اخبار مصر
موقع كل يوم -الرئيس نيوز
نشر بتاريخ: ٩ شباط ٢٠٢٦
يعود إقليم تيجراي إلى واجهة الاهتمام ودائرة الضوء على المشهد السياسي الإثيوبي بقوة السلاح لا بلغة الاتفاقات، وتشعل الاشتباكات التي اندلعت في أواخر يناير 2026 بين قوات تيجراي والقوات الفيدرالية الإثيوبية فتيل أزمة جديدة بعد أقل من أربع سنوات على نهاية حرب مدمرة.
ووفقا لصحيفة أفريكا كونفدنشيال، تكشف المواجهات أن السلام الذي أُعلن في نوفمبر 2022 لم ينجح في إغلاق ملف الصراع، بل أخفى تحته توترات مؤجلة انفجرت مجددا في المناطق الغربية المتنازع عليها.
وأشارت الصحيفة إلى أن الاشتباكات تتركز في مناطق حساسة مثل تسلمتي، حيث تتقاطع الحسابات القومية مع المصالح الأمنية. تسيطر الحكومة الفيدرالية على هذه المناطق منذ الحرب السابقة بعد تقدم ميليشيات أمهرا بدعم من الجيش.
ويرفض قادة تيجراي هذا الواقع وتعتبره استيلاء دائمًا على أراضي تاريخية. يدفع هذا الخلاف الطرفين إلى التعامل مع المنطقة كخط تماس دائم بدلا من كونها ملفا تفاوضيا قابلا للحل.
وتعكس التحركات العسكرية فشل مسار التسوية السياسية. وتتعامل أديس أبابا مع الوضع باعتباره مسألة سيادة وأمن قومي، وتتحرك لمنع أي محاولة لتغيير السيطرة بالقوة. بينما ترى قيادة تيجراي أن الحكومة استخدمت اتفاق وقف إطلاق النار لتجميد الصراع دون حل جذوره، ثم عملت على تثبيت أمر واقع يخدم حلفاءها المحليين. يعمّق هذا التناقض فجوة الثقة ويغلق أبواب الحل الوسط.
ويعيد تحالف الجيش الفيدرالي مع ميليشيات أمهرة إشعال التوترات القومية. يعزز هذا التحالف شعور تيجراي بالاستهداف، ويدفعها إلى اعتبار الصراع وجوديًا لا سياسيًا فقط. يوسّع هذا المشهد دائرة النزاع، ويحوّل المواجهة من صراع بين مركز وإقليم إلى نزاع متعدد الأطراف يصعب احتواؤه بسرعة.
ويفتح التصعيد الباب أمام تدخلات إقليمية محتملة. تراقب إريتريا التطورات عن كثب بعد دورها الحاسم في الحرب السابقة. يدفع أي توسع عسكري أسمرة إلى إعادة الحسابات الأمنية، خاصة مع تاريخها العدائي مع تيجراي. يهدد هذا الاحتمال بتحويل شمال إثيوبيا إلى مسرح صراع إقليمي تتشابك فيه المصالح وتتراجع فيه فرص التهدئة.
ويواجه رئيس الوزراء الإثيوبي ضغوطا داخلية متزايدة. ففي الأثناء، يرزح الاقتصاد تحت أعباء الديون والتضخم. وتتراجع وتيرة الإصلاحات السياسية. كما تتصاعد التوترات العرقية في أكثر من إقليم. يضاعف اندلاع جبهة جديدة كلفة الحكم ويستنزف موارد الدولة في توقيت حرج.
ويتحرك إقليم تيجراي بدوره من موقع الضعف لا القوة. إذ تعاني البنية التحتية من آثار الحرب السابقة. تواجه المجتمعات المحلية نقصا في الخدمات والموارد. تراهن القيادة على تحركات محدودة لفرض الملف على طاولة التفاوض، لكنها تخاطر بإعادة سيناريو العزلة العسكرية والسياسية إذا اتسع نطاق القتال.
ويتسم المشهد الحالي بالغموض والحذر. يتجنب الطرفان إعلان حرب شاملة، لكنهما يواصلان اختبار الخطوط الحمراء. تغذي الاستفزازات المتبادلة مناخًا قابلًا للانفجار. يغيب الضغط الدولي الفاعل. يتراجع الاهتمام العالمي مقارنة بسنوات الحرب الأولى. يترك هذا الفراغ مساحة أوسع للتصعيد.
وتتحول الحرب الباردة بين تيجراي وأديس أبابا تدريجيا إلى مواجهة ساخنة منخفضة الوتيرة. يرفع كل يوم تأخير منسوب المخاطر. ويضع استمرار الاشتباكات القرن الأفريقي أمام احتمال زعزعة جديدة تمتد آثارها إلى دول الجوار. يفرض هذا الواقع سؤالا حاسما على صناع القرار في إثيوبيا: هل يسعون إلى تسوية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة، أم يتركون الصراع يتآكل ببطء حتى ينفجر في حرب أوسع لا يملك أحد ترف كلفتها.


































