اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٧ كانون الثاني ٢٠٢٦
يخشى بعضهم من تغيير سكاني بينما يندد آخرون بالدعوات العنصرية غير الإنسانية
أثارت تصريحات إحدى الاعلاميات في تونس موجة جدل واسعة بعد دعوتها إلى منع النساء المهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء من الإنجاب على الأراضي التونسية، بحجة تزايد المواليد لدى تلك الشريحة وتأثيره في الموارد الوطنية وتحول تونس من بلد عبور إلى بلد توطين.
وأعاد هذا التصريح من جديد الجدل القائم حول تزايد نسبة ولادات المهاجرات وكيفية التعامل معها في ظل غياب إحصاءات دقيقة حول عدد المهاجرين في تونس.
وقوبلت هذه التصريحات برفض واسع في تونس بوصفها عنصرية، ورأى ناشطون حقوقيون أنها تعيد إنتاج ممارسات تاريخية مدانة للتعقيم القسري والسيطرة على الخصوبة على أساس عرقي، فيما اعتبر آخرون أنها تمثل رغبة شريحة كبيرة من التونسيين الذين يرون أن هذه الزيادة قد تهدد قوتهم كما تهدد التركيبة السكانية للبلاد.
واستنكرت جمعية 'أصوات نساء' بشدة التصريحات الصادرة عن معلقة إحدى القنوات التلفزيونية التي دعت فيها صراحة إلى منع النساء المهاجرات من الإنجاب في تونس، قائلة إنها تمثل 'انتهاكاً صارخاً لحقوق النساء الكونية، ومحاولة للتحكم في أجسادهن، فضلاً عن كونها خطاباً إقصائياً ذا دلالات فاشية وعنصرية، يحض على التمييز وينتهك الكرامة الإنسانية للنساء المهاجرات الأفريقيات من جنوب الصحراء'.
وأضافت أن 'هذا الخطاب التحريضي، الصادر في فضاء إعلامي يفترض فيه الالتزام أخلاقيات المهنة والمسؤولية الاجتماعية، لا يمكن فصله عن سياق السياسات الأوروبية للهجرة القائمة على الردع وتصدير الحدود والعنصرية المؤسسية التي يجري تطبيعها وإعادة إنتاجها داخل الخطاب الرسمي والإعلامي في تونس'.
وجددت الجمعية دعوتها إلى حماية النساء المهاجرات من جميع أنواع العنف والتمييز وضمان كرامتهن وحقوقهن من دون قيد أو شرط.
يشار إلى أن القانون رقم 50 لعام 2018 المتعلق بالقضاء على جميع أنواع التمييز العنصري يجرم بوضوح التصريحات والخطابات التي تحرض على الكراهية أو التمييز العنصري، ويحمل المسؤولية القانونية لكل من يسهم في نشرها أو تبريرها أو التطبيع معها.
ودانت 'الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات' من جهتها هذه التصريحات التي وصفتها بـ'العدائية والعنصرية ولا تحترم الحقوق الإنسانية للبشر والتي تتبنى خطاباً تحريضياً لا يحتكم للمسؤولية الاجتماعية التي تضطلع بها وسائل الإعلام ولا يحترم أخلاقيات المهنة الصحافية'.
وتؤكد الجمعية أن 'قضايا الهجرة تعالج عبر السياسات العمومية العادلة والاتفاقات الدولية واحترام القانون، لا عبر الدعوة إلى التحكم في أجساد النساء أو مصادرة حقوقهن الإنجابية، وأن ربط الهجرة بالخصوبة منطق عنصري ينقل فشل السياسات إلى أرحام النساء، ويبرئ الدولة من مسؤولياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية'.
وشددت الجمعية على أن 'حقوق النساء لا تتجزأ' وأن 'الدفاع عن النساء المهاجرات جزء أصيل من النضال النسوي والحقوقي. فالكرامة الإنسانية واحدة، والتمييز مرفوض ومدان ولا يخضع لأي تبرير'.
ودعت إلى مساءلة قانونية وأخلاقية لكل من يروج لمثل هذا الخطاب، وإلى التزام الدولة حماية النساء المهاجرات من كل أنواع العنف والتمييز، وإلى اعتماد سياسات هجرة تحترم الحقوق الإنسانية طبقاً لما تنص عليه القوانين الوطنية والدولية.
من جانب آخر كشفت النائبة التونسية فاطمة المسدي عن نتائج دراسة أجرتها حول المهاجرين غير الشرعيين من جنوب الصحراء والأخطار الأمنية، وقالت إنه جرى خلال عام 2024 الإبلاغ عن 470 ولادة جديدة للمهاجرات في مستشفى عمومي واحد بمحافظة صفاقس، من أصل 50 ألف مهاجر غير نظامي، مضيفة أن هذا الرقم يقابله 6670 ولادة جديدة في ولاية تونسية كاملة، مما يعد رقماً كبيراً. وتابعت أن 'معدل خصوبة المهاجرات من جنوب الصحراء يتجاوز ثلاث مرات معدل الخصوبة عند التونسيات، مما يجعلنا نتخوف من حدوث تغير جذري للتركيبة السكانية'.
وأوضحت أن التوقعات المستقبلية لصفاقس تشير إلى أنه خلال الأعوام الـ10 المقبلة سيصبح المهاجرون الأفارقة يمثلون قرابة خمسة في المئة من السكان و18 في المئة عام 2040، وتابعت أن 'الكلفة الاقتصادية للمهاجرين (الغذاء والإيواء) تقدر بنحو 70 مليون دينار سنوياً، من دون احتساب الخسائر المرتبطة بإتلاف حقول الزياتين وتعطيل المصالح'.
وقالت المسدي إن 'تزايد الولادات في صفوف المهاجرات قد يهدد التركيبة السكانية لتونس'، معتبرة أنه 'بعد أعوام عدة قد تصل نسبة المهاجرين إلى 10 في المئة من سكان تونس، بالتالي يصبحون أقلية ويطالبون بتمثيل في البرلمان'، داعية السلطات التونسية إلى ترحيل كل المهاجرين غير النظاميين حتى من لهم أطفال ولدوا في تونس، وأفادت بأن 'القانون التونسي لا يسند الجنسية لأطفال من أمهات وآباء غير تونسيين حتى إن ولِدوا في تونس'، محذرة من 'الأمراض المنقولة جنسياً من قبل المهاجرين بسبب التزاوج بينهم خارج الأطر القانونية ومن دون أي وازع لا ديني ولا اجتماعي'.
من جانب آخر يرى أستاذ الديموغرافيا الباحث في شؤون الهجرة في الجامعة التونسية حسان قصار أنه 'من الخطأ الاعتقاد بأن الولادات في صفوف المهاجرات سيغير التركيبة السكانية لتونس'، وأكد أنه 'إذا اعتمدنا التعداد السكاني الأخير مع عدد النساء الأفريقيات في تونس، فإن تأثيرهن في نسبة الولادات منعدم تماماً'.
وبخصوص الخطاب الداعي إلى تحديد النسل لدى المهاجرات، يقول إنه 'طرح عنصري وغير إنساني، ويبرر قياس ذلك على المهاجرين التونسيين في أوروبا وأعدادهم مضاعفة مرات عدة من عدد المهاجرين في تونس'، ويضيف أن 'المهاجرين غير النظاميين التونسيين في أوروبا يتمتعون بكل المساعدات وبالرعاية الصحية المجانية ولم يُمس حقهم بالإنجاب'، مؤكداً أن 'تونس كدولة تتصرف بهذا المبدأ الإنساني'.
وأردف قصار 'سيأتي يوم نرجو الأفارقة جنوب الصحراء المجيء إلى تونس للعمل، وسترسل تونس وفوداً لاستقدام الشباب، من أجل العمل في قطاعات عدة كالفلاحة والبناء وغيرها من الخدمات التي لم تعُد تستهوي التونسيين أو نظراً إلى ارتفاع نسبة الهجرة من البلاد'.
ويقول المحلل السياسي الصحافي بسام حمدي إنه 'يبدو أن عدد الولادات في صفوف المهاجرين غير النظاميين تتزايد بحسب معطيات صادرة عن مصادر طبية محلية، نظراً إلى اعتبارات أهمها اقتناع عدد كبير منهم بالاستقرار في تونس بعد فشلهم في مناسبات عدة باجتياز الحدود البحرية خلسة بسبب التعزيزات الأمنية المكثفة على الشريط الساحلي'، ويرى أن 'فكرة الاستقرار في تونس هي من الأسباب التي شجعت عدداً من المهاجرين على الزواج من بعضهم بعضاً وإنجاب الأطفال'.
ومن العوامل الأخرى التي قد تكون سبباً في ارتفاع عدد الولادات في صفوف المهاجرات، يعتقد حمدي بأنه 'على رغم وجودهم في مخيمات بلا ماء ولا كهرباء، يشعر المهاجرون بارتياح مادي بعيداً من ضغوط الحياة مثل كلف السكن والتعليم والصحة، فالحياة عندهم تبدو بدائية نوعاً ما ولا تحتاج إلى كثير من المصاريف، مما يجعلهم لا يستصعبون إنجاب الأطفال تحسباً لمصاريف الحياة'.
وأضاف 'لا يمكن إخفاء عامل آخر، ألا وهو عدم اكتراث عدد كبير منهم بالضوابط الدينية، فيكثر بينهم التزاوج غير الشرعي وكذلك الزنى حتى إن بعض المهاجرات ينجبن أطفالاً قد يجهلن أباءهم، ويحصل ذلك كثيراً بخاصة لدى المهاجرين القاطنين ضمن مخيمات غير منتظمة في غابات الزيتون بالعامرة وجبنيانة بمحافظة صفاقس'.
وإزاء هذا التطور الديموغرافي يرى حمدي، وهو أحد أبناء منطقة جبنيانة حيث تنتشر مخيمات المهاجرين، أن 'الدولة تكتفي بالحلول الأمنية والحد من عمليات الهجرة غير النظامية وكذلك توفير الرعاية الصحية للولادات في بعض المستشفيات من دون إجراء تعداد لهم ويبقى معظم المولودين في حال غير قانونية ولا تسجل أسماؤهم في السجلات المدنية'.
وأضاف أنه 'يجب على الدولة إعداد مخطط شامل للتصدي لحالات الإنجاب خارج إطار الزواج لما فيها من ارتدادات اجتماعية صعبة على الأطفال، ويمكن أن ينطلق المخطط بحملات توعية وتوزيع موانع الحمل في المخيمات'.
وفي سياق متصل يرى بسام حمدي أن الملاحقة القضائية لبعض الجمعيات المتخصصة في مجال الهجرة أسهم نسبياً في تقليص أنشطتها، بخاصة تلك المتعلقة بتوعية المهاجرين، مما يتطلب من الدولة فسح المجال للجمعيات ذات التمويلات المعلومة للمساعدة في معالجة هذه الأزمة.

























