اخبار اليمن
موقع كل يوم -الخبر اليمني
نشر بتاريخ: ٢ نيسان ٢٠٢٦
سلطت صحيفة عربية، الخميس، الضوء على جدية الادعاءات الأمريكية والإسرائيلية بتمكنهم من تدمير المخزون الإيراني من الصواريخ البالستية خلال الحرب الدائرة بين الجانبين.
متابعات خاصة-الخبر اليمني:
ونشرت صحيفة 'عرب جورنال' مقالا تحليلا للباحث المتخصص بالدراسات العسكرية والسياسية، كامل المعمري، ركز على تقديم إجابة لتساؤل رئيسي 'لماذا قد تمتلك إيران مخزونا صاروخيا لا يمكن لأمريكا وإسرائيل استنفاده؟'، فإلى نص التحليل:
مع دخول الحرب القائمة بين إيران من جهة والعدوين الإسرائيلي والأمريكي من جهة اخرى شهرها الثاني، يبرز سؤال مركزي يشغل بال المراكز العسكرية والاستخبارية في المنطقة والعالم: ما هو مخزون إيران الحقيقي من الصواريخ؟ وما هو حجم ما تمتلكه أمريكا وإسرائيل في مواجهتها؟
سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يصطدم فوراً بجدار من السرية المطلقة، فهو من النوع الذي لا يمكن لأي جهة أن تقدم فيه أرقاماً جازمة، إذ تظل هذه الأرقام محصورة في دوائر مغلقة للغاية داخل أروقة الحكم، لأن الكشف عنها يعني كشف جزء من عماد القدرة الوطنية وورقة الردع الأهم في موازين القوى.
ما يمكن فعله في هذا السياق لا يتعدى قراءة المؤشرات والمعطيات غير المباشرة التي ترسم صورة تقريبية عن حجم هذا المخزون وقدرات كل طرف على إدامة القتال.
فمنذ ما يزيد على ربع قرن، وتحديداً بعد الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001، تعيش إيران في حالة تهديد مفتوح بالغزو أو الاحتلال الأمريكي المباشر. وهذه الحالة، وفق المنطق العسكري، تفرض على الدولة المعنية أن تتصرف كدولة في حالة حصار طويل الأمد، ما يعني أن سياسة التصنيع العسكري لا تتوقف عند حد الردع، بل تتجه نحو التراكم الكمي والنوعي في المخازن السرية.
فالتهديد الطويل يبني بنية تحتية عسكرية تعمل وفق منطق الإنتاج الضخم والاحتياطي الاستراتيجي الذي يتسع مع كل تصعيد في درجة التهديد.
تأتي هنا الجغرافيا الإيرانية لتعزز هذه الاستراتيجية بشكل لا يمكن تجاهله. فإيران، التي تقع هضبتها الرئيسية على ارتفاع يزيد على تسعمئة متر عن سطح البحر، تمتلك أكثر من واحد وأربعين ألف جبل، وهذا التشكيل الجبلي الهائل هو مكون رئيسي في فلسفة الدفاع والردع الإيرانية.
فالجبال في إيران تحولت على مدى عقود إلى مرافق تخزين محصنة، ومجمعات لإنتاج الصواريخ، وقواعد انطلاق تحت أرضية، وأخرى للتخزين الاستراتيجي العميق.
وهذه الميزة الجغرافية تجعل من المستحيل على أي عدو، حتى الأكثر تقدماً في تقنيات الاستخبارات والمراقبة، أن يرصد بدقة حجم ما تخفيه هذه الجبال، أو أن يستهدفها بشكل شامل في أي هجوم استباقي.
على النقيض تماماً من هذا المشهد الجبلي الوعر، تبرز الجغرافيا في فلسطين المحتلة بمساحاتها المحدودة التي تغلب عليها السهول والصحاري الرملية والأودية المكشوفة. هذه التضاريس لا تتيح نفس الدرجة من التخفي أو التحصين الطبيعي التي تتمتع بها إيران.
المخازن الاستراتيجية في الأراضي المحتلة حتى وإن كانت متطورة تقنياً، تظل محدودة السعة وأكثر عرضة للاستهداف والرصد مقارنة بنظيرتها الإيرانية. وهذا ما تجلى بوضوح في أحداث معينة، مثل حرب تموز عام 2006، لكن التجربة الأكثر حداثة تمثلت في معركة طوفان الأقصى وما تلاها من حرب استنزاف طويلة مع حزب الله اللبناني.
ففي عام 2024، ومع استمرار القتال على جبهات متعددة، اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار مع لبنان، وخرجت التصريحات حينها لتكشف عن جانب مهم من معادلة الصواريخ: فقد أشارت جهات رسمية وقتها إلى أن نفاد الذخيرة، وبخاصة صواريخ الاعتراض، كان عاملًا رئيسيًا في دفع الحكومة لقبول الاتفاق، وهو ما أثار انتقادات حادة من التيار اليميني الديني الذي رأى في الاتفاق تراجعاً عن مبدأ تحقيق النصر العسكري الكامل.
لكن فارق الجغرافيا ليس العامل الوحيد في هذه المعادلة، فهناك فارق آخر لا يقل أهمية يتعلق بالتكلفة وسرعة الإنتاج. عالم الصناعات العسكرية الغربية تحكمه شركات عملاقة تعمل ضمن منظومة معقدة من الوسطاء والمقاولين الباطن، مما يضيف طبقات متعددة من التكاليف الإدارية والعمولات والأرباح الإضافية فوق التكلفة الحقيقية للإنتاج.
هذا إلى جانب ارتفاع تكاليف الرواتب والمواد الخام النادرة، ما يجعل الصاروخ الواحد في المصانع الأمريكية أو الإسرائيلية يصل إلى سعر يتضاعف عدة مرات مقارنة بتكلفته في بيئة إنتاج مختلفة تماماً.
هنا تبرز الميزة النسبية لإيران، حيث تشرف الدولة بشكل مباشر على منظومة التصنيع العسكري، مع هيكل رواتب أقل بكثير، وتدخل محدود للوسطاء والسماسرة. هذه العوامل مجتمعة تخفض التكلفة النهائية للصاروخ أو المسيرة بشكل دراماتيكي، ما يسمح لإيران بإنتاج أضعاف ما تنتجه المصانع الغربية بنفس الميزانية.
وهذا ما أقرت به كبريات الصحف الغربية في تقاريرها خلال السنوات الأخيرة، حيث أشارت إلى أن إيران قادرة على إنتاج مئات الصواريخ المتطورة وآلاف المسيرات شهرياً، في مقابل قدرة إنتاجية أقل بكثير في أحواض التصنيع الغربية، حتى مع استمرار عملها بكامل طاقتها.
أما العامل الخامس والأخير في هذه المعادلة، فيتعلق بتوفر المعادن الحيوية اللازمة لصناعة السلاح المتطور. وهنا تبرز نقطة التحول الجيوسياسي الكبرى. فالولايات المتحدة وإسرائيل تعانيان من فجوة هيكلية في تأمين هذه المعادن، في الوقت الذي تمتلك فيه الصين، إلى جانب بورما، أكثر من ثمانين بالمئة من المعادن الحيوية في العالم.
إدارة دونالد ترامب كانت قد أدركت هذا الخطر مبكراً، فكانت محاولاته للسيطرة على المعادن الحيوية في أوكرانيا، والنفط الفنزويلي والإيراني، جزءاً من استراتيجية أوسع لكسر احتكار الصين لهذه المواد، ومقايضتها بأسعار مجانية أو مخفضة.
لكن حتى الآن، تظل الصين هي المتحكم الأكبر في هذه السلسلة، وهي لا تتعامل مع الغرب بنفس الطريقة التي تتعامل بها مع حلفائها. فبينما تحد بكين من صادراتها من المعادن الحيوية للولايات المتحدة وأوروبا، لمنعها من بناء مخزون استراتيجي يمكنها من الاستغناء عن المصادر الصينية، فإنها تتيح لإيران، حليفتها الاستراتيجية وحائط الصد الغربي للحدود الصينية، تدفقاً أكبر بكثير من هذه المواد.
هذا التدفق المستمر للمعادن الحيوية، إلى جانب انخفاض التكاليف والإنتاج الضخم، يعطي إيران قدرة فريدة على تعويض أي خسائر في مخزونها الصاروخي بوتيرة أسرع بكثير مما يمكن لأمريكا وإسرائيل تعويض مخزوناتهما.
في المحصلة، المشهد الذي يتشكل من هذه المعطيات جميعاً يشير إلى أن إيران تمتلك مخزوناً صاروخياً ضخماً موزعاً في عمق الجبال، مع قدرة على الإنتاج والتعويض السريع، وبكلفة أقل، وبموارد أولية مضمونة من حليف استراتيجي.
في المقابل، تعاني أمريكا وإسرائيل من محدودية التخزين الآمن، وارتفاع التكاليف، واعتماد على مخزونات قابلة للنفاذ بسرعة في حرب استنزاف طويلة، بالإضافة إلى هشاشة سلاسل التوريد للمعادن الحيوية.
وهذا التفاوت في البنى التحتية العسكرية والصناعية قد يكون أكثر أهمية في تحديد مسار أي مواجهة طويلة من الأرقام المعلنة أو التصريحات السياسية.













































