اخبار الكويت
موقع كل يوم -جريدة القبس الإلكتروني
نشر بتاريخ: ٢٩ تموز ٢٠٢٦
رغم الاندفاع العالمي نحو تبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يتنامى شعور بين شريحة واسعة من الموظفين بالحنين إلى بيئة العمل التي سبقت ظهوره، بعدما تحول من أداة يُفترض أن ترفع الإنتاجية وتخفف الأعباء إلى عامل يفرض ضغوطاً جديدة ويغير طبيعة الوظائف وأساليب تقييم الأداء.
ووفق تقرير نشرته «فايننشال تايمز»، يشكو الباحثون عن عمل من تراجع اللمسة الإنسانية في عمليات التوظيف، بعدما أصبحت الخوارزميات تتولى فرز السير الذاتية، بينما تُجرى بعض المقابلات الوظيفية عبر برامج آلية، الأمر الذي يعزز الشعور بأن التكنولوجيا أصبحت وسيطاً بين الإنسان وفرص العمل.
إنتاجية أعلى.. وضغوط أكبر
ورغم الوعود بأن الذكاء الاصطناعي سيختصر الوقت ويمنح الموظفين مساحة أكبر للتركيز على المهام ذات القيمة المضافة، تشير دراسات إلى نتائج مختلفة، إذ وجد باحثون أن الموظفين يعملون بوتيرة أسرع، واتسعت مسؤولياتهم بعد إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي إلى بيئة العمل، بدلاً من أن تنخفض أعباؤهم.
كما يرى كثير من المستخدمين أن الوقت الذي يتم توفيره في إعداد التقارير أو إنجاز المهام يقابله وقت مماثل، وربما أكبر، للتحقق من دقة المعلومات وتصحيح الأخطاء التي تنتجها النماذج الذكية، وهو ما يقلل من المكاسب المتوقعة في الإنتاجية.
وأظهر استطلاع أجرته شركة أدابتافيست أن نحو %65 من موظفي المكاتب يحنون إلى حياتهم المهنية قبل انتشار الذكاء الاصطناعي، فيما قال نحو ثلث المشاركين إنهم مستعدون للتخلي عن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لأنها تحد من الإبداع، بينما أعربت نسبة مماثلة عن مخاوفها من إساءة استخدام هذه التقنيات.
وأشار نحو نصف المشاركين إلى أن الحاجة المستمرة إلى مراجعة المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي والتحقق من صحته جعلت العمل أكثر تعقيداً، على خلاف التوقعات التي رافقت انتشار هذه الأدوات.
الإبداع تحت الاختبار
ويبرز تأثير الذكاء الاصطناعي في الإبداع كأحد أكثر الجوانب إثارة للنقاش، إذ تشير دراسات تناولت الكتابة الإبداعية إلى أن هذه الأدوات تساعد في توليد أفكار جديدة، لكنها في الوقت نفسه تجعل المخرجات أكثر تشابهاً وأقل تنوعاً.
وتوصلت دراسة أجرتها كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا إلى نتائج مماثلة، حيث ارتفعت جودة بعض الأفكار، لكن على حساب التنوع والاختلاف، ما أثار مخاوف من أن يؤدي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي مصدرا وحيدا للإلهام إلى إنتاج محتوى متجانس يفتقر إلى الأصالة.
ويشير التقرير إلى أن كثيراً من الشركات ساهمت في زيادة ارتباك الموظفين بسبب تغير سياساتها تجاه استخدام الذكاء الاصطناعي. فبعدما شجعت العاملين في البداية على استخدامه على نطاق واسع لأتمتة المهام، بدأت لاحقاً في فرض قيود على استخدامه بهدف ضبط التكاليف المرتبطة بتشغيل النماذج الذكية. ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار المخاوف بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف، إضافة إلى الجوانب الأخلاقية والبيئية المرتبطة بتطوير هذه التقنيات واستخدامها.
اعتراض على الاستخدام
ويرى التقرير أن الحنين إلى بيئة العمل السابقة لا يعكس بالضرورة رفضاً للتكنولوجيا أو دعوة للعودة إلى الماضي، وإنما يعبر عن قلق من الطريقة التي يجري بها دمج الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل.
وفي هذا السياق، يلفت الكاتب إلى ردود الفعل التي أثارها الرئيس التنفيذي السابق لشركة غوغل، إريك شميدت، عندما دعا الخريجين إلى الانخراط في ثورة الذكاء الاصطناعي، إذ اعتبر بعضهم أن المطلوب ليس رفض التقنية، بل منح العاملين فرصة للتساؤل حول كيفية استخدامها وتأثيرها في مستقبلهم المهني.
البحث عن الاستقرار
ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن الحنين إلى مرحلة ما قبل الذكاء الاصطناعي يعكس في جوهره رغبة الموظفين في استعادة الشعور بالاستقرار والثقة والقدرة على التأثير في بيئة عمل تتغير بوتيرة متسارعة. ومع أن الذكاء الاصطناعي يحمل فرصاً كبيرة لرفع الإنتاجية وتحسين الكفاءة، فإن نجاحه لن يقاس بقدرته على أتمتة المهام فحسب، بل أيضاً بقدرته على تعزيز الإبداع، والمحافظة على الدور الإنساني في العمل، وتحقيق توازن بين الكفاءة التقنية وجودة الحياة الوظيفية.


































