اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ١٧ كانون الثاني ٢٠٢٦
نشرت صحيفة «فايننشال تايمز» تقريرًا أعدّه ميهول سيرافستافا ونجمة بوزرجمهر، أشارا فيه إلى الطريقة التي استعاد بها النظام الإيراني السيطرة على الشوارع. فقد أظهرت الصور التي تسرّبت من إيران بلدًا غارقًا في الفوضى: عشرات، بل مئات الآلاف من المتظاهرين، وأكياس جثث ملقاة أمام المشارح، ودويّ إطلاق النار في الشوارع.
وبدا أن الاضطرابات بلغت ذروتها الأسبوع الماضي، ما دفع خصوم الجمهورية الإسلامية إلى التكهن بأن النظام على وشك الانهيار، وأن المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي يخطط للهروب، على غرار بشار الأسد الذي فرّ من سوريا نهاية عام 2024.
لكن بعد أيام قليلة، أفاد إيرانيون، عبر خطوط هاتف متقطعة واتصالات إنترنت فضائية سرية، إلى جانب مراقبين دوليين، بأن حدّة الاحتجاجات خفّت.
ومع قلّة المعلومات الموثوقة التي تتسرّب بسبب قيود الإنترنت الإيرانية وانتشار المعلومات المضللة، يكاد يكون من المستحيل تحديد ما حدث بالضبط في بلد يبلغ عدد سكانه 90 مليون نسمة.
إلا أن المقابلات الهاتفية والرسائل المهرّبة عبر قنوات اتصال مشفّرة أنشأها ناشطون، إلى جانب الشهادات الصادمة التي جمعها نشطاء حقوق الإنسان، أظهرت صورة قاتمة.
فهي تُقدّم مشهدًا لاضطرابات عامة، حيث اشتبك المتظاهرون والمحرضون المسلحون وقوات الأمن التابعة للحكومة في صراع للسيطرة على الشوارع.
وتعرض هذه الوثائق بعض التفاصيل عن ردّ فعل عنيف وواسع النطاق من جانب النظام، كما كشفت عن لحظات ترقّب مشفوعة بالقلق من إمكانية «اتخاذ الولايات المتحدة وإسرائيل إجراء ما»، كما قال أحد السكان.
وأشارت الصحيفة إلى أن الاحتجاجات اندلعت بسبب الظروف الاقتصادية في أواخر كانون الأول/ديسمبر، عندما أغلق التجار في وسط طهران متاجرهم غضبًا من الانهيار الحاد للعملة الإيرانية وارتفاع معدلات التضخم. لكنها سرعان ما تحولت إلى حركة أوسع بكثير ضد النظام نفسه، حيث ترددت هتافات «الموت لخامنئي» و«الموت للديكتاتور» في المدن والبلدات في أنحاء البلاد.
وبدا ردّ فعل النظام الأولي، على الأقل وفقًا لمعاييره المعروفة بالقسوة، متحفظًا، إذ سعى المسؤولون إلى تهدئة المخاوف الاقتصادية للمتظاهرين. وقال أحد أساتذة التاريخ، متحدثًا عبر خدمة «ستارلينك»: «في الأيام الأولى، كانت الأعداد تتزايد، لكن لم يكن هناك جوّ من الخوف».
وبعد أن طلبت الحكومة من الكليات والجامعات إلغاء الدروس في أوائل كانون الثاني/يناير، انضم طلاب الأستاذ إلى الاحتجاجات. وأضاف: «لم أرَ عنفًا، لا من جانبنا ولا من جانب الحكومة».
إلا أن الوضع تغيّر تمامًا عند الساعة الثامنة مساء يوم الخميس 8 كانون الثاني/يناير، عندما خرجت حشود غفيرة إلى الشوارع استجابة لدعوة رضا بهلوي، نجل الشاه المنفي الذي أُطيح به في ثورة عام 1979. وعلى الفور، قطع النظام الإنترنت والمكالمات الهاتفية الدولية.
ومع عزل الإيرانيين عن العالم الخارجي، بدأت حملة القمع، وفقًا لشهود عيان ومقاطع فيديو سُرّبت على الإنترنت وتقارير منظمات حقوق الإنسان. وقالت منظمة «العفو الدولية» إن قوات الأمن استخدمت المباني السكنية والمساجد ومراكز الشرطة لإطلاق الذخيرة الحية على متظاهرين عُزّل، «مستهدفة رؤوسهم وأجسادهم».
وأكد ثلاثة أشخاص، تحدثوا جميعًا عبر رسائل صوتية نشرها نشطاء حرية الإنترنت، هذه الرواية. وقالت إحدى النساء: «كان يمكن سماع دويّ إطلاق نار في الليل وصراخ الناس خوفًا». وأضافت أنها هرعت إلى منزلها بعد غروب الشمس بقليل، ورفضت السماح لابنتها بالخروج إلى الشوارع.
ونقلت الصحيفة عن محمد علي أبطحي، نائب الرئيس الإيراني الإصلاحي السابق، قوله إن اشتباكات اندلعت بين المعارضة المسلحة وقوات الأمن، حيث حاولت الحكومة التمييز بين ما وصفته بالمشاغبين العنيفين والمتظاهرين السلميين.
وتكشف شهادات من مواقع الاضطرابات، بعضها حصلت عليه صحيفة «فايننشال تايمز» مباشرة، وأخرى هُرّبت عبر وسطاء، عن رواية مشوشة للأحداث، اختلط فيها المحرضون بالمتظاهرين السلميين. وأسفرت الاشتباكات عن سقوط ضحايا، ليس فقط من المدنيين العزّل الذين كانوا جزءًا من الحشود غير المنظمة، بل أيضًا من أفراد الأمن المجهزين بالكامل.
وقال أحد المتظاهرين في طهران: «كانت هناك مجموعات من الرجال يرتدون ملابس سوداء، يتمتعون بالرشاقة والسرعة. كانوا يشعلون النار في حاويات القمامة ثم ينتقلون بسرعة إلى الهدف التالي».
وأخبر شاهد آخر في غرب طهران صحيفة «فايننشال تايمز» أنه رأى نحو اثني عشر رجلًا يتمتعون بلياقة بدنية عالية، «يشبهون الكوماندوز»، يرتدون ملابس سوداء متشابهة، يركضون في المنطقة ويدعون الناس إلى مغادرة منازلهم والانضمام إلى الاحتجاجات. وقال: «كانوا منظمين بالتأكيد، لكنني لا أعرف من كان وراءهم».
وسارع النظام إلى تصوير الاحتجاجات على أنها من فعل قوى أجنبية، جرى التخطيط لها مسبقًا وتحريكها من قبل «خونة» موّلتهم إسرائيل. وقد ساهم تعاطف الغرب مع بهلوي، المقيم في الولايات المتحدة، إلى جانب الشماتة العلنية من سياسيين إسرائيليين وأمريكيين، في تعزيز الرواية المضادة التي تقول إن حركة الاحتجاج اختطفها أعداء إيران.
وحثّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتظاهرين على مواصلة احتجاجاتهم، ووعدهم بأن «المساعدة قادمة»، وهو تدخل قال بعض المحللين الإيرانيين والدبلوماسيين الغربيين إنه أقنع عددًا متزايدًا من المتظاهرين بأن الولايات المتحدة تستعد للإطاحة بالنظام.
لكن النظام، الذي وصل إلى السلطة عبر انتفاضات شعبية في موجات الاضطرابات التي سبقت ثورة عام 1979، وبخبرته الطويلة في قمع الاحتجاجات السابقة، «يمتلك استراتيجية منهجية لتطويق حركة الاحتجاج وإرهاقها»، كما صرّحت سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في معهد «تشاتام هاوس» في لندن. وأضافت: «هذه احتجاجات يستطيع النظام السيطرة عليها، وهي فعالة حقًا في خلق سردية مفادها أن الاحتجاجات عنيفة، وأنها أشبه بأعمال شغب أو تخريب».
وبحلول يوم السبت، لم يعد بإمكان النظام إخفاء أدلة القمع، إذ بثّ التلفزيون الإيراني الرسمي صورًا لصفوف من الجثث في مشرحة جنوب طهران. وأحصت منظمة العفو الدولية 205 أكياس جثث في خمسة مقاطع فيديو أخرى، صوّرها أفراد من عائلات مفجوعة كانوا يبحثون عن ذويهم.
وقال شخص ثانٍ تم التواصل معه عبر خدمة «ستارلينك»: «قال الجميع إنهم يعرفون شخصًا فقد أحد أفراد عائلته». وتتفاوت التقديرات بشأن عدد القتلى منذ الخميس الماضي تفاوتًا كبيرًا، من بضع مئات إلى عدة آلاف، ولا يمكن التحقق من أي منها.
وقال مسؤولون إيرانيون إن مئات من رجال الشرطة وقوات الأمن كانوا من بين القتلى، وزعموا أن بعضهم قُطعت رؤوسهم أو أُحرقوا. ووصف وزير الخارجية عباس عراقجي الاضطرابات بأنها «اليوم الثالث عشر» من حرب إسرائيل التي استمرت 12 يومًا ضد إيران في حزيران/يونيو.
وقال مسؤول إيراني: «تم التخطيط لهذه العملية لسنوات، وتم تفعيل خلايا إرهابية. لقد نفذوا أعمال عنف ضد الشرطة والمتظاهرين والعاملين في المجال الصحي».
وقال شخص ثالث، تم التواصل معه عبر «ستارلينك»، وهو صيدلي أُمر من قبل مديره بالذهاب إلى العمل يوميًا، إن حالة الارتباك هذه لم تسهم إلا في خدمة النظام. ووفقًا لنص رسالة صوتية نشرها ناشط في مجال حقوق الإنترنت، قال: «أنا خائف، وعائلتي بأكملها خائفة. لا أصدق إلا ما يقوله لي أهلي وأصدقائي، ولا شيء غير ذلك».
ووصف شاهد عيان في طهران أجواء «خانقة» سادت المدينة بعد الاحتجاجات.
والآن، ومع تحوّل المناورات الدبلوماسية إلى احتجاجات شعبية، لا يزال العديد من الإيرانيين العاديين معزولين عن العالم الخارجي، بما في ذلك عن الأخبار التي تفيد بأن ترامب والحكومة الإيرانية يجرون مفاوضات غير مباشرة حول قضايا، مثل احتمال إعدام المتظاهرين.
وفي الماضي، كانت الاحتجاجات الشعبية تتسم بتقلبات بين النشوة والإرهاق. فقد استغرقت ثورة عام 1979 التي أطاحت بالشاه أكثر من عام لتصل إلى ذروتها، وتخللتها موجات من الاضطرابات وأسابيع من الهدوء الزائف.
وقالت وكيل إن النظام نفسه قادر على إجراء بعض الإصلاحات، لكنها أشارت إلى أن المشكلات الأساسية التي أشعلت فتيل السخط لا تزال قائمة. فالاقتصاد الإيراني لا يزال يعاني من العقوبات الأمريكية والفساد المستشري، إضافة إلى كلفة تنافسه الإقليمي مع إسرائيل الغنية والمدعومة من الولايات المتحدة.
وختمت وكيل بالقول: «في نهاية المطاف، هناك حقائق وشكوك معينة حول هذا الاحتجاج تحديدًا. لكن ما نعرفه هو أن الاحتجاجات في إيران تتزايد، ومن المحتم أن تعود. لا يمكننا التنبؤ بما سيشعل فتيلها، لكن ثمة شيء ما سيحدث».













































