اخبار تونس
موقع كل يوم -أنباء تونس
نشر بتاريخ: ٢٤ أيلول ٢٠٢٦
بقلم فاهم بوكدوس
أصدر البنك الدولي يوم 22 سبتمبر 2026 أحدث نشرية له حول الظرف الاقتصادي في تونس تحت عنوان «تحدي المياه في تونس: من الندرة إلى الصمود»، واضعًا أزمة المياه في قلب مستقبل الاقتصاد التونسي، بعد سنوات من النمو الضعيف وتراكم الضغوط على المالية العمومية وارتفاع كلفة الواردات. وتكتسب هذه النشرية أهميتها لأنها لا تتعامل مع المياه كملف بيئي منفصل، بل تربط مباشرة بين الأمن المائي والنمو الاقتصادي والتشغيل والإنتاج الفلاحي ومستوى عيش التونسيين.
ويشير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد التونسي سجل نموًا بنسبة 2.7% خلال سنة 2025 و2.4% على أساس سنوي خلال النصف الأول من 2026، مدفوعًا خصوصًا بانتعاش الفلاحة والصناعات الميكانيكية والكهربائية والسياحة. لكن البنك يتوقع تباطؤ النمو إلى 2.3% خلال كامل سنة 2026، ثم إلى معدل متوسط لا يتجاوز 2.1% خلال 2027 و2028. وبذلك يقدم التقرير اقتصادًا يتحرك في الاتجاه الإيجابي، لكنه يظل في مسار نمو بطيء لا يكفي وحده لتغيير الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة.
ويوشر التقرير إلى تراجع معدل البطالة إلى 14.9% خلال الثلاثي الثاني من 2026، لكن هذا التحسن العام يخفي تفاوتًا كبيرًا بين الفئات، إذ بلغت البطالة لدى النساء 21.6%، أي ما يقارب ضعف معدل البطالة لدى الرجال. ويعني ذلك أن تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية لا يتحول بالضرورة إلى تحسن متساوٍ في أوضاع السكان أو إلى إدماج أوسع للفئات الأكثر هشاشة في سوق العمل.
لكن النقطة الأكثر أهمية في التقرير هي انتقال البنك الدولي من الحديث عن المياه باعتبارها أزمة خدمات وموارد إلى اعتبارها عاملًا محددًا لمستقبل النمو نفسه. فتونس لا يتوفر لها حاليًا سوى حوالي 380 مترًا مكعبًا من المياه العذبة المتجددة للفرد سنويًا، وهو مستوى أدنى بكثير من عتبة الندرة المائية المطلقة، فيما يتوقع التقرير أن يؤدي تغير المناخ وتزايد الطلب إلى مزيد من الضغط على الموارد المحدودة أصلًا.
وتكمن خطورة الوضع في الكلفة الاقتصادية المحتملة. فالبنك الدولي يقدّر أن استمرار أزمة المياه من دون إجراءات كافية يمكن أن يؤدي إلى انخفاض الناتج الداخلي الخام التونسي بنسبة 6.4% بحلول سنة 2050. وستكون الفلاحة في مقدمة القطاعات المتضررة، باعتبارها تشغل حوالي 14% من السكان النشيطين على المستوى الوطني وما يصل إلى نصف العاملين في المناطق الريفية. وفي سيناريو عدم التحرك، يمكن أن يؤدي الإجهاد المائي والمناخي إلى فقدان 30% على الأقل من الوظائف الفلاحية بحلول منتصف القرن، إضافة إلى تراجع الإنتاج الزراعي. ولن تتوقف التداعيات عند الفلاحة، بل ستمس السياحة والصناعات الغذائية والصناعة وغيرها من القطاعات المرتبطة بالمياه.
ويرى البنك الدولي في المقابل أن مواجهة الأزمة المائية يمكن أن تتحول إلى فرصة اقتصادية، من خلال الاستثمار في البنية التحتية وإصلاح القطاع. ويشير إلى أن برنامج RESEau المدعوم من مجموعة البنك الدولي يمكن أن يوفر في مرحلته الأولى حوالي 4 آلاف موطن شغل قار و13.4 ألف موطن شغل مؤقت. كما أن «خطة المياه 2050» الحكومية تتطلب، وفق التقرير، استثمارات تقدر بحوالي 900 مليون دولار سنويًا إلى منتصف القرن.
لكن البنك لا يعتبر ضخ الأموال في البنية التحتية كافيًا. فهو يدعو إلى تحديث مجلة المياه، وإعادة استعمال المياه المعالجة، وتحسين استخلاص الكلفة مع حماية الأسر الهشة، وتقليص ضياع المياه في الشبكات، وتطوير الرقمنة، وتحسين إدارة الري، وتعزيز حوكمة القطاع وأداء مؤسسات الخدمات. أي أن الأزمة، وفق التقرير نفسه، ليست أزمة موارد مالية وتقنية فقط، وإنما أيضًا أزمة إدارة وحوكمة ونجاعة في استخدام المورد.
ومن هنا تبدأ القراءة الاجتماعية الأكثر أهمية للتقرير، فالأرقام المتعلقة بالنمو تبدو إيجابية إذا قرئت منفردة: 2.7%، ثم 2.4%. لكن عندما توضع بجانب توقع نمو في حدود 2.1% فقط في السنوات المقبلة، وبطالة تبلغ 14.9%، وبطالة نسائية تتجاوز 21%، ومخاطر تهدد عشرات الآلاف من الوظائف المرتبطة بالفلاحة، فإن السؤال لا يعود فقط: هل الاقتصاد التونسي ينمو؟
ويصبح السؤال الأهم هنا : أي اقتصاد ينمو، ولمن يخلق هذا النمو، وما الذي يغيره في حياة الناس؟فالنمو بنسبة 2 أو 3% لا يكفي في حد ذاته لمعالجة البطالة، أو تحسين الأجور، أو تقليص الفوارق الجهوية، أو حماية الخدمات العمومية. والأخطر أن الاقتصاد الذي ينمو ببطء اليوم يواجه في الوقت نفسه خطرًا مائيًا يمكن أن يقتطع منه 6.4% من الناتج في أفق 2050. وهذا يجعل أزمة المياه أكثر من مجرد مشكلة عطش أو انقطاعات: إنها اختبار لقدرة النموذج الاقتصادي التونسي على الاستمرار.
وتصبح القضية إذن أبعد من رفع معدل النمو. المطلوب هو معرفة ما إذا كان النمو يخلق عملًا لائقًا، ويوزع ثماره بصورة أكثر عدلًا، ويحمي الفئات الضعيفة، ويضمن الخدمات الأساسية، ويحافظ على الموارد التي يقوم عليها الاقتصاد نفسه. فالماء هنا ليس مجرد مدخل للإنتاج؛ إنه شرط للإنتاج والعمل والأمن الغذائي والصحة والاستقرار الاجتماعي.
ان الجانب الأكثر دلالة في تقرير 22 سبتمبر هو. ان البنك الدولي لا يحذر تونس فقط من أزمة مياه قادمة، بل يحذرها عمليًا من أن استمرار النمو بنفس الهشاشة قد يجعل الأزمة المائية أزمة اقتصادية واجتماعية شاملة. ولذلك فإن التحدي ليس فقط كيف نحافظ على نسبة نمو موجبة، وإنما كيف نعيد توجيه الاقتصاد نحو نمو أكثر قدرة على خلق العمل، وحماية الموارد، وتقليص الفوارق، وضمان حق الشعب التونسي في الخدمات الأساسية.
*فاهم بوكدوس المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين

























