اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٢٩ أب ٢٠٢٦
علوان مهدي الجيلاني *
عبر عقود القرن العشرين، عرف المشهد الشعري اليمني مجموعة من الأجيال الشعرية التي تعاقبت متواشجة متغايرة؛ يقدم كل جيل منها بصمته الشعرية متضمنة استجابته لموجهات زمنه وانفعاله بالأحداث والتبدلات. غير أنّ جيلاً شعرياً من تلك الأجيال لم يشكل حالة من الزخم الإبداعي المرتكز على كثرة الأسماء، وتنوع التجارب، وتعدد المرجعيات، والاحتفاء بأشكال الكتابة الشعرية قديمها وحديثها، وتجاور الأصوات كما فعل جيل التسعينيات الشعري.
فقد مثل هذا الجيل مرحلة التتويج لكل مراحل التحديث التي اجترحتها الأجيال السابقة من أجل الحضور في الزمن وليس بعده. وبمقدار ما شكل هذا الجيل حالة التتويج تلك، فقد كان أكثر الأجيال الشعرية ازدحاماً بالتناقضات؛ حيث يمكن أن نقرأ في جانب منه التجاوز الكامل لكل ما سبق، كما يمكن أن نقرأ في جانب منه قدراً من الاجترار لتجربة الجيل السبعيني وما امتد منه في الثمانينيات. أيضاً، يمكن أن نقرأ في جانب منه نكوصاً واضحاً عن كل ما أنجزه السبعينيون وعودة إلى محاكاة نماذج سابقة. يضاف إلى ذلك ما يمكن أن نقرأه في جانب آخر منه يتعلق بتجارب حفر كل منها نهراً خاصاً به، غير مهموم بمسألة الأشكال وقضايا الاجترار أو المماثلة أو التجاوز والاختلاف؛ هذا على مستوى الشكل.
أما على مستوى المضامين والرؤى والأفكار والمرتادات، فإن تفصيل الطفرة التي أحدثها جيل التسعينيات الشعري في اليمن، مثلها مثل الأسباب والعوامل التي أدت إليها، يصعب استقصاؤها هنا، وقد تم تفصيل الكثير منها في ثنايا فصول هذا الكتاب.
لكل تلك الأسباب، فإن هذا الجيل قد حظي بتناولات نقدية وتموضعته حوارات ومثاقفات واسعة، تعددت من خلالها زوايا النظر بتعدد المنظور إليه، واختلفت الآراء باختلاف الرؤى والمنطلقات. ورغم ذلك، فإن كل تلك التناولات قد غلب عليها إما التحيز لجانب من تجليات هذا الجيل الشعرية، وإما التعاطي الجزئي مع مفردات من المشهد ينقصها عمق المحاولة ومثابرة البحث. وأظن أن بلوغ الكمال في تناول جيل مثل جيل التسعينيات الشعري في اليمن لا يمكن تحققه إلا بعد تراكم الكثير من المقاربات والتناولات والدراسات الجادة والدؤوبة، ولعل ما أقدمه في هذا الكتاب يكون مساهمة مهمة في هذا الاتجاه؛ فهو نتاج سنوات طويلة من المعايشة والمعاشرة، والإسهام في منجز هذا الجيل وقضاياه، ومحاولة الاقتراب من تجاربه وظواهرها على اختلافها وتعددها بإخلاص ومحبة، وإلزام النفس بقدر كبير من الحياد والتدبر والمراجعة.
سيقدم هذا الكتاب مقاربات مختلفة للمنتج الشعري لمبدعي التسعينيات الشباب في اليمن؛ بوصفهم جيلاً شعرياً، وبوصفهم أصواتاً تتجاور داخل المشهد الشعري، وتتعدد اشتغالاتها فيه أشكالاً ومرجعيات، ويتعدد تعبيرها عن ذلك من خلال الظواهر والانزياحات التي تقدمها تجاربهم، وما تؤشر عليه من سمات المرحلة وعلامات اختلافها بكل ما لها وما عليها.
وأنا أجد هذه المقدمة ملزمة -قبل أن تسلمنا لفصول الكتاب- ببعض التوضيحات المتعلقة باختيار التسمية وملابسات أخرى تتعلق بالتجييل والتعامل مع مادة الدرس المتمثلة في الأسماء الشعرية ومنجزها الشعري.
لقد كان اسم الكتاب (أصوات متجاورة) -منذ بدايات الاشتغال عليه قبل سنوات- مثار رفض من قبل عدد من الزملاء؛ انطلاقاً من تحفظ بعضهم على انتظام تجارب شكلية فيه تختلف عن الشكل الذي اختاروه، وحرصاً منهم على ربط الجيل التسعيني إما بالشعراء الذين شكلوا الزخم الصاعد لكتابة قصيدة النثر داخل المشهد، وإما بالشعراء الذين شكلوا النموذج الأوضح من حيث قوة الصوت والحضور الشعري الفاعل، والشهرة -إن جاز التعبير- بغض النظر عن الشكل الذي يكتبون فيه.
وكان المضمر فيما يطرحه الطرفان الرغبة في إلغاء الآخر والاستئثار بالمشهد دونه. ولم تكن فكرتي تنطلق من مجرد المخالفة أو الرغبة في التضاد مع الفريقين، وإنما كانت تنطلق من استقراء تاريخي للمشاهد الشعرية العربية في تجلياتها المختلفة أزمنة وأمكنة، ومن استقراء تاريخي للمشهد الشعري اليمني عبر عقود القرن العشرين، وأيضاً من محاولات دائبة للتعرف على الاختلاف الواسع الذي جدّ عقب قيام الوحدة اليمنية سنة 1990م على الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية اليمنية التي هي حاضنة هؤلاء المبدعين، والمُشَكِّلة الأولى لوعيهم، والموجهة لاشتغالاتهم.
وهو استقراء استطاع أن يستكشف من وقت مبكر خصوصية المشهد الشعري التسعيني، وخصوصية اللحظة التاريخية التي تخلق فيها هذا المشهد ليخرج بالصورة التي ظهر بها مشهداً تتجاور فيه الأصوات والأشكال، وتتباين التجارب، وتختلف المرجعيات، بشكل يصعب معه أن نحكم بهذا المشهد لشكل شعري أو لتيار يكتب شكلاً ما؛ لأن تجاور الأشكال طاول حتى تجارب الشعراء أنفسهم.
ولكن السنوات اللاحقة أقنعت شعراء ونقاداً من أبناء هذا الجيل ومن أجيال سابقة بضرورة الاعتراف بهذا التجاور بغض النظر عن موقفهم منه وتقييمهم له سلباً أو إيجاباً.
الشاعر الراحل محمد حسين هيثم، صاحب التجربة الشعرية الثرية والمحسوب على الامتداد الثمانيني لجيل السبعينيات، كان من أكثر الشعراء احتضاناً للجيل التسعيني واحتفاءً بتجربته؛ يصادق على مقولة (تجاور الأصوات) في المشهد التسعيني وإن كان يعتبرها نكوصاً عما أنجزه السبعينيون، ويقول راصداً بداية التشكل التسعيني: 'في أواخر الثمانينيات صار النكوص الكبير الذي حدث في العالم كله باتجاه اليمين، ثم صارت عودة إلى الأشكال القديمة في كل شيء: السياسة، المجتمع، الأدب، وكانت في الأدب أكثر وضوحاً وجلاء والشعر تحديداً، حتى اكتشفنا أن هناك عودة إلى شعر الإخوانيات والشعر العملي أو النفعي وإلى أغراض وأشكال شعرية تجاوزها الزمان، فهذه عادت مع بداية التسعينيات ونهاية الثمانينيات، فانجرف معظم هذا الجيل وراء هذه التجربة الكلاسيكية ولم يبنِ على ما أنجزه السابقون، فحاولوا أن يدخلوا في خضم البناء الكلاسيكي ولكن لم يستطيعوا أن يضيفوا إلى ما أنجزه الكبار؛ لأن القصيدة العمودية قد أنجزت مشروعها التاريخي وتظل كقيمة إبداعية وجمالية، لكن على صعيد الممارسة الإبداعية تحتاج إلى قدرات استثنائية تستفيد منها كتقنية في إطار الحداثة'(1).
الشاعر والناقد أحمد السلامي، صاحب تجربة مميزة داخل الجيل التسعيني على صعيد الكتابة الشعرية وعلى صعيد المثاقفة والنقد، يؤكد على هذا التجاور وإن كانت تناولاته المختلفة له تتسم بالتناقض، ولعل من الأجدر أن نقول: إنها تتسم بالمراجعة وتطور الرؤية. فحتى سنة 2003م كان أحمد السلامي يعتبر هذا التجاور وبالاً على المشهد الشعري، ويرى أن سلبياته أكبر من إيجابياته، ويعده تعدداً مرتبكاً مثله مثل التعدد السياسي الذي عرفته اليمن بعد قيام الوحدة اليمنية سنة 1990م؛ فـ'ثمة توازٍ عجيب بين التعددية العشوائية غير المنتجة في اشتغالات شعراء التسعينيات وبين المظهر الشكلي للتعدد السياسي الذي لم يسفر عن بروز أي ملمح للتطور الاجتماعي، مثله مثل تعدد الخطاب الشعري التسعيني الذي لم يتمكن من بلورة طموحات جادة لتحديث النص، ويلتقي هذا التعدد مع ذاك ليقدما مشهداً بانورامياً خاوياً لم يستطع اقتناص اللحظة المناسبة لتحديد الأهداف التي سعى من أجلها عبر اشتغالاته، ومقابل ذلك تستمر البنى التقليدية المتعددة والمنسجمة مع بنية التخلف في إعادة إنتاج وتكريس خطاب ماضوي يتجلى على أكثر من صعيد'(2).
بعد فترة يتراجع أحمد السلامي عن ذلك التقييم، فيرى أن من إيجابيات المشهد الشعري التسعيني أن تجربته 'تتميز بتجاور مختلف الأشكال الشعرية التقليدية والحديثة، وهو تجاور من حسناته أنه يرفض الإقصاء ويقوم على الاعتراف بكل التجارب، وإذا كان لهذا التصالح العجيب من عيب فهو أنه يسبب نوعاً من الركود وغياب الحوار والأسئلة وإطفاء بذور أي معركة أدبية تحاول أن تنشأ بين القديم والجديد' (3).
وتحت عنوان (في اليمن.. مصالحة بين أشكال الشعر) نشرت مجلة الأهرام العربي مجموعة من الآراء لتسعينيين يمنيين، أكدت فيها الشاعرة هدى أبلان -وهي واحد من أهم الأصوات التسعينية- 'أن الأشكال الشعرية في اليمن تتعايش بشكل لافت للنظر وليس هناك إقصاء لأي شكل، بدليل أن الملتقيات الشعرية التي أقيمت في اليمن كانت تتجاور فيها الأصوات المختلفة، وأن شعراء النثر في اليمن أخذوا مكانتهم'(4) داخل ذلك التجاور الشعري، وهي لا ترى في ذلك ضيراً طالما أن 'الإبداع هو المحرك الأساسي لأي تجربة شعرية تستطيع أن تقدم نفسها وتكرس حضورها بالموهبة العالية والخصوصية الفنية التي تبقي على طول الزمن'(5).
أما الشاعر والناقد محمد عبد الوهاب الشيباني -وهو أيضاً من أهم الأصوات التسعينية في اليمن لجهة تجربته الشعرية، ووعيه المميز بالحداثة، وانخراطه في المثاقفة حول المشهد التسعيني ومقاربته نقدياً- فيؤكد 'أن المشهد الشعري في اليمن متعدد، تتجلى صوره في الكثير من الاتجاهات الشعرية وتعدد الكتابة مع تعدد أسلوبياتها؛ فتتعايش داخل هذا المشهد الكثير من الاتجاهات التي تبدو متقاطعة وأيضاً متضادة في آن واحد لدرجة أنك تجد كاتب القصيدة العمودية يتعايش مع كاتب قصيدة التفعيلة، والاتجاهان يحضران جنباً إلى جنب مع كاتب قصيدة النثر، ويضاف إليهم الشاعر الشعبي (كاتب القصيدة العامية)، فلم تحدث أي خصومات شكلية داخل المشهد الشعري لصالح اتجاه محدد من هذه الاتجاهات؛ فجيل التسعينيات الشعري يمثل لحظة التجلي عن طريق هذا التعدد وهذه التقاطعات والتفاصيل، وهي في النهاية تصب في صالح ازدهار المشهد الشعري' (6).
الشاعر والناقد محمد المنصور هو أيضاً من أكثر التسعينيين المميزين تجربة شعرية ومثاقفة وكتابات نقدية تتعلق بالمشهد التسعيني، وهو مثل الشيباني وأبلان من مؤسسي هذا المشهد عند نهاية ثمانينيات القرن العشرين. يقول المنصور: 'لم يكن جيل التسعينيات اليمني على تضاد مع التراث، ولا تخاصم أو قطيعة بين الكتابة الجديدة وغيرها من الأشكال (العمودي، التفعيلة، القصيدة المغناة) التي تظل جديدة على صعيد الرؤية والأسلوب. لم ينشغل هذا الجيل -كما أعلم- بمعارك الجديد والقديم العبثية، ولم يقم المتاريس بين الأشكال والاتجاهات... يتجلى ذلك في النتاج الذي تنشره الصحف والملاحق الثقافية اليمنية والعربية والفعاليات المختلفة، حيث تتجاور قصيدة التفعيلة مع قصيدة النثر مع قصيدة العمود في الصفحة الواحدة لهذه المطبوعة أو تلك' (7).
ويرى المنصور أن هناك 'ميزة أخرى لعلها تضاف إلى حقيقة جيل التسعينيات الإبداعي، هي ظهور المبدع المتعدد: الشاعر/ الناقد، الشاعر/ القاص، الشاعر/ الموسيقي، شاعر النثر والتفعيلة والعمود، الشاعر/ الصحفي'(.
إذاً، فإن كون شعراء التسعينيات يشكلون مجموعة (أصوات متجاورة) يعد اليوم مسلمة من المسلمات في نظر أهم المشتغلين نقدياً بالمشهد التسعيني إبان تبازغه وأثناء احتدامه وذروته، ثم اليوم بعد أن بانت معالمه وسهلت خارطة الطريق إليه. وما استشهدنا به من نصوص وآراء أعتبرها تبريراً جيداً لاختيار التسمية وسلامة المقتربات التي اخترتها منذ البداية.
اختياري لتحقيب التسعينيين بوصفهم جيلاً شعرياً هو أيضاً اختيار طالما اشتجرت حوله مثاقفاتنا على صفحات الصحف وفي مقايل اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، ومنتدى أشياء، وديوان المنصور، ومقهى النخيل، وغيرها؛ وكانت الممانعات والاعتراضات والتحفظات أكثر من القبول والموافقة.
ولعل أكثر وجوه المعارضة يمثلها ما كتبه الشاعر والناقد أحمد السلامي تعبيراً عن توجسه من مغالطة المصطلح حين نرتب عليه صلة بالنصوص التي أنتجها الجيل الذي ندرسه، خاصة إذا كان الجيل -موضوع الدرس- جيل التسعينيات في اليمن. ومؤدى توجس السلامي 'أن النظر إلى التجييل بوصفه مسألة إجرائية بحتة لا علاقة لها بتطور المنتج النصي وفتوحاته ينطبق تماماً على شعراء التسعينيات الذين لا يمثل ظهور أغلبهم في العقد الماضي أية أهمية من شأنها الانعكاس على الحكم بتطور أو اختلاف نتاجهم الشعري'(9).
ومثل السلامي الشاعر والناقد محمد ناجي أحمد؛ فهو أيضاً لديه 'ملاحظات حول مسألة التجييل بمعنى كل عشر سنوات جيل'؛ فهذه في رأيه 'عبارة عن تقنية نقدية يستخدمها الناقد كعملية إجرائية، لكن أن تضع هذا الشاعر في خانة التسعينيات، وهذا في خانة الثمانينيات، فيصبح التجييل عملاً مغلقاً، وإجبارياً، وقدرياً؛ فلا'. يؤكد ناجي: 'لست مع هذا الوهم، ممكن أتعاطى مع كاتب، مع شاعر من الستينيات، ويعيش الأجيال المعرفية، فأشعر أنه ينتمي للحظة التي يستطيع أن يجسدها. مسألة التجييل باعتقادي فيها خطأ... وما يسمون بالتسعينيين هم الأقدر على التجسيد المعرفي لثقافة الألفية الثالثة، فالمسألة مرتبطة باستمراريتك المعرفية لا أكثر'(10).
ومع ذلك، فقد كان اختياري للتحقيب أو التجييل مبنياً على جملة أسباب تتضمن الجانب الإجرائي البحت الذي يوافق عليه السلامي في اعتراضه المشار إليه، كما تتضمن ما يخالف اعتراضه واعتراضات الآخرين بشكل واضح ومؤكد بجملة من المبررات، منها: أن مفهوم (الجيل) وضع أساساً من قبل الدارسين في الغرب لتسهيل تبويب الخصائص الإبداعية المشتركة لأدباء تشاركوا الظهور في عقد زمني ما؛ وهو تبويب يسهل أيضاً اكتشاف آثار الظروف والأوضاع والأحداث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبصمات المستجدات الثقافية والتيارات الفكرية في متجهات الإبداع ومضامينه عندهم.
وهذا ما يفهمه أكثر النقاد الذين اهتموا بالتجييل أو وجدوا التجييل يفرض نفسه على تناولاتهم النقدية بوصفه مسألة إجرائية، وكذلك بوصفه مكتنزاً بفوائد أخرى. فقد استفاد منه الناقد عبد الودود سيف في مقدمة مختاراته لجيل التسعينيات -الذي كان جزءاً من مشروع يقدم أجيال الشعر في اليمن عبر عقود القرن العشرين- بوصفه مسألة إجرائية بحتة، حيث 'جرت عملية تخطيطه منذ البدء على فكرة العقود، والعقد لا ينطوي في فكرته التي وظف بها على معنى المجايلة بمفهومها الفني، وإنما أسست الفكرة نفسها على أساس تسهيل عملية التصنيف والتقسيم ليس إلا'(11). يضيف سيف: 'أن تصنيف الشاعر إلى عقد من العقود قد روعي فيه بأن يكون العقد الذي صُنّف فيه الشاعر إما لأنه الزمان الذي عرف بأنه ظهر فيه، أو عرف بأنه اشتهر فيه'(12).
التجييل 'لأسباب تنظيمية لغرض البحث العلمي'(13) في المقام الأول، يحبذه أيضاً الشاعر والناقد مبارك سالمين. ويؤكد الناقد حاتم الصكر Hatem Alsager أنه أمر تقبله 'الدراسة النقدية اليوم'(14) ولكنه يؤكد فوائده الأخرى؛ فالدراسات النقدية في نظر الصكر تقبل اليوم 'التجييل أو التحقيب المرحلي حسب أعمار الشعراء أو ظهور أعمالهم' (15) انطلاقاً 'من كون الشعراء إنما يستجيبون لمؤثرات عامة تتشكل على أساسها -كمهيمنات- أصواتهم وتجاربهم استناداً إلى تغيرات ثقافية ومرحلية ومعرفية'(16).
يضاف إلى ذلك أننا 'نلمس ميلاً خاصاً لدى الشعراء للانتماء إلى جيل أدبي جديد لتأكيد الخصوصية والتفرد وتأكيد الرغبة لتجاوز الجيل السابق'(17) حتى لو امتلك هذا الجيل 'ملامح وقواسم أسلوبية ورؤيوية وتعبيرية مشتركة مع الأجيال أو الموجات الشعرية السابقة، إلا أن كل جيل سيظل يسعى للتميز عن الأجيال التي سبقته بخصائص وسمات خاصة به»، حسب فاضل ثامر الذي يذهب إلى «أن هذا الهاجس العميق -أي الرغبة في التحقيب والانتماء إلى جيل جديد- قد أصبح إحدى القوى الدينامية الدافعة في حركة الحداثة الشعرية'(18).
ولكنني مع ذلك أعترف أن التجربة والاشتغال العملي على موضوع كهذا لا يوصل إلى قناعة تامة؛ فثمة شعور يخالج النفس دائماً أن التجييل يبقى تبويباً نقدياً تسكنه التناقضات واللايقين، لأمر بديهي هو فردية التجربة الشعرية وجماعية الجيل. فبمقدار ما سيفيد التجييل 'الأديب المختلف والمؤتلف في توثيق بروزه الأدبي في عقد معين'(19) والتأشير على مظاهر اختلافه النسبية أو الكلية، وامتداده من الجيل أو الأجيال التي سبقته أو انقطاعه عنها، ستبقى معضلة الاختلافات في الأساليب وطرق التعبير بين أبناء الجيل فرداً فرداً، أو بين بعض أبناء الجيل والبعض الآخر، قائمة وموجودة لا سبيل إلى تجاهلها.
أخيراً، لا بد من التنبيه إلى أن هذه المقاربات -سواء في اشتغالها الواسع على الجيل التسعيني أو في استعراضها من خلال المدخل التاريخي للأجيال الشعرية السابقة في اليمن عبر عقود القرن العشرين- قد ركزت كثيراً على المشهد اليمني، واكتفت بإشارات هنا وهناك إلى الموجهات القادمة من خارج اليمن دون التفات إلى إشكاليات تلك الموجهات بوصفها نصوصاً أو أفكاراً نظرية في حواضنها التي جاءت منها.
كما يجدر الاعتراف بأن دراسة الجيل التسعيني في اليمن أو تناول الأجيال السابقة عليه وفق استقصاء أنطولوجي شامل لكل ما هو موجود على الساحة منذ إطلالة القرن العشرين وحتى إطلالة القرن الواحد والعشرين يظل طموحاً يستعصي على التحقق؛ فقد غابت الكثير من الأصوات، ولم تذكر حتى كأسماء، إما للاكتفاء بالتمثيل لها بغيرها (وإن كان هذا غير مقنع)، وإما لأنها كانت تكتب الشعر ولم تكن مهمومة به، وهذا كثير مع الأسف. فليس بوسعنا عند تناول تجربة الأجيال السابقة على الجيل التسعيني أن نقارن تجارب شعرية ضئيلة المواهب أو متواضعة الإخلاص للشعر أو قليلة الطموح إلى الاختلاف بتجارب موهوبة ومخلصة وطامحة ومتحققة تجاوزاً وجوهر شعر.
ليس بوسعنا مثلاً أن نقارن تجربة القاضي عبد الرحمن الإرياني بتجربة الزبيري، أو تجربة العزي مصوعي -مثلاً- بتجربة إبراهيم الحضراني، أو تجربة محمد أحمد منصور بتجربة حسن الشرفي، أو تجربة سالم زين باحميد بتجربة عبد الودود سيف. هذا فيما يتعلق بالأجيال السابقة على التسعينيين ممن استعرضنا بعض أسمائها وخصائصها في التمهيد التاريخي.
أما بالنسبة للتسعينيين وهم مادة الكتاب، فقد حاولت جاهداً أن أستقصي قدر الإمكان أهم الأصوات وأقواها حضوراً من خلال المقاربات المفردة لتجارب بذاتها احتواها الجزء الثاني من هذا الكتاب. وإن كنت لم أوفق في التعرض لجميع الأصوات المهمة؛ لأن تجربة باذخة ورائدة داخل المنجز التسعيني اليمني إبداعاً للنص واشتغالاً على نصوص الآخرين (مثل تجربة عبد الناصر عبدالناصر مجلي ) كان يجب أن تكون حاضرة، كذلك تجارب لأسماء فارقة الحضور مثل: هدى أبلان، نبيلة الزبير، عبد المجيد عبدالمجيد التركي ، هايل الغابري، عبد السلام الكبسي ، آمنة يوسف، علي ربيع، عبد الوكيل السروري .
أو أسماء كانت ظاهرة بقوة في أول موجات الجيل التسعيني ثم اختطفها الموت في ألق توهجها، مثل: نبيل السروري، عبد الرحمن الحجري، أحمد شاجع، عادل البروي، مختار الضبيري.
أو أسماء ذات تجارب مميزة اختارت لنفسها أن تحضر من بعيد، مثل: توفيق القباطي، مختار الدبعي، محمد الذهب.
أو أسماء اختارت لنفسها أن تكون على صراط بين حضور متوهج يتخلله الغياب، مثل: سلطان عزعزي ، هزاع مقبل، عبد الحكيم عبدالحكيم الفقيه ، خالد الشامي، عادل قحطان.
أو أسماء يستعصي حضورها وغيابها على التصنيف، مثل: علي بارجاء، عبد الكريم الوشلي، إبراهيم القانص، محمد الشامي، نادية مرعي، أحمد مغلس، فيصل البريهي، عبد الله الكوكباني، كمال البرتاني، مهدي الحيدري، صلاح الدكاك، محمد الطماح، أحمد الشحري، عبد الله عصبة، محمد الجرادي ، أكرم عبد الفتاح، صلاح الشامي، علياء فضائل.
وقد تم تناول بعض هؤلاء إلى جانب زملاء لهم من خلال المقتربات المتعددة الزوايا لتجربة التسعينيين التي اشتمل عليها الجزء الأول من هذا الكتاب.
هوامش :
(1) من حوار مع الشاعر محمد حسين هيثم، صحيفة 26 سبتمبر، العدد 1278، الخميس 31 أغسطس 2006م.
(2) الكتابة الجديدة، هوامش على المشهد الإبداعي في اليمن، أحمد السلامي، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء 2003م، ص22-23.
(3) من حوار مع الشاعر اليمني أحمد السلامي لـ (موقع إيلاف) الإلكتروني، تحت عنوان: التجربة الشعرية اليمنية لا تقل أهمية عن أي تجربة شعرية عربية، أجراه الصحفي محمد الحمامصي، الأحد، 28 أكتوبر 2007م.
(4) في اليمن.. مصالحة بين أشكال الشعر، الأهرام العربي، السبت 17 أبريل 2010م.
(5) نفس المرجع.
(6) المرجع السابق.
(7) الشاعر محمد المنصور، من حوار لصحيفة 'الثقافية' أجراه معه الشاعر علي جاحز، تحت عنوان (ادِّعاء الأبوية ضد طبيعة تجربة أو تجارب التسعينيين)، الخميس، 6 سبتمبر 2007م. نفي المنصور للتضاد مع التراث أو التخاصم والقطيعة بين الكتابة الجديدة والأشكال الأخرى ليس دقيقاً في عمومه؛ فقد حدث من ذلك الكثير، ولكنه لم يكن ضاجاً على نحو ما شهدته أقطار عربية أخرى، وما نُشر في الملاحق والملفات والصفحات الثقافية وحتى على مستوى بعض الفعاليات خلال عقد التسعينيات وحتى منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة يشهد بذلك؛ فقد كانت بعض الصفحات الثقافية تقاطع مبدعين ولا تنشر لهم أو عنهم حتى على مستوى الخبر الصحفي، لا لشيء سوى أن اختياراتهم في الكتابة تخالف اختيارات القائمين على تلك الصفحات. كما استبعدت أسماء من كتب تموضعت التسعينيين للأسباب نفسها، وستأتي لاحقاً أدلة على هذا من أهمها مقتطف من كتابة كتبها المنصور نفسه ذات يوم.
-نفس المرجع.
(9) الكتابة الجديدة، أحمد السلامي، مرجع سابق، ص26-27.
(10) ما بين الأقواس مقتبسات من حوار أجراه معه أحمد عبد الرحمن لصحيفة الجمهورية، الأحد 26 أكتوبر 2008م.
(11) ديوان الشعر اليمني المعاصر - الشعر التسعيني، عبد الودود سيف، مؤسسة العفيف الثقافية، صنعاء، 1999م، ص15.
(12) نفس المرجع، ص15.
(13) نقد الشعر اليمني المعاصر.. وشَرَك المدرسة، مبارك سالمين، صحيفة 26 سبتمبر، العدد 1241، الخميس 2 فبراير 2006م.
(14) قصيدة النثر في اليمن أجيال وأصوات، حاتم الصكر، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعاء، ط1، 2003م، ص28.
(15) نفس المرجع السابق، ص28.
(16) نفس المرجع السابق، ص28.
(17) ينظر: أجيال الحداثة الشعرية في العراق، فاضل ثامر، موقع الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.
(18) نفس المرجع السابق.
(19) المرجع السابق.
#مقدمة_كتاب_أصوات_متجاورة
#قراءات_في_الابداع_الشعري_لجيل_التسعينيات_في_اليمن
#كتاب_نقدي
#علوان_مهدي_الجيلاني
#صدر_عن_وزارة_الثقافة_اليمن_2010م













































