اخبار البحرين
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ١٩ أذار ٢٠٢٦
إبراهيم شاكر - الخليج أونلاين
تعتمد دول الخليج حالياً استراتيجية الدفاع، ومن المرجح أن تلجأ لسياسة الاحتواء التدريجي مع مسار دبلوماسي نشط للحيلولة دون الانزلاق للحرب.
بين ليلة وضحاها، وجدت دول الخليج نفسها في قلب معركة مفتوحة، بعدما تحولت سماء المنطقة إلى مسرح للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، في مشهد غير مسبوق من حيث الحجم والكثافة.
المطارات والمصافي والموانئ، وحتى المناطق السكنية، دخلت دائرة الاستهداف، لتتحول الجغرافيا الخليجية إلى ساحة حرب، قد تؤدي إلى نتائج كارثية في حال استمرت واتسعت وازدادت عنفاً.
سارعت دول مجلس التعاون إلى تفعيل منظومات الدفاع الجوي، وإغلاق أجوائها جزئياً، وتعزيز التنسيق العسكري المشترك، فيما تحركت دبلوماسياً عبر استدعاء السفراء وعقد اجتماع وزاري استثنائي لتوحيد الموقف.
وتتعامل دول الخليج مع الهجمات الإيرانية عبر أربعة مسارات متوازية، تعكس انتقال ردّها من الإدانة التقليدية إلى إدارة أزمة أمنية مفتوحة تتداخل فيها الأدوات العسكرية والدبلوماسية والأمنية.
كلفة باهظة
موقع الخليج، بقدر أهميته في معادلات الأمن والطاقة العالميين، يتحول في أوقات الحرب إلى عبء استراتيجي ثقيل. فالمنطقة مصدر رئيسي لما يقارب ثلث صادرات النفط المنقولة بحراً في العالم، ويمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من الإمدادات العالمية.
ويعني أي انزلاق إلى مواجهة مفتوحة تهديداً مباشراً لأسواق الطاقة، وارتفاعاً في كلفة التأمين البحري، واحتمال إعادة تسعير المخاطر في المنطقة بأكملها، وقد حذرت تقارير اقتصادية غربية من أن تصنيف الخليج 'منطقة حرب' قد يرفع أقساط التأمين بنسبة كبيرة ويضغط على سلاسل الإمداد.
سياسياً، برزت أصوات تحذر من الانجرار للحرب، فدعا الشيخ حمد بن جاسم بن جبر، رئيس وزراء قطر الأسبق، على منصة 'إكس'، إلى تجنب المواجهة المباشرة مع إيران.
واعتبر الشيخ حمد أن الاشتباك المباشر سيستنزف موارد الطرفين ويتيح لقوى أخرى التحكم بمسار المنطقة، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة موقف خليجي موحد رادع.
أما الخبير الأمني اللواء البحري المتقاعد سويد العبكل، فرأى، في تدوينة على منصة 'إكس'، أن ما يجري 'اختبار لصلابة الخليج من الداخل'، محذراً من تحول المواجهة إلى 'حرب أعصاب' تستهدف المزاج العام والثقة الداخلية، مؤكداً أن ضبط النفس ليس ضعفاً بل قوة دولة تملك قرارها.
4 مسارات خليجية
أربع مسارات تواجه فيها دول الخليج الهجمات الإيرانية وتشمل:
أولاً: اعتراض عسكري دفاعي، يشمل إسقاط واعتراض الصواريخ والمسيّرات والطائرات المعادية، ورفع الجاهزية الجوية والدفاعية لحماية الأجواء والمنشآت الحيوية.
وضمن هذا المسار، أعلنت قطر إسقاط طائرتين حربيتين إيرانيتين، فيما كشفت عدة دول خليجية اعتراض هجمات بصواريخ باليستية وصواريخ كروز منذ 28 فبراير.
ثانياً: تصعيد دبلوماسي، حيث انتقل الموقف الخليجي من الإدانة إلى اتخاذ إجراءات مباشرة ضد التمثيل الإيراني، وأبرز ذلك كان:
قرار قطر إعلان الملحقين العسكري والأمني في السفارة الإيرانية شخصين غير مرغوب فيهما، وإمهالهما 24 ساعة للمغادرة.
التصعيد السياسي الخليجي الجماعي في البيانات الرسمية والاتصالات الدبلوماسية واستدعاء سفراء إيران، وهو ما جرى في الإمارات والكويت والسعودية وقطر.
ثالثاً: تشدد أمني داخلي، لم يعد الرد مقتصراً على الخارج، بل امتد إلى الداخل عبر ملاحقة الشبكات المرتبطة بإيران أو حلفائها.
وفي هذا الشأن، أعلنت قطر والكويت والبحرين الإطاحة بخلايا مرتبطة بإيران، قالت إنها كانت تستهدف زعزعة الأمن، والتجنيد لصالح جهات مرتبطة بها، وجمع وتمرير معلومات حساسة إلى الحرس الثوري الإيراني.
رابعاً: خيار الرد العسكري، حيث ارتفع السقف الخليجي من الإدانة إلى التلويح بالخيار العسكري، ويبرز ذلك في:
تأكيد خارجية السعودية أن الرد العسكري خيار قائم إذا لزم الأمر.
تأكيد مجلس التعاون احتفاظ الدول الأعضاء بحقها القانوني في الرد فردياً وجماعياً وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
المتحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، قال في مقابلة مع 'CNN' إن الضربات الإيرانية 'لا يمكن أن تمر دون رد'، مؤكداً أن توقيت وطريقة الرد بيد القيادة القطرية، مشيراً إلى أن الدوحة اختارت سابقاً السلام عندما كانت هناك فرصة اتفاق، 'لكن هذا لا يمكن أن يحدث في كل مرة'، وهو ما يعكس تحولاً في المزاج الرسمي من التهدئة المطلقة إلى الردع المشروط.
وكالة 'فرانس برس' نقلت عن مصدر مقرّب من الحكومة السعودية أن المملكة قد ترد عسكرياً في حال ثبوت تنفيذ هجوم إيراني 'منسّق' على منشآتها النفطية.
أحدث الردود الخليجية جاء الخميس (19 سبتمبر الجاري) حيث وجه وزير الخارجية السعوديرسالة واضحةلإيران، معتبراً أن حساباتها 'خاطئة وخطيرة' إذا اعتقدت أن دول الخليج غير قادرة على الصمود أو الرد على الاعتداءات الإيرانية.
ولفت الوزير خلال مؤتمر صحفي في ختام اجتماع تشاوري لوزراء خارجية 12 دولة عربية وإسلامية في الرياض، إلى ضرورة وقف الهجمات على دول المنطقة، مذكراً أنها لا تشارك في هذه الحرب، وحذر من أن الصبر على هذه الاعتداءات 'ليس من دون حدود'.
وشدد على أنالردود السياسية وغير السياسية على الاعتداءات الإيرانية 'متاحة'، مطالباً طهران بـ'مراجعة نفسها'.
من جهتهاشددت الدول الـ12 في بيان مشترك على حق الدول المتضررة من الهجمات الإيرانية في الدفاع عن نفسها وفق المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تعطي حق الردّ العسكري.
الاحتواء التدريجي
ويرى الدكتور محمد العريمي، الكاتب والباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية، أنه بإمكان دول الخليج الاستمرار في سياسة الردع الدفاعي مدة معتبرة ما دام أن الهجمات تبقى ضمن مستوى يمكن احتواؤه عبر أنظمة الدفاع الجوي وتعزيز الأمن البحري والتنسيق الاستخباراتي مع الحلفاء.
إلا أن العريمي، الذي تحدث لـ'الخليج أونلاين'، يرى أن هذه السياسة 'تصبح أكثر هشاشة إذا تحولت الضربات إلى نمط متكرر يستهدف منشآت استراتيجية أو يتسبب في خسائر بشرية كبيرة'، مبيناً أن بعض هذه الدول قد تضطر إلى تنفيذ ردود محدودة ومدروسة لفرض معادلة ردع جديدة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
واستطرد العريمي قائلاً:
الاستنزاف المحسوب
وقريب من ذلك يرى الأكاديمي المختص في العلاقات الدولية وشؤون الخليج والشرق الأوسط، عبد الله باعبود، أن دول الخليج يمكن أن تستمر في الردع الدفاعي ما بقيت الهجمات تحت سقف 'الاستنزاف المحسوب'، ولم تتحول إلى ضربات واسعة تُحدث خسائر بشرية كبيرة أو تشلّ قطاع الطاقة أو أي قطاع حيوي.
وأضاف، في تصريح لـ'الخليج أونلاين'، أن 'فلسفة الخليج تقليدياً تقوم على احتواء التهديد لا توسيعه، لأن أي انتقال إلى رد هجومي مباشر قد يفتح باب تصعيد لا يمكن ضبطه، ويحوّل أراضيه إلى ساحة حرب مفتوحة وهذا ما تحاول دول الخليج تجنبه'.
ومن وجهة نظر الأكاديمي باعبود، فإن موازنة الموقف الجماعي مع القرار السيادي، يكمن في صيغة مزدوجة:

























