اخبار اليمن
موقع كل يوم -الأمناء نت
نشر بتاريخ: ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
قرار تتحدث عنه مصادر حكومية، ومقر رسمي ينفي وجودها من الأساس، بين الروايتين، يتجدد الجدل بشأن الحضور الحوثي في العراق، في ملف تتجاوز أبعاده مسألة إغلاق مقرات مزعومة إلى أسئلة أكثر حساسية حول طبيعة العلاقة بين الجماعة والفصائل المسلحة، وحدود النفوذ الإقليمي داخل البلاد.
ويأتي ذلك وسط مساعٍ عراقية لاحتواء التوتر مع السعودية، ومطالب متزايدة بمنع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً لهجمات تستهدف دول الجوار، فيما يظل غياب وثيقة رسمية منشورة يحسم حقيقة القرار المتداول أبرز جوانب القضية.
وأفادت قناة 'الحرة'، أمس الأربعاء، نقلا عن مصادر حكومية عراقية مطلعة بأن رئيس الوزراء علي فالح الزيدي أصدر قرارا بإغلاق مكاتب الحوثيين في البلاد، وإبعاد أي شخصية تابعة للجماعة توجد بصورة غير قانونية وتنشط مع الفصائل المسلحة.
لكن القناة أوضحت أنها لم تتمكن من الاطلاع على نص القرار، ما أبقى مدى صدوره ومضمونه موضع تساؤل.
في المقابل، نفى المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي وجود مقرات للحوثيين في البلاد، معتبرا أن إصدار قرار بإغلاقها غير مبرر ما دام وجودها غير مثبت رسميا.
وقال العبودي، وفق ما نقلته 'الحرة'، 'لا توجد مقرات في العراق لهذه المجموعة المشار إليها، ولا داعي لإصدار قرار حكومي بذلك لانتفاء أصل الموضوع أساسا'.
وجدد المتحدث الموقف نفسه في تصريحات نقلتها شبكة '964' ووكالة الأنباء العراقية، مؤكدا أن بغداد لن تسمح باستخدام أراضيها لتهديد دول الجوار أو احتضان جماعات مسلحة أجنبية منخرطة في صراعات إقليمية.
وهكذا، لا يتعلق الخلاف الحالي بتفاصيل تنفيذ قرار معلن فحسب، بل يبدأ من نقطة أكثر أساسية: هل توجد مكاتب أو مقرات للحوثيين داخل العراق، وما طبيعة وضعها القانوني إن وُجدت؟ وحتى الآن، لم يظهر نص رسمي منشور للقرار الذي تحدثت عنه المصادر المجهلة.
التحدي لا يتعلق بإغلاق المكاتب فحسب، بل بإثبات طبيعة الوجود المنسوب إلى الحوثيين، وضمان ألا تتحول الأراضي العراقية إلى ساحة للصراعات الإقليمية
تعود التقارير عن وجود ممثلية للحوثيين في بغداد إلى سنوات سابقة، إذ تحدثت تقارير إعلامية عن مكتب في حي الجادرية وعن اتصالات بين شخصيات حوثية ومسؤولين وفصائل عراقية. وفي المقابل، لم تعترف الحكومة العراقية علناً بوجود بعثة رسمية للجماعة، ونفت في مارس 2025 تقارير عن نشاط حوثي في العاصمة.
ولم يقتصر الحديث عن هذا الملف على التقارير الصحفية، إذ أشار فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني باليمن، في تقريره لعام 2024، إلى معلومات قدمتها مصادر سرية بشأن نشاط شخصيات حوثية في العراق ولقاءاتها مع قادة جماعات مسلحة. غير أن ورود هذه المعلومات في تقرير أممي لا يعني أن جميع تفاصيلها مثبتة بصورة مستقلة أو أنها تؤكد الوضع القانوني للمكاتب المزعومة في الوقت الحالي.
وتكمن أهمية هذه الخلفية في أنها تجعل القضية أوسع من مجرد وجود عنوان أو مكتب في العاصمة. فالسؤال الأساسي يتعلق بطبيعة النشاط الذي يجري داخل البلاد: هل يقتصر على اتصالات سياسية وزيارات لشخصيات يمنية، أم يمتد إلى تنسيق أمني أو عسكري مع فصائل مسلحة؟ ولكل احتمال تبعات قانونية وأمنية مختلفة، تستدعي أدلة محددة لا مجرد الاستنتاج من وجود علاقات سياسية.
ووجود مكاتب أو مقرات أو منشآت مرتبطة بالحوثيين داخل العراق، في حال ثبوت ذلك، قد يؤدي إلى مشكلات أمنية ويشكل تهديدا للأمن القومي العراقي، ولا سيما إذا ارتبطت تلك المواقع بأنشطة أو جهات تتداخل مع الصراع الإقليمي.
وتنبع المخاوف من احتمال استخدام الأراضي العراقية لتسهيل التنسيق بين جماعات مسلحة تنشط في ساحات مختلفة، أو توفير الدعم اللوجستي والتقني لأنشطة عسكرية تستهدف دولا مجاورة. وإذا ثبتت مثل هذه الأنشطة، فإن المسألة لن تعود خلافا بشأن وجود ممثلية سياسية، بل ستتصل بقدرة الدولة العراقية على فرض سيادتها، وضبط الأنشطة المسلحة داخل أراضيها، ومنع تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
لكن من الضروري الفصل بين وجود ممثلية أو شخصيات مرتبطة بالجماعة، إن ثبت، وبين إثبات استخدامها لأغراض عسكرية. فالاتصالات السياسية وحدها لا تثبت وجود عمليات مسلحة، كما أن التقارير عن نشاط تنسيقي لا تكفي بمفردها لإسناد مسؤولية هجمات محددة إلى جهة بعينها.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تحقيق رسمي يحدد مواقع الوجود المزعوم، وطبيعة أنشطتها، والوضع القانوني للأفراد المعنيين، ومدى وجود صلات تشغيلية بينها وبين أي تشكيلات مسلحة. ويمنح هذا المسار الحكومة أساسا واضحا لاتخاذ إجراءات قانونية، بدلا من ترك القضية معلقة بين تقارير متضاربة ونفي رسمي عام.
عاد الملف إلى الواجهة في ظل توتر العلاقات العراقية السعودية، عقب اتهامات من الرياض بشأن هجمات بطائرات مسيرة قالت إنها انطلقت من الأراضي العراقية.
كما دعا الأمين العام للمشروع الوطني العراقي جمال الضاري، في 16 سبتمبر، إلى إغلاق مكاتب الحوثيين عقب اتهامات سعودية للجماعة بمحاولة استهداف مكة المكرمة بطائرة مسيرة، وهي اتهامات لم تثبت بصورة مستقلة في المعلومات المتاحة.
السؤال الأساسي يتعلق بطبيعة النشاط الذي يجري داخل البلاد: هل يقتصر على اتصالات سياسية وزيارات لشخصيات يمنية، أم يمتد إلى تنسيق أمني أو عسكري مع فصائل مسلحة؟
وتأتي هذه التطورات بعد زيارة الزيدي إلى السعودية الأسبوع الماضي، ولقائه مسؤولين سعوديين في إطار مساع لتعزيز العلاقات واحتواء التوترات الأمنية.
وقبلها، ألغى رئيس الوزراء زيارة مقررة إلى الرياض في يوليو، عقب قصف أميركي سعودي استهدف مواقع لفصائل ضمن الحشد الشعبي، وفق تقارير إعلامية.
وتضع هذه التطورات بغداد أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على علاقاتها مع الفصائل والقوى السياسية داخل البلاد، وفي الوقت نفسه طمأنة دول الجوار إلى أن الأراضي العراقية لن تستخدم لشن هجمات ضدها. كما أن ثبوت وجود مواقع مرتبطة بجماعة منخرطة في صراع إقليمي قد يفاقم الضغوط الدبلوماسية على الحكومة، ويؤثر في الثقة بقدرتها على منع التصعيد عبر الحدود.
لا تقف المسألة عند تحديد ما إذا كانت هناك مكاتب للحوثيين في العراق، بل تمتد إلى كيفية تعامل الحكومة مع أي نشاط أجنبي يرتبط بجماعات مسلحة، وإلى مدى قدرتها على تطبيق القانون بصورة متسقة على جميع الأطراف.
فإذا ثبت وجود مقرات تمارس نشاطا سياسيا ضمن الأطر القانونية، فإن التعامل معها يختلف عن التعامل مع مواقع تستخدم للتنسيق العسكري أو تقديم دعم لعمليات عابرة للحدود. أما إذا ثبت وجود أنشطة مسلحة غير قانونية، فإن حماية السيادة العراقية تقتضي التحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها وفق الإجراءات القانونية، بصرف النظر عن الجهة التي ينتمون إليها.
وفي المقابل، فإن نفي وجود المقرات رسميا لا ينهي الجدل ما دامت تقارير متعددة تتحدث عن ممثلية أو شخصيات مرتبطة بالجماعة. ويحتاج حسم التناقض إلى توضيح حكومي يحدد ما إذا كان المقصود نفي وجود مقرات مسجلة، أم نفي أي وجود تنظيمي أو نشاط للجماعة داخل البلاد.
وبين روايات الإغلاق والقيود والنفي، تبقى القضية اختبارا لقدرة بغداد على الجمع بين حماية أمنها القومي، وصون سيادتها، وإدارة علاقاتها الإقليمية من دون السماح باستخدام أراضيها في صراعات الآخرين. ولن يكون الحسم في الإعلان عن قرار أو نفيه فحسب، بل في تقديم معلومات واضحة عن طبيعة الوجود المزعوم، والإجراءات المتخذة، والأساس القانوني الذي تستند إليه الدولة في التعامل معه.













































