اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ١٧ كانون الثاني ٢٠٢٦
العنوان الرئيسي في صحيفة “الوطن” السعودية أمس لم يكن يتعلق بإيران أو بالهجوم الذي توقف أو بالمظاهرات، بل تم تخصيصه لمساعدة بمبلغ نصف مليار دولار، الذي تنوي السعودية إرساله لليمن. قراء الصحيفة الذين بحثوا عن معلومات حول ما يحدث في إيران وجدوا نبأ قصيراً على هامش الأخبار، الذي ورد فيه أن ترامب وعد بمساعدة المتظاهرين. هكذا أيضاً في صحيفة “عكاظ” السعودية واسعة الانتشار، التي استهلت بمساعدة سخية وعد بها ملك السعودية لليمن. عنوان الخبر حول إيران اكتفى بالإبلاغ أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قال للأمين العام للأمم المتحدة بأن “جهات إرهابية هي التي مست بالمتظاهرين، وقطعت رؤوسهم وأحرقت مباني حكومية”. ثمة قراءة مشابهة في الصحف المؤيدة للحكومة في مصر، مثل “المصري اليوم” و”الشروق” و”الأهرام”، كانت تحتاج من القارئ التزود بعدسة تكبير للعثور على الأخبار القصيرة التي تناولت بأسلوب جاف ما كان يحدث في إيران أو قرار ترامب.
مصادر سعودية قالت لوسائل إعلام عربية بأن التوجيهات الحكومية كانت قاطعة. وبحسبها، ستتخذ وسائل الإعلام في الدولة “موقفاً حيادياً” تجاه الأحداث، ويجب أن يكون النشر عنها قصيراً، وموضوعياً لا تحليلات فيه. ولكن تقليص النشر في الدول العربية عن مظاهرات تهدد النظام ليس موقفاً “محايداً”، بل سياسة، هدفها الأول منع “انزلاق التماهي” إلى حدودها، كان يكفيها “ربيع عربي” واحد.
لكن إلى جانب الموقف الرسمي والإعلامي الملتزم بهذا التوجيه، والذي تجلى أيضاً في تصريحات السعودية وقطر بأنهما لن تسمحا باستخدام أراضيهما كمنصات لإطلاق هجمات ضد إيران، فقد كثف قادة دول المنطقة، لا سيما دول الخليج ومصر وتركيا، الجهود الدبلوماسية بشكل غير مسبوق. وأفادت مصادر تركية بأن وزير الخارجية هاكان فيدان أجرى مؤخراً سلسلة محادثات مع نظيره الإيراني، بالتزامن مع وزراء خارجية الولايات المتحدة والسعودية وقطر والإمارات، بهدف صياغة موقف واحد ضد الهجوم.
وحسب مصادر عربية وتركية تحدثت مع صحيفة “هآرتس”، فإن وزراء خارجية هذه الدول، الذين أجروا أيضاً “محادثات ضغط” مع كبار المسؤولين في البيت الأبيض والإيرانيين، عرضوا على نظرائهم الأمريكيين سيناريوهات كارثية قد تتطور في كل المنطقة إذا تعرضت إيران للهجوم وسقط النظام الإيراني لاحقاً. وحسب أحد المصادر، فقد حذرت الرياض واشنطن من أن “إيران قد تنزلق إلى حرب داخلية شاملة، وهو وضع سيمهد لبيئة خصبة لنشاطات التنظيمات الإرهابية، وستتفكك إيران بين كيانات تمتلك أسلحة استراتيجية، ومواطنين ومنظمات ستسيطر على كل أنواع السلاح، والنتيجة أشبه لما حدث في سوريا في عهد الأسد أو في ليبيا، وسترتفع أسعار النفط بشكل يضرب بالاقتصاد العالمي وستكون الولايات المتحدة هي الضحية الرئيسية”.
السعودية والإمارات، التي شاركت أيضاً في الحملة المذعورة لمنع الهجوم على إيران، أوضحتا للإدارة الأمريكية بأنهما لا تخشيان فقط هجوماً إيرانياً ضدهما، بل تخشيان أيضاً من تعطيل التجارة في الخليج العربي الذي قد يصبح حقل ألغام ومنطقة هجوم إذا شعر النظام في إيران بأنه يقاتل على وجوده.
تركيا تتشارك في الحدود مع إيران بمسافة 530 كم تقريباً، وقد توترت العلاقات بينهما منذ سقوط نظام الأسد وتولي أحمد الشرع للحكم في سوريا. ويشعر الأتراك بالقلق إزاء موجات اللاجئين التي قد تغرق بلادهم في حالة اندلاع حرب في إيران، وإزاء تصاعد إرهاب الأكراد على أراضيهم، لأن القوات الكردية الإيرانية قد تتحد مع القوات الكردية في العراق وسوريا. وقدر معلق تركي في محادثة مع صحيفة “هآرتس” بأنه “في مثل هذه الحالة ستكون معركة تركيا ضد الأكراد في سوريا بمثابة لعبة أطفال مقارنة مع ما قد يحدث على حدودها الشرقية. إيران ليست فنزويلا أو غرينلاند أو غزة، التي يعتقد ترامب أنه قادر على السيطرة عليها. نحن نتحدث عن 90 مليون نسمة تقريبا، سينقسمون بين القوات المسلحة ومنظمات وحركات معادية، وعناصر عرقية متنافسة لن تتردد في الهتاف “الموت لأمريكا” و”الموت لترامب” بعد تحريرهم من نظام آية الله.
أمام هذا التجند العربي والتركي لمنع الهجوم في إيران، كان على الوسطاء تقديم ما يرضي ترامب والتراجع عن موقف. وبالفعل، بعد الأيام العشرة الأولى للمظاهرات، يبدو أن الجهود المبذولة لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بدأت تؤتي أكلها. وأكد ترامب نفسه بأن الإيرانيين تواصلوا معه لاستئناف المفاوضات، وأن “لقاء معهم تم التخطيط له بالفعل”. وكان من المفروض أن يكون هذا اللقاء بين ستيف ويتكوف وعراقجي بهدف استئناف المحادثات من حيث توقفت في حزيران عندما بدأت الحرب مع إسرائيل. ولكن ترامب ألغى في اليوم التالي خطة استئناف المفاوضات بذريعة حجم المتظاهرين الذين قتلوا في مواجهات مع قوات الأمن الإيرانية، وانتقل إلى الاستعداد العملياتي للهجوم، بما في ذلك تحريك القوات وإجلاء الموظفين الأمريكيين المدنيين ووضع القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط في حالة تأهب قصوى.
ولكن في الوقت الذي ينتظر فيه العالم رد الرئيس، الذي أظهر غطرسته المعروفة، لم يتوقف الوسطاء العرب وتركيا عن محاولة إيجاد “مخرج” لنزع فتيل ما وصف بأنه “سيناريو مؤكد لحرب إقليمية”. هنا يكمن سر أحد الاختفاءات المثيرة للاهتمام. هل كان ترامب أو أحد مستشاريه هو الذي اقترح مطالبة إيران بوقف إطلاق النار على المتظاهرين وتنفيذ الإعدامات كشرط لوقف الهجوم، أم أن إحدى دول الوساطة هي التي طلبت معرفة ما إذا كان ترامب سيوقف الهجوم في حالة امتثال إيران؟ أو إذا شاركت دول أخرى مثل روسيا والصين في هذا الجهد المشترك؟
الصعوبة التي واجهت الوسطاء كانت ذات شقين؛ فبعد أن دعا ترامب المتظاهرين إلى السيطرة على مؤسسات الدولة وطمأنتهم بأن “المساعدة قادمة”، بدا وكأنه ينأى بنفسه عن سياسته السابقة التي صرح فيها بأنه لا يطمح إلى إسقاط النظام، وانتقل إلى استراتيجية جديدة تعتبر إسقاط النظام هدفاً مفضلاً ومحتملاً، وأن الولايات المتحدة مستعدة للمشاركة فيه بشكل مباشر. ولمنع الهجوم، كان من الضروري إعادة ترامب إلى “نمط” تفكيره السابق، وإقناعه بالعواقب الوخيمة والإقليمية التي قد تنجم عن أي هجوم، ومحاورة التركيز على السبب نفسه، وحجم القتل، الذي دفعه إلى إصدار أوامر للاستعداد للهجوم (إذا كان ينوي تنفيذه بالفعل). الصعوبة الثانية كانت إقناع القيادة في إيران بوقف عمليات القتل الجماعي وإعدام النشطاء المعتقلين الذين حكم عليهم بالإعدام بسرعة.
حسب مصادر عربية، فإن سلطنة عمان، التي تربطها علاقات وثيقة وخبرة واسعة في الوساطة مع السعودية، تتحرك أمام إيران. وأما السعودية فتلعب للمرة الثانية دوراً محورياً في دعم إيران سياسياً. ففي الأشهر الأخيرة، رفعت مستوى التعاون الدبلوماسي مع طهران وشجعت إيران على استئناف المفاوضات حول الاتفاق النووي. وتسعى السعودية أيضاً إلى إقناع إيران بإصدار أوامر لحزب الله للموافقة على نزع سلاحه، بل عرضوا عليها مساعدات اقتصادية واستثمارات ضخمة في حالة التوصل إلى اتفاق لرفع العقوبات عنها.
الأربعاء، ظهر أن جهود الإقناع أثمرت. فإيران بدأت في بناء رواية جديدة، فوزير الخارجية عراقجي أبلغ في مقابلة مع “فوكس نيوز” بأنه “بعد ثلاثة أيام من النشاطات الإرهابية، بدأ الهدوء يسود الآن. نحن في سيطرة كاملة… لا نية لإعدام أي شخص ولن تكون هناك إعدامات”. سواء كانت سيطرة كاملة أم لا، فإن التخلي عن الإعدامات التي سمح بها المرشد الأعلى لا يعتبر تراجعاً أو استسلاماً، بل يستند إلى “عدم الحاجة”، فبعد تحقيق “السيطرة الكاملة” وبعد أن “ساد الهدوء” لا حاجة حتى إلى الردع. وكأنه خطة محكمة، سارع ترامب إلى التوضيح بأنه “حصل على معلومات موثوقة” تفيد بتوقف عمليات القتل، وأنه لا خطط للإعدامات. حالة التأهب انخفضت، وتم فتح سماء إيران، وربما نسمع من ترامب نفسه خلال أيام (أو ساعات) عن الدول التي ينبغي لإيران أن تشكرها على موافقته على وقف الهجوم.
مع ذلك، هذا هو ترامب، لا مناص من ملاحظة التحذير المعتادة بأن كل شيء لديه غير متوقع، هناك إمكانية دائمة لإعطائه الإذن بشن حرب عسكرية. ولكن إذا كان قراره بوقف الهجوم ليس “مناورة” أو “تمويهاً”، بل نتيجة تحليل واقعي لما سمعه في الفترة الأخيرة من قادة مقربين منه ويقدر آراءهم، فهو بذلك يعيد عبء اتخاذ القرار إلى إيران والمتظاهرين والنظام ويضع نفسه في موقف المراقب في الوقت الحالي. في الأيام القريبة القادمة، سيتضح إذا كان قراره قد حرر حركة الاحتجاج من خطر الاغتيالات ومن ثم حقق المساهمة التي وعد بها المتظاهرين، وما إذا كان النظام الإيراني سيفي بالتزاماته ليس تجاه ترامب فقط، بل أيضاً تجاه دول الوساطة العربية التي أصبحت، بدافع حماية نفسها، بمثابة الدرع الأمني لإيران.
تسفي برئيل
هآرتس 16/1/2026













































