اخبار اليمن
موقع كل يوم -سبأ نت
نشر بتاريخ: ١٢ أب ٢٠٢٦
غزة - سبأ:
في كل مرة تهتز فيها جدران المنزل بصوت قصف، لا تركض عائلة أبو عويضة بحثًا عن مكان آمن فقط؛ بل تبحث أولًا عن إجابة لسؤال أكثر قسوة: هل يستطيع قلب كنان وكنز تحمّل الخوف؟
في منزل لا يبعد سوى نحو 300 متر عن ما يسمى 'الخط الأصفر' شرق مخيم المغازي وسط قطاع غزة، يعيش طفلان صغيران في انتظار شيء لا يفهمان لماذا تأخر: عملية جراحية قد تمنحهما فرصة للحياة مثل بقية الأطفال.
كنان، ابن السنوات التسع، وكنز، شقيقته ذات الأعوام الثلاثة، لا يعرفان الطفولة كما يعرفها أقرانهما. لا يركضان خلف كرة، ولا يتسابقان في أزقة المخيم، ولا يقفزان فرحًا عند سماع الانفجارات أو حتى عند رؤية لعبة جديدة؛ فكل مجهود زائد قد يرهق قلبيهما، وكل نزلة برد قد تخفض الأكسجين في دمهما إلى مستويات خطرة، وكل لحظة فزع قد تتحول إلى تهديد حقيقي.
لقد توقفت رحلة علاجهما عند حدود الحرب، وبقي قلباهما عالقين بين الحاجة إلى الجراحة واستحالة الوصول إليها.
منذ ولادته، بدأت معاناة كنان مع مرض قلبي خلقي معقد. أظهرت الفحوصات والتصوير المقطعي وجود تشوهات خطيرة، بينها عدم قيام البطين الأيسر بوظيفته بالشكل المطلوب وانقلاب في الشرايين، إضافة إلى اضطراب في وضع البطين والأذين الأيمن.
وبعد سنوات من الفحوصات والتنقل بين المستشفيات، وصل كنان إلى مستشفى المقاصد في القدس المحتلة، حيث خضع لعمليتين جراحيتين معقدتين. لكن حالته كانت تحتاج إلى تدخل ثالث، فجرى تحويل ملفه إلى مستشفى داخل الأراضي المحتلة لاستكمال العلاج وإجراء العملية التالية.
ثم جاءت الحرب الصهيونية، فأغلقت الطريق.ولم تكن مأساة الأسرة قد انتهت عند كنان، إذ جاءت شقيقته كنز إلى الدنيا وهي تحمل تشوهات قلبية مشابهة. خضعت الطفلة لثلاث زيارات إلى مستشفى في القدس المحتلة لإجراء الفحوصات وتحديد موعد العملية، لكن الموعد لم يتحول إلى غرفة عمليات.
هكذا أصبح لدى الأسرة طفلان، وقلبان يحتاجان إلى الجراحة، وموعدان مؤجلان، وحرب لا تمنحهما الوقت الذي يحتاجه المرضى.
يقول والدهما سامي أبو عويضة لـ صحيفة (فلسطين)، إن الأسرة لم تتخيل يومًا أن يكون أول طفلين لها مصابين بهذا المرض النادر، لكن الحرب جعلت معاناتهما مضاعفة، وحرمت كلًا منهما من استكمال العلاج الذي قد ينقذ حياته.
ويضيف الأب: 'كل يوم يمر دون إجراء العمليات يزيد من الخطر عليهما، فنحن لا نعيش حياة طبيعية، بل نعيش في حالة مراقبة دائمة لكل نفس ولكل نبضة قلب'.
فنقص الأكسجين يرافقهما بصورة مزمنة، وتزداد حالتهما سوءًا عند الإصابة بالإنفلونزا أو نزلات البرد. الحركة ترهقهما، وتظهر التورمات في الأطراف، بينما يحرم التعب السريع جسديهما الصغيرين من أبسط حقوق الطفولة.
يقول الأب: 'أكثر ما يؤلمنا أنهما يشاهدان الأطفال يركضون ويلعبون، بينما يكتفيان بالمراقبة. الجري بالنسبة لهما ليس لعبة، بل خطر قد يرهق قلبيهما'.
فالمنزل القريب من مناطق المواجهة يجعل أصوات القصف والانفجارات جزءًا من يوم الطفلين. ومع كل انفجار، لا يخشى الوالدان سقوط القذائف فحسب، بل يخشيان أن يكون الخوف نفسه سببًا في تدهور حالتهما.
يقول سامي: 'نخشى من الخوف نفسه أكثر مما نخشى من القذائف، لأن أي فزع مفاجئ قد يرهق قلبيهما بشكل خطير، ولا يستطيعان الجري أو الاحتماء مثل بقية الأطفال'.
حتى ألم الأسنان لم يكن بسيطًا بالنسبة إلى كنان.فعندما اشتد عليه الألم، رفض طبيب الأسنان إعطاءه التخدير الموضعي بعد معرفته بحالته القلبية، واشترط تقريرًا طبيًا من الطبيب المشرف عليه يحدد نوع المخدر المناسب والجرعة الآمنة.
ووسط كل ذلك، لا تطلب الأسرة معجزة؛ إنها تطلب فقط أن يُفتح الطريق أمام العلاج، وأن يصل كنان إلى العملية التي انتظرها طويلًا، وأن تحصل كنز على فرصتها قبل أن يزداد المرض تعقيدًا، وأن يتحول جهاز قياس الأكسجين من رفيق دائم إلى ذكرى بعيدة، وأن يصبح الجري شيئًا طبيعيًا في حياة طفلين لم يعرفاه إلا من خلف النوافذ.
في غزة، لم تتوقف الحرب عند تدمير البيوت، بل وصلت إلى أحلام طفلين صغيرين. كنان وكنز ينتظران عملية جراحية قد تمنحهما فرصة لحياة أكثر استقرارًا، لكن الطريق إلى العلاج أُغلق أمامهما. ومن خلف الأبواب والنوافذ، يراقبان أطفالًا في عمرهما يركضون ويلعبون، بينما يظل الجري بالنسبة إليهما مخاطرة، والحركة مجهودًا، والطفولة حلمًا مؤجلًا.
أما الأب، فلم يعد يحلم بالكثير. يقول: 'أمنيتي بسيطة؛ أن أرى كنان وكنز يركضان يومًا دون خوف، وأن أطمئن أن قلبيهما ينبضان بأمان'.
وربما تختصر هذه الأمنية كل الحكاية: طفلان لا يريدان أكثر من فرصة للركض، لكنهما في غزة يحتاجان أولًا إلى أن يُسمح لقلبيهما بالوصول إلى النجاة.
فهل يصلان إلى غرفة العمليات قبل أن يصل المرض إليهما أولًا؟
إكــس













































