اخبار اليمن
موقع كل يوم -سبأ نت
نشر بتاريخ: ١ أيلول ٢٠٢٦
صنعاء – سبأ:
وسط ركام الخيام وأتربة المخيمات الحارقة، وقف طفل من غزة لا يتجاوز العاشرة من عمره، بيدين مرتجفتين وقلب يغلي قهراً. لم يجد طريقة ليصرخ بها سوى أن يمزق ألعابه بنفسه.
في مقطع فيديو تداولته مواقع التواصل، بدا الطفل وهو يحطم طائراته الورقية واحدة تلو الأخرى. طائرة شفافة مزقها بعنف، ثم طائرة صفراء سحقها بقدميه الصغيرتين، وفق وكالة 'معا' الفلسطينية.
ولم يكتفِ بالتحطيم. كان يصرخ بين كل تمزيقة: 'عشان نتنياهو يرضى.. ها.. وعشان كاتس يرضى.. ها.. وعشان ترامب يرضى.. ها'.
لم تكن هذه نوبة غضب. كانت محاكمة. محاكمة مصغرة يقدمها طفل لعدو ظالم حوّل لعبته البريئة إلى 'تهديد أمني'. في كلماته الساخرة وأسمائه التي حفظها عن ظهر قلب، ظهر وعي مبكر مؤلم.. وعي طفل أجبرته الحرب أن يعرف من الذي يمنع عنه حتى السماء.
الطائرة الورقية كانت بالنسبة لأطفال غزة متنفساً رخيصاً ومتاحاً في ظل انعدام الألعاب والحدائق وانهيار معظم أماكن الترفيه بسبب القصف الإسرائيلي المتكرر.
كانوا يصنعونها بأيديهم من الورق والعصي والخيط، ويرسمون عليها ألواناً وأعلاماً، ويتنافسون في إطلاقها نحو السماء. اليوم، تحولت هذه السماء إلى منطقة محظورة، وأصبحت الطائرة الورقية سبباً كافياً لإطلاق الرصاص أو توجيه تهديدات للأطفال وعائلاتهم.
وفي مشهد يعكس حجم التضييق على تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين في قطاع غزة، منع جيش العدو الإسرائيلي أطفال القطاع من ممارسة لعبة الطائرات الورقية، بحجة أنها 'تشكل تهديداً أمنياً' على قواته ومستوطناته المحاذية للقطاع.
هذا المنع تسبب في حرمان آلاف الأطفال من واحدة من أبسط وسائل اللهو المتاحة لهم في ظل الحصار وجريمة الإبادة المستمرة.
وكان مجرم الحرب المطلوب للجنائية الدولية نتنياهو ووزير دفاعه المجرم، يسرائيل كاتس، قد هددا في 23 أغسطس الماضي بتكثيف العمليات إذا لم تتوقف عمليات إطلاق الطائرات الورقية والمسيّرات والبالونات، و بإجلاء السكان من المناطق التي تنطلق منها.
يقول أهالي من مناطق شرق غزة إن جنود العدو يطلقون النار بشكل مباشر على أي طائرة ورقية يتم رصدها تحلق قرب السياج الفاصل، ويصادرون الخيوط والأعواد من الأطفال في المناطق القريبة.
ويضيفون أن هذا المنع لم يقتصر على فترات التوتر، بل أصبح إجراءً دائماً حتى في الأيام التي تشهد هدوءاً نسبياً، ما حول لعبة اعتاد عليها الأطفال منذ عقود إلى 'مخالفة أمنية' تستدعي العقاب.
تحويل لعبة بريئة على 'خطر أمني'
على الصعيد التربوي والنفسي والاجتماعي، اعتبر تربويون وناشطون في مجال حقوق الطفل أن هذا المنع يمثل امتداداً لسياسة ممنهجة للعدو الإسرائيلي تستهدف تجريد الطفل الغزي من طفولته.
وأكدوا أن حرمان الأطفال من اللعب البريء في وقت يعيشون فيه تحت القصف والحصار والخوف، يضاعف من الأعباء النفسية عليهم ويعمق شعورهم بالعزلة والحرمان. وأشاروا إلى أن اللعب حق أساسي كفلته اتفاقية حقوق الطفل، وأن تحويل لعبة بسيطة إلى 'خطر أمني' هو تجاوز يضاف إلى قائمة الانتهاكات الإسرائيلية اليومية بحق الأطفال في القطاع.
ولم تقتصر تبعات المنع نتيجة التهديد الإسرائيلي على الجانب النفسي فقط، بل امتدت إلى الجانب الاجتماعي أيضاً. فالطائرة الورقية كانت نشاطاً جماعياً يجمع الأطفال في الشوارع والساحات، ويمنحهم مساحة للتفاعل والضحك بعيداً عن أجواء الحرب. ومع منعها، انكمشت مساحات اللعب أكثر، وأصبحت أيام الأطفال تقتصر على الجلوس داخل البيوت المكتظة في ظل انقطاع الكهرباء وانعدام البدائل.
وفي المقابل، برر جيش العدو تهديداته زاعمًا أن الطائرات الورقية قد تستخدم لنقل مواد حارقة أو متفجرات، إلا أن أهالي غزة يرون أن التعميم على كل الأطفال ومصادرة اللعبة بشكل كامل هو عقاب جماعي يطال الأبرياء، ولا يتناسب مع أي مبرر أمني.
إمعان في الحصار والقتل
سياسيًا، تواترت المواقف الرافضة والمستهجنة لرد فعل العدو الإسرائيلي ومن يدور في دائرته، إذ انتقد القيادي في حركة 'حماس' باسم نعيم، إدراج مجلس السلام إطلاق الطائرات الورقية ضمن 'الأنشطة المسلحة'، وقال 'ما هذه الوقاحة؟'، متسائلًا عما إذا كانت محاولات إرضاء نتنياهو قد وصلت إلى حد توصيف أنشطة الأطفال بأنها أنشطة مسلحة.
وقال عضو المكتب السياسي لحماس، إن الطائرات الورقية 'أطلقها أطفال من غزة يبحثون عن طفولتهم البريئة وسط الركام'. واتهمت الحركة سلطات العدو الإسرائيلي باستخدامها 'ذريعة' لمواصلة الهجمات على القطاع.
واعتبرت حركة 'حماس'، أن تهديد إسرائيل باستهداف مناطق في قطاع غزة و'تهجير سكانها، واتخاذ ألعاب الأطفال ذريعة لذلك'، يؤكد النية المبيّتة لمواصلة الحرب، والمضي في 'مخططات التهجير والإبادة، بذرائع واهية'.
ودعت الحركة، في بيان، الإدارة الأمريكية والدول الوسيطة إلى تحمل مسؤولياتها، وإدانة تصعيد حكومة العدو الإسرائيلية، وإلزامها بخريطة الطريق المؤدية إلى وقف حقيقي لإطلاق النار في قطاع غزة.
وعلى الصعيد الدولي، نددت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بالتهديد، وقالت المتحدثة باسمها رافينا شمدساني، إن التهديد بالطرد 'بسبب إطلاق أطفال لطائرات ورقية' أمر 'شائن'.
وأضافت أن التصريحات الإسرائيلية تأتي ضمن 'خطاب غير مقبول' يصدر من أعلى مستويات السلطات الإسرائيلية ويُظهر 'ازدراءً تامَا للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني'.
واعتبرت منظمة العفو الدولية، سلوك 'إسرائيل' تجاه الطائرات الورقية لأطفال قطاع غزة وتصنيفها كطائرات مسيّرة، يقوض آمالهم في الحصول على المرح الذي يحظى به كل الأطفال في العالم.
وقالت، في تدوينة على منصة 'إكس'، إن 'بيان الحكومة الإسرائيلية الذي يزعم فيه اعتبار البالونات والطائرات الورقية التي تُحلّق في قطاع غزة بمثابة طائرات عسكرية مسيّرة، يُقوّض أي أمل لأطفال غزة في لحظات من الفرح'.
وأكدت أن هذا السلوك يأتي تواصلاً لحرمان أطفال غزة من طفولتهم بسبب الإبادة الجماعية 'الإسرائيلية' المستمرة.
وفي السياق ذاته، أكّد رئيس المرصد الأورو متوسطي لحقوق الإنسان، الدكتور رامي عبده، أن تحويل نشاط طفولي بريء، كإطلاق الطائرات الورقية، إلى تهديد أمني مزعوم، يمثل نمطًا متكررًا في سياسة العدو الصهيوني تجاه قطاع غزة، من خلال إعادة تعريف السلوكيات المدنية العادية على أنها «استفزازات» لتبرير الهجمات العسكرية أو التهجير القسري والإخلاء غير القانوني.
وقال عبده لصحيفة 'فلسطين أونلاين'، إن هذا النهج يُستخدم لتحويل الأنظار عن طبيعة العدوان المفروض على قطاع غزة منذ سنوات، والرفض الإسرائيلي لخارطة الطريق المتفق عليها في القاهرة، فضلًا عن خلق مسوغ إعلامي وقانوني أمام الرأي العام الدولي لأي تصعيد عسكري.
وأكد عبده أن معاقبة الأطفال أو استهدافهم بسبب لعبهم يتعارض مع اتفاقية حقوق الطفل والقانون الدولي الإنساني، الذي يوجب توفير حماية خاصة للأطفال خلال النزاعات المسلحة.
ذريعة للتصعيد
بموازاة المواقف السياسية المحلية والحقوقية الدولية الرافضة، يرى محللون أن 'التضخيم المفتعل' لطائرات الأطفال الورقية، ينطوي على مساع إسرائيلية حثيثة من نتنياهو إلى تفجير الموقف وتبرير مزيد من التصعيد وتحقيق مآرب سياسية وانتخابية.
كما يروا أن الموقف الإسرائيلي تجاه الطائرات الورقية يعكس سياسية البحث عن ذريعة، إذ اعتبر الخبير في الشؤون الإسرائيلية، عادل شديد، أن 'سلطات العدو الإسرائيلي تبحث عن ذريعة للتصعيد، لا سيما بعد أن وافقت حركة حماس على خريطة الطريق، وحظيت بتأييد الوسطاء و8 دول عربية وإسلامية، مما أربك الحسابات الإسرائيلية، وقطع الطريق أمام مخطط كان يعده نتنياهو وكاتس، لتوسيع التصعيد على قطاع غزة قبيل الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة في أكتوبر المقبل'.
ورجّح شديد، في حديث لقناة لجزيرة، أن القطاع سيكون أمام ما وصفه بـ'تصعيد دموي كبير'، إذا لم يعمد الوسطاء إلى الضغط على الإدارة الأمريكية، من أجل وقف المخطط الإسرائيلي.
يبقى أطفال غزة اليوم محرومين حتى من حق النظر إلى السماء بورقة ملونة معلقة بخيط، بينما تستمر معاناتهم في ظل جريمة إبادة لم تبق لهم شيئاً من مظاهر الطفولة. فبعد أن سلبت الإبادة المستمرة مدارسهم وبيوتهم وألعابهم، جاء دور السماء أيضاً ليتم إغلاقها في وجوههم.
مما سبق، يتجلى مدى إصرار العدو الإسرائيلي على خنق كل مسارات الحياة في القطاع المحاصر، فحتى ألعاب الأطفال يطبق عليها حصاره...فمتى يستيقظ ضمير العالم؟ حتى ألعاب الأطفال صارت هدفًا من أهداف العدوان الإسرائيلي على الوجود الفلسطيني.
إكــس













































