اخبار تونس
موقع كل يوم -أنباء تونس
نشر بتاريخ: ٢٨ نيسان ٢٠٢٦
*بقلم فاهم بوكدوس
يعقد مجلس نواب الشعب، غدًا الثلاثاء 28 أفريل الجاري، جلسة عامة للنظر في خمسة لزمات طاقية، وذلك بعد أسابيع من تداول هذا الملف داخل البرلمان وفي الفضاء العام، في سياق نقاش اتسع تدريجيًا ليشمل مختلف الفاعلين: من خبراء الاقتصاد والطاقة، إلى منظمات المجتمع المدني، مرورًا بندوات صحفية ودراسات متخصصة، وصولًا إلى نقاشات واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام الخاص.
هذا الزخم في التداول يعكس بلا شك مركزية الملف، سواء من حيث ارتباطه بالانتقال الطاقي أو من حيث تأثيره على التوازنات الاقتصادية والسيادية للبلاد. غير أن ما يلفت الانتباه في مقابل هذا الحضور المكثف هو غياب نسبي للمرفق الإعلامي العمومي عن لعب دوره الكامل في تأطير هذا النقاش وشرحه للرأي العام وفق ما تقتضيه أهمية اللحظة.
ففي حين تحوّل ملف اللزمات إلى موضوع نقاش عمومي مفتوح ومتعدد المصادر، بدا الإعلام العمومي، في جزء كبير من تعاطيه، غائبًا عن القيام بوظيفته التفسيرية والتحليلية، ومحدود الحضور في تغطية لا ترتقي إلى حجم التعقيد الذي يطبع هذا الملف. وهو ما خلق فراغًا إعلاميًا نسبيًا، سرعان ما تم ملؤه عبر نقاشات متفرقة في الفضاء الرقمي والإعلام الخاص، حيث تتجاور المعطيات التقنية مع التأويلات السياسية والانطباعات العامة.
هذا الوضع لا يطرح فقط إشكالًا مهنيًا مرتبطًا بتوزيع الأدوار داخل المشهد الإعلامي، بل يثير أيضًا سؤالًا أعمق حول وظيفة الإعلام العمومي في لحظات النقاشات الاستراتيجية الكبرى. فالمفترض في هذا الأخير أن لا يكتفي بنقل الخبر أو متابعة الجدل، بل أن يضطلع بدور تفسيري يواكب تعقيد الملفات المطروحة، ويقدمها في إطار مبسط ودقيق، يتيح للمواطن فهم خلفياتها الاقتصادية والسيادية بعيدًا عن التشويش أو التبسيط المخل.
وتتضاعف أهمية هذا الدور اليوم، إذ تظهر الحاجة إلى وسائل الإعلام بشكل أوضح وأعمق في مثل هذه اللحظات المفصلية، حيث تُطرح القضايا الكبرى التي تمسّ الاختيارات الاستراتيجية للدولة والمجتمع. فكلما ازداد تعقيد الملف واتسع نطاق تأثيره، كلما أصبحت وظيفة الإعلام في التفسير والتأطير أكثر مركزية، باعتبارها عنصرًا أساسيًا لضمان نقاش عمومي قائم على المعرفة لا على الانطباع.
غير أن السياق العام الذي يُطرح فيه هذا النقاش يشهد بدوره في أكثر من ملف تصاعدًا ملحوظًا في حدة الاستقطاب داخل الفضاء العمومي، حيث غلبت في بعض الأحيان خطابات التشنج والتخوين، وتوسعت دائرة خطاب الكراهية والتحريض، بما أثر على جودة النقاش العام وأضعف إمكانات التفاهم حول القضايا المشتركة. وفي مثل هذا المناخ، لا يقتصر دور الإعلام العمومي على نقل المعطى، بل يتعاظم دوره في تأطير النقاش، وتهدئة الاستقطاب، وتقديم المعلومة في سياقها، بما يحدّ من قابلية الملفات للتأويل الانفعالي أو التوظيف السياسي أو السلطوي الحاد.
كما أن أهمية الإعلام العمومي لا تتوقف عند حدود التفسير والتأطير، بل تمتد إلى قدرته على إعادة التوازن داخل الفضاء الإعلامي ككل، بما في ذلك تعديل بعض أنماط التعاطي التي قد تميل إليها وسائل إعلام أخرى، سواء تحت ضغط اعتبارات إشهارية أو اقتصادية أو حتى سياسية. فغياب هذا التوازن قد يفتح المجال أمام توجيه غير مباشر للرأي العام، عبر انتقاء زوايا المعالجة أو تضخيم بعض القراءات على حساب أخرى، وهو ما يجعل من الإعلام العمومي عنصر ضبط ضروريًا لضمان حد أدنى من التعدد والحياد في تغطية القضايا الكبرى.
وفي حالة ملف اللزمات الطاقية، يتضاعف هذا الدور بالنظر إلى حساسية الموضوع، الذي يتقاطع فيه البعد الاقتصادي مع أسئلة السيادة الطاقية، وكلفة الاستثمار، ونموذج الحوكمة في قطاع استراتيجي. وهي عناصر تجعل من النقاش حوله نقاشًا مركبًا، لا يمكن اختزاله في مواقف انطباعية أو ثنائيات حادة.
غير أن غياب الإعلام العمومي عن لعب دوره التأطيري في هذه المرحلة، وتركه الساحة لمصادر متفرقة ومتباينة في طبيعتها، ساهم في تعزيز حالة من التشتت في المعلومة، وفتح المجال أمام تعدد القراءات التي لا تستند دائمًا إلى نفس مستوى التحقق أو الدقة وهو ما ينعكس بدوره على جودة النقاش العمومي، الذي يصبح أكثر عرضة للتجاذب منه للفهم المشترك.
وفي هذا السياق، تتجلى خطورة هذا الغياب أكثر في ما يترتب عنه من آثار غير مباشرة، أبرزها ضعف القدرة الجماعية على بناء تصور موحد حول الملفات الكبرى، وتنامي فجوة الثقة بين المواطن ومصادر المعلومة، واتساع مساحة التأويلات غير المؤسسة. وهو ما يجعل من حضور الإعلام العمومي في مثل هذه القضايا ليس خيارًا مهنيًا فحسب، بل ضرورة مرتبطة بوظيفة أساسية في حفظ توازن المجال العام.
إن التحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بكيفية تغطية ملف اللزمات الطاقية، بل بكيفية إعادة تموقع الإعلام العمومي داخل الفضاء العام، في سياق يتسم بتزايد تعقيد القضايا العمومية، واتساع الفجوة بين المعلومة التقنية وفهمها المجتمعي، وتزايد الحاجة إلى فضاءات إعلامية قادرة على لعب دورها الطبيعي في التأطير والتفسير، خاصة في اللحظات المفصلية التي تتحدد فيها اختيارات كبرى تمسّ مستقبل المجتمع والدولة'.

























