اخبار تونس
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٣٠ نيسان ٢٠٢٦
تخوف من طبيعة تدفقات المهاجرين التي قد 'تضم عناصر متشددة أو من شبكات التجارة بالأشخاص'
بعد أن نفذ متمردون مسلحون وجماعات انفصالية هجمات استهدفت مواقع للجيش المالي وأدت إلى مقتل وزير الدفاع، بات الوضع مفتوحاً على مزيد من التطورات في مالي وسط محيط إقليمي متحرك، وفي ظل صراع نفوذ بين قوات دولية متعددة في المنطقة.
ويرجح مراقبون أن تكون لتطورات الوضع في مالي تداعيات أمنية على منطقة الساحل الأفريقي عموماً، بينما تعيش البلاد، وهي من ضمن المجموعة التي تعرف بـ'كنفدرالية دول الساحل' والتي تضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر، شبه عزلة في العلاقة مع الاتحاد الأفريقي أو أوروبا، بسبب سلسلة الانقلابات التي أطاحت بالسلطة في هذه الدول، والتغيرات الحاصلة فيها التي عُدّت غير دستورية.
ومنذ أغسطس (آب) عام 2020، يحكم مالي مجلس عسكري برئاسة آسيمي غويتا، المقرب من روسيا، الذي استعان بقواتها لاستعادة الاستقرار في البلاد التي تواجه تحديات أمنية، في ظل وجود جماعات مسلحة على غرار 'نصرة الإسلام والمسلمين' وتنظيم 'داعش' وغيرهما.
وتخلّت مالي الغنية بالذهب والمعادن الثمينة الأخرى عن حلفائها التقليديين في الغرب، وطردت السلطات الجديدة في البلاد القوات الفرنسية والغربية وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.
وتعتمد دولة مالي الحبيسة على الواردات من دول الجوار كبوركينا فاسو والنيجر وكوت ديفوار، ويبلغ عدد سكانها نحو 26 مليون نسمة، يعيش نصفهم تحت خط الفقر، وهناك ما يقارب 55 في المئة من السكان في المناطق الريفية، يعتمدون أساساً على الرعي والزراعة.
وغيّرت جماعة 'نصرة الإسلام والمسلمين' المرتبطة بتنظيم 'القاعدة' الإرهابية خلال الفترة الأخيرة استراتيجيتها باستهداف المدن الكبرى في المنطقة، وتضع نصب أعينها العاصمة باماكو، بينما تمكن متمردو 'جبهة تحرير أزواد' الانفصالية التي تطالب بمنح سكان الإقليم حق تقرير المصير، من استعادة السيطرة بالكامل على مدينة كيدال شمال البلاد، المعقل التاريخي للجماعة، بعد اشتباكات مع وحدات الجيش الذي أعلن أن الوضع بات تحت السيطرة، فيما يتوارى رئيس المجلس العسكري آسيمي غويتا عن الأنظار وتتضارب الأنباء حول مصيره.
وتواجه مالي أزمة أمنية متعددة الأوجه منذ عام 2012، تغذيها أعمال العنف التي تشنها جماعات متطرفة تابعة لتنظيمي 'القاعدة' و'داعش'، فضلاً عن جماعات إجرامية محلية وأخرى انفصالية.
وتداخل الانفلات الأمني مع موجات الهجرة غير النظامية في سياق إقليمي هشّ قد يدفع نحو فقدان نظام آسيمي غويتا الحاكم السيطرة الأمنية على البلاد، مما يضعها أمام سيناريو الفوضى الأمنية بسبب المجموعات المسلحة الذي يؤثر في دول المنطقة ويدفع بتدفقات هجرة نحو دول شمال أفريقيا ومن بينها الجزائر وتونس.
وفي السياق، يدعو المتابعون إلى إحكام التنسيق الأمني بين تونس والجزائر لإدارة ملف الهجرة غير النظامية، والتحكم في احتمال تدفق مزيد من المهاجرين من دولة مالي.
ويرى أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة التونسية منتصر الشريف أن 'عدم الاستقرار الأمني في دول جنوب الصحراء يؤدي بالضرورة إلى موجات من الهجرة قد تصل إلى تونس بطرق مختلفة'، مستحضراً الأزمة السودانية وتدفق مئات المهاجرين السودانيين إلى تونس عبر الحدود الصحراوية.
ودعا الشريف خلال تصريح خاص إلى 'إحكام التنسيق بخاصة مع الجانب الجزائري، حتى لا تكون البلاد معبراً لهذه المجموعات من خلال حماية حدودها الجنوبية'.
ويلفت إلى أن 'تونس تواجه معضلة المهاجرين غير النظاميين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، ولا يمكنها تحمل مزيد من أعباء الهجرة'، مؤكداً على 'أهمية حماية الحدود الغربية لمنع تسرب مزيد من المهاجرين غير الشرعيين'.
وعبّر عن تخوفه من طبيعة هذه التدفقات التي قد 'تضم عناصر متشددة أو من شبكات التجارة بالأشخاص، وهو تحدٍّ أمني خطر يحمّل كلاً من تونس والجزائر مسؤولية مضاعفة للتصدي لهذه الأخطار'.
ويخلص الشريف إلى أن 'توازن القوى وتدخل الجهات الأجنبية في دولة مالي سيحسمان الوضع لفائدة جهة على حساب أخرى، إلا أن وجود هذه المجموعات سيطيل فترة الأزمة الأمنية في البلاد'.
يُذكر أن المجلس العسكري الحاكم في مالي منذ عام 2020 وعد الشعب المالي بالأمن والاستقرار، إلا أن خريطة الانتشار المسلح للمجموعات المتمردة لم تتغيّر، بينما يعيش السكان حالاً من الخوف المستمر.
وعلى رغم تسلّم المؤسسة العسكرية الحكم في مالي وفي عدد من الدول المجاورة، فإن الهاجس الأمني بقي ماثلاً مع انتشار هذه الجماعات ووسط هشاشة مؤسسات الدولة.
وعبّرت تونس خلال بيان رسمي عن 'تضامنها الكامل مع الشعب المالي'، ورفضها 'المساس بوحدة أراضيه وسيادته وأمنه واستقراره'، ودانت بشدة 'اللجوء إلى العنف المسلح الذي يستهدف هذا البلد الأفريقي'.
وفي ما يتعلق بتدفقات الهجرة غير النظامية، تُعد تونس خط دفاع عن الضفة الشمالية للمتوسط، ولا يمكن لوحدها أن تتحمل عبئاً مضاعفاً، مما يدعو الدول الأوروبية الى مزيد من الدعم المادي واللوجستي لإحكام مراقبة الحدود وتعزيز نسق ترحيل المهاجرين، وتفعيل اتفاقات إعادة القبول بالتنسيق مع دول جنوب الصحراء المصدرة للمهاجرين نحو شمال أفريقيا.
وتؤكد تونس دوماً أنها ليست دولة عبور، وتعتمد مقاربة متوازنة تلائم بين واجب حماية حدودها وفرض سيادة القانون واحترام التزاماتها الدولية، مشددة على أن المقاربة العادلة والشاملة لهذه الظاهرة تقوم على معالجة الأسباب الحقيقية المسببة لها من خلال سياسات ومقاربات تنموية مستدامة تكون بدائل حقيقية للهجرة غير النظامية.
وفي خضم التخوفات من احتمال تدفق مزيد من المهاجرين غير النظاميين نتيجة تدهور الوضع الأمني في مالي، يستبعد الدبلوماسي السابق عبدالله العبيدي ضمن تصريح خاص، 'تدفق مزيد من المهاجرين لعدم وجود حدود مشتركة مع مالي'، معوّلاً على 'التنسيق الأمني بين تونس والجزائر للحيلولة دون وصول المهاجرين'.
كذلك يرى العبيدي أن 'تدهور الوضع الأمني في مالي لن يدفع الملايين إلى مغادرة بلادهم'، داعياً إلى 'مزيد من اليقظة وإحكام مراقبة الحدود الغربية، خصوصاً بالتنسيق الأمني مع السلطات الجزائرية'.

























