اخبار اليمن
موقع كل يوم -شبكة الأمة برس
نشر بتاريخ: ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦
بعد الانتعاش من السقوط في شلال التوقعات، بعد أن انقضت السكرة أيضاً، بات ممكناً النظر إلى النتائج المركبة للانتخابات بعيون واعية ورؤية أن الجمهور الإسرائيلي، بمعدل تصويت نادر أعطى غادي آيزنكوت التفويض لتغيير الواقع. لكن التفويض الحقيقي، الأكثر صحة هو أن فريضة تغيير الواقع سبق أن تلقاها قبل ثلاث سنوات من ابنه. أحياناً يمنح التاريخ شخصاً واحداً فرصة للتغيير. في معظم الحالات، هذه المنحة لا تفتح طريقاً مفروشاً بالورود بل طريقاً مليئاً بالعثرات. فشخصية ومناعة الإنسان هما ما يقرران إذا كان سيجتاز الطريق أم يتعثر ويسقط إلى جانبه. مساء الثلاثاء، حين بدأت تتضح نتائج الانتخابات، رأيت قدامى لواء “غولاني”، قادة الكتائب في الثمانينيات والتسعينيات، يتدفقون إلى مقار حزب “يشار”! كي يعززوا غادي. وبصفتهم مجربي معارك، بل وبعضهم بندوب واضحة جاءوا ليذكروه بأنه إذا كان ثمة هدف صعب، فلا أحد غير “غولاني” يحتله.
آيزنكوت لم يكن في أي مرة الغولاني النموذجي. فبانعدام التظاهر تبين منذ سن مبكرة كضابط يفكر من خارج الصندوق، يعرف كيف يختار معاركه وينتصر فيها، حتى حين لا تكون الاحتمالات في صالحه تماماً. أتذكر كيف أنه قبل أكثر من 30 سنة حين كان الجيش الإسرائيلي كله غارقاً بحماسة في القتال في الحزام الأمني في جنوب لبنان، كان آيزنكوت الضابط الأول الذي شخص بل وتجرأ على أن يكفر بما هو أساس: ألا وهو أن بقاء الجيش الإسرائيلي في لبنان لا يحمي سكان الشمال.
هو الآن مطالب بالتفكير من خارج صندوق التشخيصات التي خلقها نتنياهو. الجمهور العربي الذي صوت بأعداد لا يمكن تجاهلها، أوضح بأنه لا يمكن حفظ الديمقراطية الإسرائيلية دون الاعتماد على مندوبي الجمهور العربي. والأحزاب العربية تشق له الآن طريقاً واضحاً للتغيير: السيطرة على الكنيست، تمرير قانون إقامة لجنة تحقيق رسمية، إلغاء قوانين الانقلاب النظامي وإقامة حكومة أقلية بتوصية العرب. مثل كثيرين منا، هو أيضاً حلم بطريق آخر، لكن لا طريق آخر ولا بلاد أخرى.
حراس العتبة
إلى المكان الذي يسير إليه آيزنكوت، سار حتى الآن آخرون. غالي بهرب ميارا وجدت نفسها في منصب المستشارة القانونية للحكومة في مواجهة حكومة مصممة على تغيير طريقة النظام في إسرائيل. هي لم تصل لهذا الموقف، لكنها خاضت طوال أربع سنوات معركة “خنادق قاسية” وصمدت أمام نار لظى، انطلاقاً من الفهم بأن الحكومة السابقة لم تحصل على التفويض لتنفيذ انقلاب نظامي في إسرائيل. وعلى هذا، فإنها جديرة بأن تكون بين عظماء الأمة. إذا ما وقف نتنياهو في رئاسىة الحكومة القادمة، فإنها ستعتزل، والانقلاب النظامي سيجاز بكامله.
في السنتين الأخيرتين انضم رئيس الأركان إيال زامير لحارسة العتبة الوحيدة المتبقية لنا. قبل أكثر من سنة، نجح في منح حملة زائدة في غزة كانت ستؤدي إلى موت المخطوفين المتبقين – وأتاح عودتهم. في الأسابيع الأخيرة، أدار زامير معركة أخيرة قاسية، ونجح في منع تطلعات نتنياهو لاستئناف الحرب حتى قبل الانتخابات.
كان لزامير هدف مهم، وهو ألا يسمح لنتنياهو بالخروج إلى حرب غير اضطرارية تؤثر على نتائج الانتخابات. لقد نجح، وقد يخبرنا المستقبل عن مكانه بين عظماء الأمة. لكن الحرب حيال إيران لا تزال على عتبتنا، وستستأنف على ما يبدو في بداية الشهر القادم في عهد الحكومة الانتقالية، في محاولة من نتنياهو لتأجيل النهاية.
السياسي الأكثر ذكاء الذي كان هنا يقرأ نتائج الانتخابات بصحة. وعليه، لم يسارع إلى الإعلان عن النصر في ليل الانتخابات. وهو لهذا، يبني الآن رواية تزوير الانتخابات. النتائج قاطعة لا لبس فيها: أغلبية كبيرة من مواطني إسرائيل، أغلبية أكبر من تلك التي قامت عليها حكومة نتنياهو، تريد أن ترى استبداله. هذا هو الهدف الذي يجب على آيزنكوت أن يركز عليه. ولمعرفتي به، هو يركز عليه. سيطالبه بأن يوحد الكتلة والأحزاب العربية حولها. سيتعين على آيزنكوت إقامة حكومة لا تدوم طويلاً، لكن إذا أطاح بنتنياهو من كرسي رئيس الوزراء، وعين لجنة تحقيق وأوقف الانقلاب النظام، فسيكون درة التاج لمن خدم دولة إسرائيل منذ خمسة عقود.
رغم سقوط كتلة نتنياهو، تبعث نتائج الانتخابات هذه على أفكار عسرة حول حاضر ومستقبل الديمقراطية الإسرائيلية. ليس مثل انتخابات 1973 التي فازت فيها غولدا مائير والمعراخ أمام جمهور لم يتمكن من هضم صدمة أكتوبر 1973، انتخابات هذا الأسبوع جرت على مسافة ثلاث سنوات من صدمة أكتوبر 1923.
إن حقيقة أن أكثر من خُمس الإسرائيليين صوتوا مباشرة لمن هو مسؤول عن المذبحة تثير أسئلة أليمة عن مستقبل القومية الإسرائيلية. فالتاريخ اليهودي يعلمنا أنه في كل مرة اتخذنا فيها حكماً متزمتاً وظلامياً، فقد انتهى بخراب ونفي. أمام آيزنكوت فرصة لتغيير الحاضر الإسرائيلي. مع بعض الحظ، لعل هذا أيضاً يحرفنا نحو مستقبل أفضل.
آلون بن دافيد
معاريف 30/10/2026













































