اخبار تونس
موقع كل يوم -أنباء تونس
نشر بتاريخ: ٧ تشرين الأول ٢٠٢٦
إن توصيف دونالد ترامب للذكاء الاصطناعي بوصفه 'الذكاء الخارق' (hyper-intelligence) يتخطى كونه استعارة لغوية عابرة، بل إنه يشكل عملية إعادة هندسة سردية جذرية تهدف إلى شرعنة تسليم مقاليد القرار الاقتصادي والاجتماعي إلى قبضة 'أباطرة التكنولوجيا' في وادي السيليكون.
محجوب لطفي بلهادي *
هذا التوجه، الذي يتماشى مع أطروحات إيلون ماسك لإحلال الروبوتات الذكية محل الكفاءات البشرية، يُحاط بـجعجعة إعلامية ترويجية تهدف لامتصاص القلق العام ومحاولة إقناع المجتمعات بأن آليات التدقيق الجديدة المعلنة قادرة على ضبط هذا المارد، بينما تُثبت الوقائع اليومية عكس ذلك تماماً.
وتتجلى أبعاد هذا المنعطف الاستراتيجي وشواهد خروج أنظمة الذكاء الاصطناعى عن السيطرة في النقاط المحورية التالية :
أولا – احتكار القرار وإقصاء الفاعلية المحلية
إن صياغة مفهوم 'الذكاء الخارق الترامبي' تتم خلف أبواب مغلقة تجمع فقط حيتان الاستثمار التكنولوجي الكبرى. هذا التحالف النخبوي يعتمد سياسة إقصاء متعمدة للشركات المحلية الناشئة، والشبكات الفاعلة، ومؤسسات المجتمع المدني. ونتيجة لذلك، تأتي آليات التدقيق المزعومة مشوهة وفاقدة لما يُعرف بـ 'القوة الثانية': غياب جهة رقابية مستقلة تماماً وقادرة على فرض عقوبات رادعة، مما يحول التدقيق والرقابة إلى مجرد بروتوكولات صورية مخصصة للاستهلاك الإعلامي.
ثانيا – شواهد عمليّة على خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة
الجعجعة الإعلامية تسوّق للجمهور أن التكنولوجيا تحت السيطرة، لكن الواقع العملي يسجل اختراقات بنيوية متتالية تؤكد أن أنظمة الذكاء الاصطناعى أصبحت تتصرف بشكل مستقل عن إرادة مطوريها وذلك من خلال الشواهد المسجلة في هذا الصدد:
ثالثا – المآلات السياسية والاجتماعية لإحلال الروبوتات
يؤدي هذا الخروج المستمر عن السيطرة، معطوفاً بالتبني الرسمى له، إلى تحول الحوكمة تدريجياً من الدول والمؤسسات التشريعية المنتخبة إلى حكم الشركات التقنية العملاقة (Corporate Technocracy). وفي هذا المشهد الاستشرافي، يصبح 'الذكاء الخارق الترامبى' صندوقاً أسود غير قابل للمساءلة القانونية، وتتحول آليات الفحص والتدقيق إلى أدوات شكلية لا تملك سلطة إيقاف الزحف التكنولوجي الذي يستهدف إلغاء السيادة البشرية وإحلال الآلة، مما يعمق الفجوة الرقمية ويركز ثروات العالم في جيوب قلة لا تتجاوز حدود 'وادي السيليكون'.
* خبير استراتيجيات الذكاء الاصطناعى.

























