في التعليم ما قبل الجامعي الحكومي والخاص، وأن تكون نسبة النجاح في مادة الدين من 70 في المئة، وفقاً للمادة (6) من قانون التعليم المُعدل.
ونصت المادة (6) من قانون التعليم الجديد على أن 'اللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ الوطني مواد أساسية في جميع مراحل التعليم، ويحدد بقرار من وزير التربية والتعليم والتعليم الفني محتوى كل مادة ودرجاتها ووزنها النسبي في المجموع الكلي ويشترط للنجاح في مادة التربية الدينية الحصول على 70 في المئة في الأقل من الدرجة المخصصة لها، على ألا تحسب درجاتها ضمن المجموع الكلي'.
ويوضح المتخصص في علم النفس التربوي أن تلك المدارس نشأت في الأساس لأبناء الجاليات الأجنبية بمصر، لكن حدث تحول كبير، إذ أصبحت نسبة وجود أبناء المصريين فيها 80 في المئة والبقية لأبناء الأجانب، لذا لم يعد من المنطقي أن نغمض الأعين عن تخريج طلاب من تلك المدارس لا يعرفون كتابة أسمائهم باللغة العربية أو معرفة تاريخ وطنهم أو ترسيخ جذور الهوية.
الإشكالية في رأي شوقي، تكمن في أن تطبيق تلك القرارات قد يكون نوعاً من الظلم للطلبة، لأن مناهج مواد الهوية لم يحصل عليها في مراحل دراسته الأولى، لذا ليس من المنطقي أن يدرسها في المرحلة الإعدادية والثانوية، لا سيما أنه يفتقر للمهارات الأساسية لتلك المناهج، وهؤلاء الطلاب سيحدث لهم صدمة معرفية، لأن تدريس اللغات الأجنبية تختلف كلياً عن العربية، بخلاف طرق التدريس نفسها، موضحاً أن الحل يكمن في أن يكون تدريس تلك المناهج منذ المراحل الأولى، وأن تقلص درجات النجاح في مواد الهوية لخمسة في المئة لكل مادة وليس 10 في المئة وإعطاء فرصة أكبر لبقية المواد التخصصية.
ودخل البرلمان المصري على خط تلك الأزمة، إذ تقدم البرلماني المصري فريد البياضي بطلب إحاطة، موضحاً أن منطق القرار يثير تساؤلات جوهرية، فإذا كان رفع درجة النجاح إلى 70 في المئة هو الطريق لتحسين القيم والأخلاق، فلماذا لا يجري رفعها إلى 80 في المئة أو 90 في المئة؟ والقرار يتضمن تناقضاً واضحاً، فالمادة ليست مضافة إلى المجموع الكلي للطالب، لكنها في الوقت نفسه قد تمنعه من النجاح والانتقال إلى العام الدراسي التالي.
وأضاف البياضي، 'نحن لا نرفض الاهتمام بالدين والقيم والأخلاق، لكننا نرفض أن يتحوّل الدين إلى مادة للرعب والرسوب، ونريد أن يحب الطلاب المادة ويفهموا قيمها، لا أن يخافوا منها أو ينفروا منها بسبب قرار غير مدروس'، مطالباً بالوقف الفوري لتطبيق القرار لحين عرض الدراسات والبيانات التي استندت إليها الوزارة على مجلس النواب، ومراجعة سياسات تدريس وتقييم مادة التربية الدينية بما يحقق أهدافها الحقيقية دون تحويلها إلى أداة للرسوب أو عبء إضافي على الطلاب والأسر.
وطالبت البرلمانية المصرية سارة النحاس الوزارة بمراعاة الفروق التعليمية بين نظم التعليم المختلفة، ودراسة وضع خطة تدرجية تضمن تحقيق أهداف الدولة مع الحفاظ على جودة العملية التعليمية ومصلحة الطلاب.


































