اخبار اليمن
موقع كل يوم -سبأ نت
نشر بتاريخ: ٢٦ أذار ٢٠٢٦
غزة - سبأ:
في قطاع غزة، لم تعد المساعدات الإنسانية مرادفًا للنجاة، بل أصبحت في كثير من الأحيان عنوانًا لمعاناة جديدة، يضطر النازحون لخوضها وسط ظروف قاسية تتنازع فيها الحاجة مع العجز. فبدل أن تصل الإغاثة إلى مستحقيها بسهولة وكرامة، بات الوصول إليها رحلة شاقة تثقل كاهل المنهكين أصلًا من ويلات الحرب والنزوح.
في ظل استمرار العدوان وتفاقم الأوضاع الإنسانية، يواجه آلاف النازحين تحديات يومية للحصول على أبسط مقومات الحياة. تتصدر هذه التحديات مسافات طويلة تفصلهم عن مراكز التوزيع، وغياب شبه كامل لوسائل النقل، ما يضعهم أمام خيارات مؤلمة: إما السير لساعات طويلة تحت ظروف مناخية قاسية، أو دفع تكاليف نقل تفوق قدرتهم في ظل انعدام مصادر الدخل.
المشاهد الميدانية تعكس واقعًا غير متوازن؛ إذ تتركز مراكز توزيع المساعدات داخل المدن أو في نقاط لوجستية محددة، بينما تُترك المخيمات البعيدة خارج نطاق الوصول السهل.
وبين هذا التوزيع غير العادل، يجد النازح نفسه مضطرًا لقطع مسافات قد تتجاوز 15 كيلومترًا، في رحلة قد تستنزف ما تبقى من طاقته الجسدية والنفسية.
شادي قدوم، رب أسرة فقد ثلاثة من أبنائه خلال الحرب، يختصر هذا الألم بقوله لـ صحيفة (فلسطين)، إن تلقي رسالة لاستلام المساعدة لم يعد مدعاة للفرح، بل مصدر قلق.
يضيف بحسرة: “أصبحت المساعدة عبئًا بدل أن تكون فرجًا”، مشيرًا إلى أن يوم استلامها يتحول إلى يوم مرهق، خاصة مع تدهور حالته الصحية واضطراره للسير لمسافات طويلة.
أما أمل الحية، الأرملة التي تعيل ثلاثة أطفال، فتصف رحلتها للحصول على المساعدة بأنها “معركة يومية”. تقضي يومًا كاملًا بين محاولات الوصول إلى مركز التوزيع، وقد تضطر للاقتراض لتغطية تكاليف النقل، لتجد نفسها في النهاية أحيانًا أمام واقع أقسى: العودة دون الحصول على شيء، بسبب سوء التنظيم أو نفاد الكميات.
وفي شهادة أخرى، يروي ياسر العشي كيف اضطر للانتقال من شارع الثلاثيني إلى حي تل الهوى للحصول على طرد غذائي، بينما حصل آخرون على مساعداتهم في مناطق مختلفة، ما يكشف غياب العدالة في توزيع النقاط. ويؤكد أن العشوائية وعدم مراعاة أماكن تواجد النازحين حوّلت المساعدات إلى عبء إضافي بدل أن تصل بكرامة إلى مستحقيها.
تعكس هذه الشهادات خللًا واضحًا في آليات توزيع المساعدات، حيث يغيب التخطيط القائم على القرب الجغرافي، وتفتقر العملية إلى وسائل نقل مدعومة أو نقاط توزيع داخل المخيمات.
ويؤكد مراقبون أن استمرار هذا النهج يحرم الفئات الأكثر هشاشة ككبار السن والنساء والأطفال من حقهم في الوصول إلى الإغاثة.
في غزة، لم تعد المساعدات مجرد دعم إنساني، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لقدرة النازحين على الوصول إليها. وبين المسافة والتكلفة والتعب، لم تعد “لقمة العيش” سهلة المنال، بل طريقًا طويلًا من الألم، يستنزف كرامة الإنسان قبل جسده.. ويطرح سؤالًا ملحًا: كيف يمكن لإغاثةٍ أن تُنقذ، وهي نفسها تحتاج إلى من يُنقذها؟
إكــس













































